عن الكتاب
في بغدادَ القرنِ الرابعِ، حيثُ تتجاذبُ المدينةَ أهواءُ المتكلمينَ وضجيجُ الفِرَقِ، كان صوتٌ حنبليٌّ صارمٌ يعلو في الجوامعِ والأسواقِ يذكّرُ الناسَ بعقيدةِ السلفِ ويحذّرُهم من مُحدَثاتِ الأمور. صاحبُ ذلك الصوتِ شيخُ الحنابلةِ ببغدادَ الحسنُ بنُ عليٍّ البربهاري، الذي التفَّ حولَه العوامُّ حتى هابَته الدولةُ في أواخرِ أيامِه. لم يكتبْ مطوَّلاتٍ في الجدلِ ولا رسائلَ في المنطقِ، بل أملى متنًا وجيزًا يجمعُ أصولَ الاعتقادِ في عباراتٍ محكمةٍ كالآثار، يفتتحُه بأنَّ الإسلامَ هو السنةُ والسنةَ هي الإسلام. هذا هو «شرح السنة» للبربهاري.

هو أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، من كبار أئمة الحنابلة ببغداد في القرن الرابع الهجري. قيل في نسبته «البربهاري» إنها إلى «البربهار»، وهي العقاقير والأدوية التي كانت تُجلب من الهند، فنُسب إليها لصلةٍ بها في تجارةٍ أو عمل. تفقّه على أصحاب الإمام أحمد بن حنبل وحملة مذهبه، وعلى رأسهم أبو بكر المروذي صاحب الإمام أحمد وخاصّته، فورث عنهم طريقة أهل الأثر في التمسّك بالنصّ والوقوف عند حدود ما جاء عن السلف.
ولم يكن البربهاري عالمًا منزويًا في حلقةٍ ضيقة، بل صار شيخ الحنابلة ومقدَّمهم في زمانه ببغداد، له صولةٌ ومهابةٌ وأتباعٌ كثيرون من العامة، شديدًا على أهل البدع والأهواء، قوّالًا بالحق آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر. وقد ترجم له الحافظ ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة»، وذكره الذهبي في «سِيَر أعلام النبلاء»، ووصفوه بأنه إمام وقته في السنة والذبّ عنها.
واشتدّ أمره حتى خشيت الدولة كثرة أتباعه وقوّة شوكتهم، فوقعت ببغداد فتنٌ بين الحنابلة ومخالفيهم، وأصدر الخليفة الراضي بالله منشورًا في التضييق على أهل هذه الطريقة نحو سنة ثلاثٍ وعشرين وثلاثمائة، فاستتر البربهاري في آخر عمره فرارًا من الطلب، وبقي مختفيًا حتى توفي سنة تسعٍ وعشرين وثلاثمائة للهجرة، فكانت خاتمته على ما عاش عليه من الثبات على معتقده.
وُلد هذا المتن في بيئةٍ مضطربةٍ فكريًّا؛ فبغدادُ القرنِ الرابعِ كانت ملتقى المذاهب والفِرَق: بقايا الاعتزال ومجالس الكلام، ونشاطُ التشيّع في ظلّ تصاعد النفوذ الشيعي، وبداياتُ تشكّل المدارس الكلامية المتأخرة. وفي مثل هذا الجوّ كان أهل الحديث والأثر يرون أنّ عقيدة العامة مهدَّدةٌ بالجدل والتأويل والابتداع، وأنّ الواجب تحصينها بتقريرٍ صافٍ لِما كان عليه السلف.
من هنا جاء «شرح السنة» لا ترفًا علميًّا ولا استعراضًا للحجاج، بل تقريرًا عمليًّا لعقيدة أهل السنة والجماعة، يضعه البربهاري بين يدي طالب الحق ليعرف الطريق فلا يزيغ عنه. فالكتاب في جوهره دعوةٌ إلى لزوم الجماعة والاعتصام بالآثار، وتحذيرٌ متكرّرٌ من مُحدَثات الأمور وأهل الأهواء ومجالسة أصحاب البدع، مكتوبٌ بلغة الواثق الغيور لا لغة المتردّد المجادل.
أول ما ينبغي أن يُفهم أنّ «شرح السنة» ليس شرحًا لأحاديث كتابٍ من كتب الحديث، كما قد يُتوهَّم من اسمه؛ فـ«السنة» هنا بمعناها العَقَدي، أي طريقة أهل السنة ومعتقدهم في مقابل البدعة. فالكتاب بيانٌ للسنة وتقريرٌ لها لا تعليقٌ على متونٍ مسندة، وهو أشبه بمتنٍ عقديٍّ جامعٍ يمشي بالقارئ على أصول الاعتقاد أصلًا أصلًا.
ومنهجه في ذلك منهج أهل الأثر الخالص: التسليمُ للنصوص، واتباعُ ما كان عليه الصحابة والتابعون، والإعراضُ عن الجدال والخصومة في الدين، والاستدلالُ بالآثار لا بمقاييس المتكلمين. فلا تكاد تجد فيه قياسًا عقليًّا ولا حِجاجًا فلسفيًّا، وإنما جُملٌ محكمةٌ قصيرةٌ تُلقى إلقاء المسلّمات، كلٌّ منها يقرّر مسألةً أو يحذّر من ضدّها.
أما بناؤه فيسير في نسقٍ متتابعٍ من المسائل المرقّمة في الطبعات الحديثة: يفتتحه بأنّ الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام، ثم يقرّر أركان الاعتقاد في الله وصفاته وقدره واليوم الآخر، وينتقل إلى موقف أهل السنة من الصحابة وولاة الأمر، ثم يُطيل في التحذير من البدعة وأهلها وبيان علاماتهم، فيخرج القارئ بخريطةٍ واضحةٍ لِما يعتقده وما يجتنبه.
اعلمْ أنَّ الإسلامَ هو السُّنَّةُ، والسُّنَّةَ هي الإسلامُ، ولا يقومُ أحدُهما إلَّا بالآخَرِ.
يقرّر البربهاري في متنه جملة أصول أهل السنة كما تلقّاها عن السلف: أنّ الإيمان قولٌ وعملٌ ونيّةٌ يزيد وينقص، وأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وإثباتُ صفات الله كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تكييفٍ ولا تعطيل، والإيمانُ بالقدر خيرِه وشرّه، وبعذاب القبر ونعيمه، وبالميزان والصراط والحوض والشفاعة، وبالجنة والنار وأنهما مخلوقتان.
ويُفرد موقفَ أهل السنة من صحابة رسول الله ﷺ: الترحُّمُ عليهم جميعًا، والكفُّ عمّا شجر بينهم، وترتيبُ الخلافة والفضل كما جاء. ثم يقرّر أصلًا عظيمًا في السياسة الشرعية عنده: السمعُ والطاعةُ لولاة الأمر في غير معصية، برِّهم وفاجرِهم، وتحريمُ الخروج عليهم بالسيف، والصلاةُ والجهادُ معهم، ولزومُ الجماعة وترك الفُرقة، فيربط سلامة الاعتقاد بسلامة الصف واجتماع الكلمة.
ثم تأتي أوسع أبواب الكتاب وأكثرها إلحاحًا: التحذير من البدعة وأهلها. فهو يحذّر من صغار المُحدَثات قبل كبارها، وينهى عن مجالسة أصحاب الأهواء ومناظرتهم والإصغاء إليهم، ويعدّ الجدال في الدين بابًا إلى الزيغ، ويجعل مقياس النجاة اتباعَ من سبق لا ابتداعَ ما لم يكن. وفي هذا الباب تتجلّى شخصية البربهاري الغيور على السنة، الحريص على أن يُسلّم القارئ دينه سالمًا من الشبهات.
وإيَّاك وصغارَ المُحدَثاتِ من الأمور؛ فإنَّ صغيرَ البدعةِ يعودُ حتى يصيرَ كبيرًا.
حُفظ لنا نصّ «شرح السنة» بطريقٍ كريم؛ فقد أورده الحافظ ابن أبي يعلى بتمامه ضمن ترجمة البربهاري في «طبقات الحنابلة»، فكان هذا الإيراد من أوثق ما وصل إلينا به الكتاب كاملًا. وبذلك اجتمع للمتن أن يُروى في سياق سيرة صاحبه، فيقرؤه طالب العلم وهو يعرف مَن قائله ومكانته.
ومع مرور القرون صار «شرح السنة» من الأصول التي يُبنى عليها تعليم العقيدة الأثرية، يُقرأ ويُدرَّس ويُستشهد به في مقرّرات الاعتقاد إلى جانب أمثاله من المتون. وقد عُني العلماء المعاصرون بشرحه والتعليق عليه؛ فمن أشهر شروحه «إتحاف القاري بالتعليقات على شرح السنة» للشيخ صالح الفوزان، وله شروحٌ وتعليقاتٌ أخرى لعددٍ من أهل العلم، كما طُبع في طبعاتٍ محقَّقةٍ متعددة اعتنت بضبط نصّه وتخريج مروياته.
هذا متنٌ وجيزٌ يُقرأ في جلسةٍ أو جلستين، لكنّه يستحقّ أن يُقرأ على مهلٍ متأمّلًا؛ فكلّ جملةٍ فيه مسألةٌ قائمةٌ بذاتها. ابدأه من أوله مع تقرير أنّ الإسلام هو السنة، ثم سِر مع المؤلف في أصول الاعتقاد مسألةً مسألة، واقف عند أبواب التحذير من البدعة فهي روح الكتاب ومقصده.
وعلى رحلة تجد النصّ كاملًا مرتّبًا بمسائله كما هو، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي موضعٍ بضغطةٍ واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. اجعله زادًا في تصحيح المعتقد ومعرفة طريقة السلف، وارجع إليه كلما التبس عليك أصلٌ من أصول أهل السنة.
النص الكامل بين يديك
شرح السنة للبربهاري كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل