عن الكتاب
لمّا فرغ مجدُ الدين الفيروزآبادي من «القاموس المحيط» ظنّ الناسُ أنّ العربيةَ قد بلغت منتهاها في مجلدٍ واحدٍ محكمٍ يُحفظ عن ظهر قلب. ثم جاء بعده بأربعة قرونٍ رجلٌ هنديُّ المولد، عربيُّ اللسان، حسينيُّ النسب، فنظر في ذلك «البحر» فرآه يحتاج إلى مَن يغوص فيه ويستخرج جواهره ويردّ إليه ما تناثر في دواوين العربية كلها. فعكف السيّد مرتضى الزبيدي سنينَ طوالًا يشرح القاموس ويستدرك عليه ويحشد حوله شواهد الشعر والقرآن وكلام العرب، حتى خرج من يده أوسعُ معجمٍ عرفته العربية، في نحو أربعين مجلدًا جمع فيها خلاصةَ اللغة بين دفّتين. فكان هذا الكتاب خاتمةَ المعاجم الجامعة وتاجَها: «تاج العروس من جواهر القاموس».

هو أبو الفيض محمد بن محمد بن محمد الحسيني الزبيدي، الملقّب بمرتضى، من أسرةٍ ترجع في نسبها إلى بيت النبوّة، ونسبتُه «الزبيدي» إلى مدينة زَبيد باليمن التي منها أصلُ آبائه. وُلد نحو سنة 1145 هـ ببلاد الهند ونشأ بها أوّل أمره، ثم شدّ الرحال في طلب العلم كما يفعل الكبار، فطاف اليمن والحرمين، وأخذ عن جِلّة الشيوخ، وجمع من الأسانيد والإجازات ما جعله مسنِدَ عصره ومقصدَ الطلاب من الآفاق.
استقرّ الزبيدي أخيرًا بمصر، فتصدّر للتدريس والإقراء والإفادة بالقاهرة، وذاع صيتُه حتى كاتبه العلماء والأمراء من أطراف العالم الإسلامي يستجيزونه ويستفتونه. عُرف بسعة الرواية ودقّة الضبط والتبحّر في اللغة والحديث والأنساب، فاجتمع له من العلم بأنساب العرب وأخبارهم وألسنتهم ما قلّ أن اجتمع لأحدٍ في زمانه، وصار بيتُه بالقاهرة مجمعًا للعلماء والرحّالة.
ولم يكن «تاج العروس» ثمرتَه الوحيدة؛ فله «إتحاف السادة المتّقين بشرح إحياء علوم الدين» في شرح كتاب الغزالي، وهو موسوعةٌ في نفسه، وله تصانيف في الأنساب والحديث والأسانيد. ثم اختطفه الطاعون الذي اجتاح مصر سنة 1205 هـ، فمات بالقاهرة وقد ملأ الدنيا علمًا وتصنيفًا، وترك للعربية أعظمَ معاجمها.
لفهم «تاج العروس» لا بدّ من أصله. كان مجدُ الدين الفيروزآبادي قد همّ بتأليف معجمٍ ضخمٍ سمّاه «اللامع المُعْلَم العُجاب، الجامع بين المُحكَم والعُباب»، أراده في مجلّداتٍ كثيرة تستوعب اللغة كلها، ثم رأى أنّ الناس تنفر من الطِّوال، فاختصر مقصودَه في مجلّدٍ واحدٍ سمّاه «القاموس المحيط». وقد أحسنَ اختيار الاسم؛ فالقاموس في لسان العرب هو البحرُ الأعظم، فكأنّه سمّى كتابه بحرًا يُحيط بالكلام.
ذاع «القاموس المحيط» ذيوعًا عظيمًا حتى صار عَلَمًا على معاجم العربية، يُحفظ ويُتداول ويُدرَّس. لكنّ شدّة اختصاره ورموزَه المكثّفة جعلته عسيرًا على غير المتمكّن؛ فهو يُودِع المعنى في كلماتٍ قليلة، ويرمز للبلدان والأوزان برموزٍ اصطلاحية، ويترك من الشواهد والتعليل ما يحتاجه القارئ. فطمِعَ الزبيدي أن يفكّ هذا الإيجاز ويبسط ما طواه، ويردّ الكلمةَ إلى أصولها في دواوين اللغة، فوضع «تاج العروس» شرحًا للقاموس واستدراكًا عليه في آنٍ واحد.
القاموسُ: البحرُ الأعظمُ، ومُعظَمُه، وأبعدُ موضعٍ فيه غَوْرًا.
سار الزبيدي على ترتيب القاموس نفسِه، وهو نظامُ «التقفية» الذي ابتكره الجوهري في «الصحاح» وتبعه عليه الفيروزآبادي. في هذا النظام يُرتَّب المعجم على الحرف الأخير من أصل الكلمة، فيُجعل بابًا، ثم على الحرف الأول فيُجعل فصلًا داخل الباب. فكلمةٌ مثل «كَتَبَ» تُطلَب في باب الباء، في فصل الكاف؛ لأنّ آخر أصولها الباء وأوّلها الكاف.
وحكمةُ هذا الترتيب أنّه يجمع القوافي فييسّر على الشعراء والأدباء البحثَ عمّا يُقفّون به، ويُقرّب المتشابهات في المخرج والوزن. وهو يختلف عن ترتيب «لسان العرب» و«الصحاح» في تفاصيل، ويختلف كلَّ الاختلاف عن الترتيب الألفبائي المعتاد في المعاجم الحديثة. فمن أراد أن ينتفع بالتاج ينبغي أن يألف هذا النظام: أن يردّ الكلمة إلى جذرها المجرّد، ثم يقصد بابَ حرفها الأخير، ففصلَ حرفها الأول.
وطريقتُه في داخل المادة أن يورد لفظَ القاموس بنصّه، ثم يعقّب عليه شارحًا ومفصّلًا، يضبط الكلمة بالحركات لا بالرموز، ويكشف مبهمَها، ويحرّر أوهامَ الأصل إن وقعت، ويسوق من الشواهد والأقوال ما يشهد للمعنى ويوثّقه. فتقرأ المادةَ فتجد القاموس محفوظًا في قلبها، وحولَه شرحٌ يفيض بما وراءها من علمٍ ونقلٍ وتحقيق.
ليس «تاج العروس» شرحًا لكتابٍ واحد بقدر ما هو خزانةٌ جمع فيها الزبيدي شتاتَ المعجمية العربية كلها. فقد نقل عن «لسان العرب» لابن منظور و«الصحاح» للجوهري و«تهذيب اللغة» للأزهري و«المُحكَم» لابن سيده و«العُباب» للصغاني و«المصباح المنير» للفيومي وطبقاتٍ من كتب اللغة والغريب والأنساب، حتى قيل إنّه اعتمد مئاتِ المصادر. فمن قرأ التاج فكأنّه قرأ خلاصةَ ما كتبه اللغويون قبله في مادةٍ واحدة مجموعة.
ولم يقف عند النقل، بل زاد وحرّر واستدرك. زاد الشواهدَ من القرآن الكريم والحديث الشريف وأشعار العرب وأمثالهم، وأضاف من الأعلام والقبائل والبلدان والمواضع ما لم يذكره الأصل، واستدرك على الفيروزآبادي مواضعَ اعترض فيها عليه أو صحّح له. وبهذا خرج الكتاب أضعافَ أصله حجمًا، حتى صار «القاموس المحيط» كالنواة الصغيرة في قلب شجرةٍ باسقة.
وبهذا السَّعة والجمع صار «تاج العروس» يُذكر مع «لسان العرب» بوصفهما أكبرَ معجمين في التراث العربي وأجمعَهما للمادّة اللغوية. غير أنّ التاج يمتاز بأنّه جاء متأخّرًا فأفاد ممّن سبقه جميعًا، فكان كالحصيلة النهائية التي تلاقت عندها روافدُ المعجمية العربية على اختلاف مدارسها وأزمنتها.
احتلّ «تاج العروس» منذ ظهوره مكانةَ المرجع الأخير الذي يُرجَع إليه عند اختلاف المعاجم أو غموض اللفظ، لأنّه يجمع أقوالها ويوازن بينها. ولا يكاد باحثٌ في اللغة أو محقّقٌ لكتابٍ تراثيّ يستغني عنه؛ فهو خزانةٌ يجد فيها الغريبَ والنادر والمهجور، مع توثيقٍ للأقوال وعزوٍ لأصحابها. ولضخامته وطول نفَسه صار مثالًا يُضرب في سَعة الاطّلاع وطول الصبر على الجمع والتحرير.
طُبع الكتاب أوّلَ ما طُبع بمصر في «المطبعة الخيرية» ببولاق في عشرة أجزاء ضخام أواخر القرن الثالث عشر الهجري، فكانت هذه الطبعة عمدةَ الباحثين زمنًا طويلًا على ما فيها من هَناتٍ لَحِقت بالطبع القديم. ثم قام على تحقيقه فريقٌ من العلماء تحت رعاية المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، فأخرجوه محقَّقًا مضبوطًا في أربعين مجلدًا على مدى عقودٍ من العمل، وهي اليوم أوثقُ طبعاته وأتمُّها.
وبقي أثرُ التاج ممتدًّا في كلّ عملٍ معجميّ حديثٍ جاء بعده؛ فالمعاجم المعاصرة تنهل منه، والمجامع اللغوية تعود إليه، والمحقّقون يستشهدون به. وهو شاهدٌ على أنّ العربية بلغت في خدمة مفرداتها غايةً لم تبلغها لغةٌ سواها، وأنّ رجلًا واحدًا قد يحمل تراثَ أمّةٍ بأسرها ويردّه إلى الناس مجموعًا محرَّرًا.
أربعون مجلدًا قد تبدو بحرًا لا ساحل له، لكنّ «تاج العروس» على رحلة بين يديك كاملًا، منظّمًا على أبوابه وفصوله كما وضعه الزبيدي، تتصفّحه وتبحث فيه بلا عناء الورق ولا ثقل المجلّدات. لست بحاجةٍ إلى أن تملكه في خزانتك أو أن تقلّب صفحاته الطويلة؛ يكفيك أن تقصد الكلمة التي تريد فتجد شرحَها وشواهدَها وأقوال العلماء فيها مجموعةً في مكان.
إن كنت باحثًا أو طالب علمٍ أو محبًّا للعربية تبحث عن أصل كلمةٍ أو دلالةِ لفظٍ نادر، فهذا الكتاب هو مرجعك الأوسع. اردُد الكلمةَ إلى جذرها، ثم اطلبها في بابها وفصلها، فتفتح لك المادةُ خزانةً من المعاني والشواهد. النصُّ كاملٌ هنا، تقرؤه وتبحث فيه كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
تاج العروس كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)
700 فصلاً

أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا
1 فصل

محمد بن يعقوب الفيروزآبادي
1 فصل

اسماعيل بن حماد الجوهري
664 فصلاً

محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً