عن الكتاب
حين أراد الجوهري أن يصنع معجمه لم يشأ أن يجمع كل ما قيل في العربية على علّاته، بل عزم على أمرٍ أدقّ وأصعب: أن ينتقي الصحيح المحقَّق من كلام العرب ويطرح ما لا تثبت صحّته، فسمّى كتابه بما التزمه فيه فكان اسمه عنوان منهجه. ثم ابتكر له ترتيبًا جديدًا لم يألفه أهل المعاجم من قبله، فبنى الأبواب على أواخر الحروف لا على أوائلها، فصار العالِم والشاعر يهتديان إلى القافية والرويّ في يُسر. ولم يكن قد بلغ من رحلته في بوادي العرب ما بلغ إلا بعد أن خالط ربيعة ومضر وسمع فصيح اللسان من أفواه أهله. هذا هو «الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية» لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، أحد أشهر معاجم العربية على الإطلاق، والأصل الذي بُني عليه لسان العرب والقاموس المحيط.

هو أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، من أهل فاراب في بلاد ما وراء النهر، تركيّ الأصل عربيّ اللسان والعلم. نشأ في مشرق العالم الإسلامي ثم رحل في طلب العربية إلى العراق، فأخذ عن كبار أئمة اللغة والنحو في زمانه، ومنهم أبو علي الفارسي وأبو سعيد السيرافي، وكانا من أعلام مدرسة البصرة والبغداديين. فجمع بذلك بين متانة التأصيل النحوي وسعة الرواية اللغوية، وصار من الطبقة التي يُشار إليها في علوم العربية.
ولم يكن الجوهري لغويًّا فحسب، بل كان من أحسن الناس خطًّا، يُعدّ في الخطّاطين المجيدين، حتى قيل إنّ خطّه يُضرب به المثل في الإتقان والجمال. وكان على صلةٍ وقرابةٍ بأبي إبراهيم إسحاق الفارابي صاحب معجم «ديوان الأدب»، فنشأ في بيتٍ للعلم واللغة، وأخذ صنعة المعجم عن أهلها قبل أن يبتكر فيها طريقته الخاصة.
ولمّا فرغ من التطواف استقرّ به المقام في خراسان، وأقام بنيسابور يعلّم ويصنّف. وهناك خُتمت حياته بنهايةٍ عجيبةٍ تناقلها المؤرّخون كابن خلّكان وياقوت الحموي؛ إذ يُروى أنه اختلّ في آخر عمره، فحمل مصراعين من خشبٍ صعد بهما سطح مسجدٍ بنيسابور يريد أن يطير، فسقط فمات. وبقيت هذه القصّة عالقةً باسمه، لكنها لم تحجب أنه ترك واحدًا من أبقى معاجم العربية أثرًا وأوسعها انتشارًا.
عاش الجوهري في القرن الرابع الهجري، وهو العصر الذهبي لصناعة المعجم العربي. ففي هذا القرن نفسه ازدحمت المكتبة بأمّهات المعاجم الكبرى: «تهذيب اللغة» للأزهري، و«جمهرة اللغة» لابن دريد، و«المحيط» للصاحب بن عبّاد، و«مقاييس اللغة» و«مجمل اللغة» لابن فارس. وكانت هذه الأعمال في جملتها تتّجه إلى الاستيعاب والجمع، تحرص على ألّا يفوتها من كلام العرب شيء. فجاء الجوهري ليسلك مسلكًا مقابلًا: لا الاستيعاب غايته، بل التحقيق والتنقية.
ولم يبنِ الجوهري معجمه على ما جمعه غيره فحسب، بل شدّ الرحال بنفسه إلى منابع الفصاحة. فطاف في بوادي الحجاز ونجد، وخالط قبائل ربيعة ومضر التي كان لسانها لا يزال قريبًا من العربية الأولى، وسمع الكلام من أفواه أهله لا من بطون الكتب وحدها. وبهذه الرحلة اطمأنّ إلى ما يثبته، فما أودعه كتابه إنما أودعه بعد سماعٍ وتحقيق، لا نقلًا مجرّدًا عمّن سبق.
وهنا يظهر سرّ التسمية؛ فقد سمّى كتابه «تاج اللغة وصحاح العربية»، والتزم أن يقتصر على ما صحّ عنده من كلام العرب، ويُعرض عن الغريب المطعون فيه والدخيل الذي لا تثبت له نسبة. فصار الاسم عهدًا على صاحبه ومقياسًا لقارئه: إن وجدت الكلمة في «الصحاح» فقد أُدرجت لأن مؤلّفها ارتضى صحّتها. ولهذا صار الكتاب مرجع أهل التحرير والضبط، يُحتكم إليه فيما يُوثَق به من اللغة.
يقوم منهج «الصحاح» على ركنين اثنين، أوّلهما الاقتصار على الصحيح المحقَّق دون استقصاء كل شاردةٍ وواردة. فليس مقصده أن يحصي اللغة كلها، بل أن يقدّم للناس مادّةً موثوقةً منقّحةً يأمنون أن يبنوا عليها، ولذلك جاء كتابه معتدل الحجم محرَّرًا، بعيدًا عن حشو النوادر والشواذّ التي تثقل المعاجم الجامعة وتشكّك في بعض ما فيها.
والركن الثاني هو ابتكاره في الترتيب. فقد كانت المعاجم قبله إمّا على مخارج الحروف كصنيع الخليل في «العين»، وإمّا على أوائل الأصول. أمّا الجوهري فرتّب كتابه على أواخر الأصول، فجعل الحرف الأخير من الكلمة بابًا، والحرف الأول فصلًا، ثم رتّب داخل ذلك على سائر الحروف. فتصير مادّة مثل «كتب» في باب الباء، فصل الكاف. وهذا هو ما عُرف بنظام القافية، لأنه ييسّر على الشاعر والناثر أن يجد ما يوافق رويّه وقافيته.
ولم يكن هذا الترتيب مجرّد طريقةٍ في الفهرسة، بل صار مدرسةً تبعها كبار المعجميين من بعده. فسار على أثره ابن منظور في «لسان العرب» والفيروزآبادي في «القاموس المحيط»، حتى غدا نظام القافية هو النظام السائد في أعظم معاجم العربية قرونًا طويلة. وبهذا يُعدّ الجوهري صاحب فتحٍ في صناعة المعجم لا في مادّته فحسب.
البابُ بالحرف الأخير، والفصلُ بالحرف الأول
يقع «الصحاح» في عدّة أجزاء، يضمّ نحو أربعين ألف كلمةٍ من موادّ العربية، مرتّبةً على الأبواب والفصول التي ابتكرها صاحبه. وطريقته في المادّة أن يذكر اللفظة ثم يفسّر معناها بعبارةٍ محرَّرةٍ موجزة، ويستشهد أحيانًا بالآية أو الحديث أو بيت الشعر، ويعتني بضبط البنية والحركات، فيجمع بين إفادة المعنى وضبط اللفظ في نسقٍ واحد.
وممّا يُذكر في تاريخ الكتاب أنّ الجوهري لم يفرغ من تبييضه كاملًا؛ فقد أتمّ نصفه الأول تحريرًا وتبييضًا، وبقي النصف الآخر في مسوّداته لم يستكمل تنقيحه، فأتمّ تبييضه بعده تلميذه أبو إسحاق إبراهيم بن صالح الورّاق. ولهذا نسب بعض العلماء ما وقع في الكتاب من هَنَاتٍ يسيرةٍ إلى هذا الجانب الذي لم تبلغه يد المؤلف بالمراجعة الأخيرة، لا إلى قصورٍ في علمه.
وهذا لا يغضّ من قيمة الكتاب في جملته؛ فإنّ ما حرّره الجوهري وأتقنه جاء آيةً في الدقّة والإيجاز، حتى صار من أكثر المعاجم تداولًا بين الناس لسهولة تناوله واعتدال حجمه. فمن أراد معجمًا موثوقًا لا يُرهقه بحشد الغريب، ويصل به إلى مقصده في يُسرٍ عبر بابه وفصله، وجد في «الصحاح» بغيته.
ترك «الصحاح» أثرًا لا يكاد يعدله معجمٌ آخر في تشكيل ما جاء بعده. فقد صار أصلًا يُبنى عليه ويُستدرك عليه في آنٍ واحد. عُني به العلماء تصحيحًا واستدراكًا، فكتب عليه أبو محمد عبد الله بن بَرّي حواشيه المشهورة يستدرك فيها ما رآه من أوهام، وصنّف رضيّ الدين الصاغاني كتابه «التكملة والذيل والصلة لما فات صاحب الصحاح» ليُلحق به ما لم يذكره الجوهري ممّا صحّ عنده.
ثم جاء ابن منظور فبنى «لسان العرب» على «الصحاح» وجعله أحد أصوله الكبرى، وضمّ إليه «تهذيب» الأزهري و«محكم» ابن سِيدَه وحواشي ابن بَرّي وتكملة الصاغاني، فكان لسان العرب في وجهٍ منه توسعةً لصنيع الجوهري على نظامه. وجاء الفيروزآبادي فصنع «القاموس المحيط» على النهج نفسه في الترتيب، وقصد فيه إلى الاستيعاب وتدارك ما فات «الصحاح» من مواد، فكان معجمه في حوارٍ دائمٍ مع الجوهري نقدًا وإكمالًا.
وقد نال «الصحاح» عناية المحققين في العصر الحديث، وأشهر طبعاته وأجودها تحقيق أحمد عبد الغفور عطّار الذي أخرجه في ستة أجزاء مع مقدّمةٍ ضافيةٍ عن المؤلف وكتابه، وصارت هي الطبعة المعتمدة المتداولة. وبين حواشي ابن بَرّي وتكملة الصاغاني وشروح المتأخرين، بقي «الصحاح» حيًّا يُقرأ ويُستدرك عليه ويُبنى عليه بعد أكثر من عشرة قرون.
أنفع طرق قراءة «الصحاح» أن تجعله معجمك الموثوق لضبط المعنى واللفظ معًا؛ فإذا استوقفتك كلمةٌ في آيةٍ أو حديثٍ أو نصٍّ أدبيّ، ارجع إلى مادّتها في الكتاب، واقرأ تفسير الجوهري المحرَّر لها، وتأمّل ضبطه لبنيتها وحركاتها. وتذكّر أنّ ترتيبه على القافية، فمفتاح الوصول إلى الكلمة هو حرفها الأخير بابًا وحرفها الأول فصلًا، وهو ما تكفيه عنك أدوات البحث على رحلة.
وهو كنزٌ لطلّاب العلم من المفسّرين والمحدّثين والفقهاء والأدباء والشعراء، ولكل من يريد أن يكتب العربية عن ثقةٍ بصحّة ألفاظها. وعلى رحلة تجد «الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية» كاملًا، يوصلك الفهرس والبحث إلى أيّ مادّةٍ تريدها في لحظة، فابدأ بكلمةٍ تحبّها أو تحيّرك، واقرأه كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
الصحاح للجوهري كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)
700 فصلاً

أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا
1 فصل

محمد مرتضى الحسيني الزبيدي
1 فصل

محمد بن يعقوب الفيروزآبادي
1 فصل

محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً