عن الكتاب
عشرون سنة من العمر أنفقها رجلٌ واحد ليجمع لسان أمةٍ في كتاب. أراد أن يحفظ العربية في زمنٍ رآه يزهد فيها، فعمد إلى خمسةٍ من أمهات كتب اللغة، فحلّ متفرقها ووصل مقطوعها، وأخرجها بحرًا واحدًا لا تكاد تسأله عن كلمةٍ عربية إلا أجابك. جعله صاحبه، على حد قوله، «كسفينة نوح، من دخلها نجا»، فكان بحق أوسع خزائن العربية وأجمعها. هذا هو «لسان العرب» لابن منظور.

هو أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري، المعروف بابن منظور، من ذرية الصحابي رويفع بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه. وُلد سنة 630 هـ في القرن السابع الهجري، ونشأ على العلم والأدب حتى صار من أعلام اللغة في عصره. عمل كاتبًا في ديوان الإنشاء بالقاهرة، وولي القضاء في طرابلس الغرب، وقضى عمره الطويل بين الوظيفة والتصنيف والنسخ.
اشتُهر ابن منظور بأنه من أعظم المختصِرين في تاريخ الأدب العربي؛ قال عنه الحافظ ابن حجر إنه اختصر كثيرًا من كتب الأدب المطوّلة. فاختصر «تاريخ دمشق» لابن عساكر في مجلداتٍ كثيرة، واختصر «الأغاني» و«زهر الآداب» و«مفردات ابن البيطار» وغيرها، حتى قيل إن بخط يده من المختصرات ما لا يكاد يُحصى. وكان مع سعة اطلاعه محبًّا للعربية غيورًا عليها.
وفي أواخر عمره كُفّ بصره، فلم يمنعه ذلك من مكانته بين أهل العلم. تُوفّي بالقاهرة سنة 711 هـ عن نحو إحدى وثمانين سنة، وقد ترك للأمة كتابًا يخلّد اسمه ما بقيت العربية تُقرأ: «لسان العرب».
صنّف ابن منظور معجمه في عصر دولة المماليك، وهو عصرٌ اختلطت فيه ألسنةٌ كثيرة، وكثر فيه أهل الحكم والجند من غير العرب. رأى ابن منظور، كما يفصح في مقدمته، أن كثيرًا من أهل زمانه صاروا يفخرون بغير لغتهم ويزهدون في العربية، فخشي على لسان القرآن أن يندرس، فعزم على أن يجمع للناس ما تفرّق من كلام العرب في كتابٍ واحد يكون لهم عصمةً وملجأً.
ولم يكن مقصده أن يبتكر مادةً جديدة، بل أن يحفظ ويجمع ويُيسّر. يقول في مقدمته إنه لا يمتنّ بفضلٍ في هذا الكتاب إلا أنه جمع فيه ما كان متفرقًا في كتبٍ خمسةٍ من أوثق كتب اللغة، فأحرز معظمها وضمّ شتاتها. ولهذا شبّه صنيعه بسفينة نوح عليه السلام: من ركبها من طلاب العربية نجا من الغرق في بحر الجهل باللسان.
وجعلتُه للخلَف عن السلَف كسفينة نوح، من دخلها نجا.
قام «لسان العرب» على جمع خمسة من أعظم مصنّفات اللغة والغريب في كتابٍ واحد، صرّح بها ابن منظور في مقدمته. أولها «تهذيب اللغة» لأبي منصور الأزهري، وثانيها «المحكم والمحيط الأعظم» لابن سيده، وكلاهما من أوسع كتب اللغة استيعابًا. وثالثها «الصحاح» للجوهري وهو أضبطها وأحسنها ترتيبًا، ورابعها «حاشية ابن بري» على الصحاح لتصحيح ما وقع فيه، وخامسها «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير.
أراد ابن منظور أن يجمع بين حُسنَيْن كانا متفرقَين في هذه الكتب: سعة الاستيعاب التي في «التهذيب» و«المحكم»، وجودة الترتيب التي في «الصحاح». فمن هنا جاء «لسان العرب» جامعًا محيطًا، يحوي غريب اللغة، وغريب القرآن، وغريب الحديث، مع الشواهد التي تثبت المعاني من آيٍ وأحاديث وأشعارٍ وأمثالٍ وأقوال العرب.
وهذا المنهج التجميعي هو سرّ سعة الكتاب وثقة أهل العلم به: فأنت حين تقرأ مادةً في «لسان العرب» تقرأ في الحقيقة خلاصة ما قاله كبار أئمة اللغة في تلك الكلمة، مجموعًا بين دفتَي كتابٍ واحد، فتغنيك المادة الواحدة عن مراجعة خمسة مصنّفات.
رتّب ابن منظور معجمه على النظام الذي سنّه الجوهري في «الصحاح»، وهو نظام الأبواب والفصول القائم على الحرف الأخير من أصل الكلمة. فالكلمة تُطلب أولًا في «باب» حرفها الأخير، ثم في «فصل» حرفها الأول. فكلمة «كَتَبَ» مثلًا تُلتمس في باب الباء، فصل الكاف؛ وكلمة «رَحَلَ» في باب اللام، فصل الراء. وقد وُضع هذا الترتيب أصلًا ليخدم الشعراء في التماس القوافي.
وهذا النظام دقيقٌ محكم، لكنه يحتاج من القارئ المعاصر إلى دُربة، إذ يلزمه أن يردّ الكلمة إلى جذرها ويعرف حرفها الأخير قبل أن يهتدي إلى موضعها. ولهذا عمدت بعض الطبعات الحديثة، كطبعة دار المعارف بمصر، إلى إعادة ترتيب المعجم على الحروف الهجائية المعتادة بحسب الحرف الأول، تيسيرًا على الباحثين، مع الحفاظ على مادة الكتاب كما هي.
تبوّأ «لسان العرب» مكانة الصدارة بين معاجم العربية، فهو أشهرها على الإطلاق وأوسعها انتشارًا، وظلّ قرونًا أضخم ما صُنّف في اللغة حتى جاء «تاج العروس» للزَّبيدي فبزّه حجمًا، وأفاد منه الزَّبيدي نفسه في مادته. وما زال «لسان العرب» المرجع الأول الذي يقصده الأديب والفقيه والمفسّر والباحث كلما أعياه معنى كلمة أو أراد أن يتقصّى وجوه استعمالها في كلام العرب.
طُبع الكتاب طبعاتٍ كثيرة، أقدمها طبعة بولاق بمصر في عشرين مجلدًا، وأشهرها طبعة دار صادر ببيروت في خمسة عشر مجلدًا وهي المتداولة بين طلبة العلم اليوم. وإلى جانبها طبعة دار المعارف المرتّبة على الحروف الهجائية لتيسير البحث. وقد صار الكتاب معدودًا في كل مكتبة عربية جادّة، لا يُستغنى عنه في تحقيق التراث ولا في دراسة اللغة.
وأثر «لسان العرب» لا يقاس بعدد طبعاته وحدها، بل بأنه صار الخزانة التي يُحتكم إليها في معاني الألفاظ منذ أكثر من سبعة قرون؛ يُنقل منه في التفسير وشروح الحديث والمعاجم اللاحقة، ويُستشهد به في المجامع اللغوية الحديثة، ويظل حاضرًا في كل بحثٍ عن أصل كلمةٍ عربية.
لست في حاجة إلى أن تحمل مجلدات «لسان العرب» ولا أن تتقن نظام القافية لتنتفع به هنا. افتح الكتاب وابحث عن الكلمة التي تريد، فيوصلك القارئ إلى مادتها ليعرض عليك ما قاله أئمة اللغة في معناها ووجوه استعمالها والشواهد عليها، مجموعًا في موضعٍ واحد.
اجعله رفيق قراءتك: كلما مرّت بك كلمةٌ غريبة في آيةٍ أو حديثٍ أو بيت شعر، عُد بها إلى «لسان العرب» لتقف على أصلها ومعناها ودقائق دلالتها. النص كامل متاح للقراءة مجانًا على رحلة، فابدأ من أي مادةٍ شئت، وتنقّل في بحر العربية كما تحب.
النص الكامل بين يديك
لسان العرب كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا
1 فصل

محمد مرتضى الحسيني الزبيدي
1 فصل

محمد بن يعقوب الفيروزآبادي
1 فصل

اسماعيل بن حماد الجوهري
664 فصلاً

محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً