عن الكتاب
حين يجتمع للكتاب أصلٌ متينٌ وشارحٌ مجتهد، يولد مرجعٌ لا يُستغنى عنه. أخذ الشوكاني «منتقى الأخبار»، ذلك الديوان الذي جمع فيه مجدُ الدين ابن تيمية أحاديثَ الأحكام على أبواب الفقه، فلم يقف عند روايته، بل نصب نفسه بين يدي كل حديث: يخرّجه ويحكم على إسناده، ثم يفتح به بابًا من الفقه المقارن، يعرض فيه أقوال المذاهب وأدلتها، ثم يرجّح ما نهض عليه الدليل غيرَ متعصّبٍ لمذهبٍ ولا مقيّدٍ بتقليد. من هذا اللقاء بين متنٍ محرَّرٍ وعقلٍ مجتهد وُلد «نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار».

هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني الصنعاني، وُلد سنة 1173 هـ ونشأ بصنعاء في بيت علمٍ وقضاء. طلب العلم على علماء اليمن في عصره، فبرع في التفسير والحديث والفقه وأصوله والعربية حتى صار من أوسع أهل زمانه روايةً ودرايةً، وتصدّر للتدريس والإفتاء والتصنيف وهو بعدُ في مقتبل عمره. ثم وُلّي قضاء صنعاء سنة 1229 هـ، فبقي قاضيًا لها إلى أن توفي، يجمع بين منصب القضاء ومجلس العلم وقلم التأليف.
نشأ الشوكاني في بيئةٍ يغلب عليها المذهب الزيدي، لكنه لم يقف عند حدود التقليد؛ بل ارتقى إلى الاجتهاد المطلق، فجعل حكمه للدليل من الكتاب والسنة حيثما دار، لا لقول مذهبٍ بعينه. وكان من أشدّ الناس على التعصّب المذهبي، يرى أن التقليد قد أقعد الأمة عن النظر في نصوصها، فدعا إلى فتح باب الاجتهاد ورَدِّ المسائل إلى أدلتها. وهذه الروح هي التي تسري في «نيل الأوطار» من أوله إلى آخره.
وقد ترك الشوكاني مكتبةً غنيةً صارت من أصول أهل العلم: «فتح القدير» في التفسير الجامع بين الرواية والدراية، و«إرشاد الفحول» في أصول الفقه، و«السيل الجرار» و«الدراري المضيّة»، و«البدر الطالع» في تراجم الأعلام. لكن يبقى «نيل الأوطار» أشهرَ آثاره وأعظمها أثرًا، حتى إنه يُقرَن باسمه فيُقال: صاحب «نيل الأوطار». توفي بصنعاء سنة 1250 هـ.
لا يُفهم «نيل الأوطار» إلا بمعرفة أصله المشروح. فالمتن هو «منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار» للإمام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية الحرّاني (المتوفى سنة 652 هـ)، وهو جدُّ شيخ الإسلام ابن تيمية، وفقيهٌ حنبليٌّ كبير. جمع في «المنتقى» أحاديث الأحكام، أي الأحاديث التي تُبنى عليها المسائل الفقهية، ورتّبها على أبواب الفقه من الطهارة إلى ما بعدها.
وقد بلغ ما انتقاه قرابة خمسة آلاف حديثٍ من دواوين السنة، فكان من أجمع كتب أحاديث الأحكام وأوسعها، يقصده الفقهاء والمحدّثون لأنه يضع بين أيديهم المادة الحديثية للأحكام مرتبةً منسّقة. غير أنّ المجدَ اقتصر على سياق المتون وعزوها في الجملة، ولم يبسط الكلام على الأسانيد ولا على ما يُستنبط منها من فقه، فبقي المتن كنزًا يحتاج إلى من يفكّ مغالقه.
فجاء الشوكاني بعده بقرونٍ فوجد فيه ضالّته: أصلٌ محرَّرٌ في أحاديث الأحكام، صالحٌ لأن يُبنى عليه شرحٌ يجمع الحديثَ والفقه معًا. فاختاره ليكون حاملًا لمشروعه في تحكيم الدليل، إذ لا شيء أنسبَ لدعوةٍ تنادي بالرجوع إلى النص من كتابٍ مادّتُه كلها نصوص. وبهذا صار «المنتقى» جسدًا و«نيل الأوطار» روحًا تسري فيه.
يمضي الشوكاني في شرحه على نسقٍ محكمٍ يتكرر مع كل حديث، فيصير القارئ به كأنه يتعلّم صناعة الاستنباط نفسها. يورد الحديث من «المنتقى»، ثم يبدأ بتخريجه فيذكر من رواه من أصحاب الكتب، ويبيّن درجته صحةً وضعفًا بلغة أهل الحديث لا بالتسليم المجرّد، فيصل القارئ إلى الحكم وهو على بيّنةٍ من ثبوت أصله.
ثم ينتقل من الرواية إلى الدراية: يشرح غريب الألفاظ، ويحرّر محلّ النزاع، ثم يعرض أقوال المذاهب في المسألة، الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم، مع أدلة كل فريق ووجه استدلاله. وهنا تظهر قيمة الكتاب بوصفه موسوعةً في الفقه المقارن، إذ يجمع للقارئ في موضعٍ واحدٍ ما تفرّق في كتب المذاهب، ويكشف له مأخذ الخلاف ومنشأه.
وبعد العرض يأتي دور المجتهد: يرجّح الشوكاني ما نهض عليه الدليل، غيرَ محابٍ لمذهبٍ ولا مقيَّدٍ بتقليد، فيصرّح بالراجح ويبيّن وجه ترجيحه، وربما ردّ على المشهور إذا خالف النص. هذا الجمع بين التخريج والفقه المقارن والترجيح الحر هو ما جعل «نيل الأوطار» مدرسةً قائمةً بنفسها في فقه الحديث، لا مجرد شرحٍ لكتاب.
قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
جرى الكتاب على ترتيب «المنتقى» نفسه، وهو ترتيب كتب الفقه المعروف: يبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة والجنائز والزكاة والصيام والحج، ثم البيوع والمعاملات، ثم النكاح والطلاق، ثم الجنايات والحدود والقضاء والجهاد وسائر أبواب الأحكام. فمن ألِف مسائل الفقه اهتدى إلى مطلوبه في الكتاب بلا عناء، إذ يجد كل بابٍ في موضعه المعهود.
وتحت كل كتابٍ أبوابٌ وفصول، وتحت كل بابٍ أحاديثه التي تُبنى عليها مسائله، فيسير القارئ من العبادات إلى المعاملات على نظامٍ واحدٍ متّسق. وهذا الترتيب يجعل الكتاب صالحًا لأمرين معًا: للقراءة المتتابعة على أبوابها لمن أراد أن يبني ملَكةً فقهيةً حديثية، وللمراجعة السريعة لمن قصد مسألةً بعينها فأراد أدلتها وأقوال العلماء فيها.
وقد طُبع الكتاب في نحو ثمانية أجزاء في أشهر طبعاته، وإن اختلف عدد المجلدات باختلاف النَّشرات والتحقيقات. وعلى كثرة مادّته وسَعة أطرافه بقي محتفظًا بوَحدة منهجه: حديثٌ، فتخريجٌ، فأقوالٌ وأدلة، فترجيح، قالبٌ لا يكاد يتخلّف من أول الكتاب إلى آخره.
قلّ أن يُذكر فقه الحديث في العصور المتأخرة دون أن يُذكر «نيل الأوطار» في طليعته. صار مرجعًا لطلاب العلم والفقهاء والمفتين، يعتمدونه في تحرير أحاديث الأحكام ومعرفة مذاهب العلماء وأدلتهم، وأثنى عليه أهل العلم لجمعه بين سعة المادة ودقّة الترجيح. وكان له أثرٌ ظاهرٌ في مدرسة العناية بالدليل والرجوع إلى النصوص التي انتشرت في القرون الأخيرة.
وقد تكرّرت طبعاته وتحقيقاته في مصر واليمن وسائر بلاد المسلمين، فتناوله المحقّقون بالضبط والتخريج والفهرسة، حتى غدا حاضرًا في كل مكتبةٍ علمية، متاحًا للباحث والدارس في نُسخٍ متعددة. ومع تعدّد الطبعات بقي النصُّ واحدًا، تشهد له عنايةُ الناشرين المتلاحقة على مرّ العقود بأنه من الكتب التي لا يستغني عنها المشتغلون بالفقه والحديث.
ولا يخلو الكتاب من مواضعَ اجتهد فيها الشوكاني فخالف المشهور، وهو شأن كل مجتهد؛ لكنّ ذلك لم يغُضّ من قدره، بل زاده حضورًا في مجالس المناقشة والتحقيق. وبقيت مزيّته الكبرى أنه يعلّم قارئه كيف يصل من الحديث إلى الحكم، فيخرج منه لا بمسألةٍ واحدة، بل بطريقةٍ في النظر تصحبه في كل مسألة يستقبلها.
إن كنت طالب علمٍ تبني ملَكتك الفقهية، فاقرأه على ترتيب أبوابه من كتاب الطهارة فما بعده، وتأمّل مع كل حديثٍ خطوات الشارح: كيف خرّجه، ثم كيف عرض الأقوال والأدلة، ثم على أيِّ شيءٍ رجّح؛ فبهذا تكتسب منهجًا في الاستدلال لا مسائل محفوظةً فحسب. وإن قصدت مسألةً بعينها، فانتقل إلى بابها مباشرةً لتجد أدلتها وأقوال العلماء فيها مجموعةً في مكانٍ واحد.
وفي القارئ على رحلة يتيسّر لك ذلك كلّه: النصُّ كاملًا مرتبًا على أبوابه كما وضعه المؤلف، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي كتابٍ أو بابٍ بضغطة واحدة. ابدأ من حيث شئت، واقرأ «نيل الأوطار» كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
نيل الأوطار كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل