عن الكتاب
في مدينة «عظيم آباد» بأرض الهند، حيث نهض في القرن الثالث عشر الهجري جيلٌ من علماء الحديث أحيَوا العناية بالسنّة ودواوينها، عكف رجلٌ من أهل التحقيق اسمه محمد شمس الحق العظيم آبادي على كتابٍ من أجلّ الأصول الستة هو «سنن أبي داود»، يخدمه بالشرح والبيان. بدأ أوّلًا شرحًا كبيرًا واسعًا سمّاه «غاية المقصود»، فلمّا رأى سعته وطول نَفَسِه اختصره وهذّبه في شرحٍ متوسّطٍ محرَّرٍ يجمع بين وضوح العبارة ودقّة التحقيق، فحلّ به غريب الحديث، وبيّن فقهه، وخرّج طرقه، ووازن بين مذاهب العلماء. ومن هذه العناية الهندية الخالصة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج أشهرُ شروح سنن أبي داود وأوسعُها انتشارًا: «عون المعبود».

لا يُفهم قدرُ هذا الشرح إلا بمعرفة قدر المتن الذي يخدمه؛ فـ«سنن أبي داود» كتابٌ صنّفه الإمام الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، أحد أعلام الحديث في القرن الثالث الهجري، وأحد الذين رحلوا في طلب السنّة إلى الحجاز والعراق والشام ومصر وخراسان. وقد عُدّ كتابه ثالث الأصول الستة رتبةً بعد «الصحيحين»، وصار عمدةً لا يستغني عنها فقيهٌ ولا محدّث.
وامتاز «سنن أبي داود» بأنه كتابٌ في أحاديث الأحكام؛ فلم يقصد فيه أبو داود جمعَ كل ما صحّ، بل تخيّر أحاديث الفقه والعمل التي يدور عليها استنباط الأحكام، ورتّبها على أبواب الفقه من الطهارة والصلاة إلى سائر أبواب العبادات والمعاملات والآداب. ولذلك عُني به الفقهاء عنايةً خاصة، وجعلوه مع «الصحيحين» أصلًا في الاستدلال، حتى قيل إنه يكفي المجتهدَ في معرفة أحاديث الأحكام.
وقد بيّن أبو داود منهجه في رسالةٍ مشهورة كتبها إلى أهل مكة يصف فيها كتابه؛ فذكر أنه انتقاه من مادّةٍ عظيمة كتبها عن شيوخه، وأنه أثبت فيه الصحيح وما قاربه، ونبّه على ما كان فيه وهنٌ شديد. فجاء الكتاب جامعًا بين سعة المادّة وأمانة البيان، فاستحقّ أن تنصبّ عليه عناية الشرّاح جيلًا بعد جيل، وكان «عون المعبود» من أنضج ثمار تلك العناية وأقربها إلى طالب العلم.
«ذكرتُ فيه الصحيحَ وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهنٌ شديد بيّنتُه.»
مؤلّف هذا الشرح هو العلامة المحدّث محمد شمس الحق بن أمير علي العظيم آبادي، نسبةً إلى «عظيم آباد» من بلاد الهند، وهو من أعلام مدرسة «أهل الحديث» التي نهضت في القرن الثالث عشر الهجري بالعناية بالسنّة النبوية ودواوينها، ودعت إلى الاستدلال المباشر بالكتاب والسنّة والاجتهاد على طريقة المحدّثين. تلقّى العلم على كبار محدّثي عصره، وعلى رأسهم السيد نذير حسين المحدّث الدهلوي، شيخ أهل الحديث بالهند في زمانه.
كان العظيم آبادي جامعًا بين سعة الرواية ودقّة الدراية، عاكفًا على خدمة كتب السنّة تحقيقًا وشرحًا وتعليقًا، حتى صار من أبرز من نهض بتيسير الأصول الستة لطلبة العلم. وقد عاش في عصرٍ ازدهرت فيه المطابع بالهند، وانبعثت فيه همم العلماء لإخراج كنوز السنّة من الخزائن إلى أيدي الناس، فكان لكتبه أثرٌ ممتدٌّ في الشرق العربي والإسلامي بعد أن طُبعت وانتشرت.
وينبغي أن يُنظر إلى «عون المعبود» في سياق نهضةٍ علمية أعمّ؛ فقد تزامن مع جهود أعلامٍ كبار من أهل الحديث بالهند، كالعلامة عبد الرحمن المباركفوري صاحب «تحفة الأحوذي» في شرح جامع الترمذي، والنوّاب صديق حسن خان القِنّوجي. فكأنّ هذا الجيل قد اقتسم خدمة الأصول الستة فيما بينهم، فخصّ العظيم آبادي «سنن أبي داود» بعنايته، فأخرج فيه شرحًا صار عَلَمًا على الكتاب.
لم يكن «عون المعبود» أوّل ما وضعه العظيم آبادي في خدمة سنن أبي داود؛ فقد شرع أوّلًا في شرحٍ كبيرٍ مبسوطٍ سمّاه «غاية المقصود في حلّ سنن أبي داود»، أفرغ فيه سعةَ علمه، فجاء واسعًا مستقصيًا للطرق والعلل والمسائل. غير أنّ هذا الاستقصاء الطويل كان يقتضي مجلداتٍ كثيرة ونفَسًا لا ينقطع، فبقي الشرح الكبير على عظمته لم يكتمل نشرُه، وظلّ عملًا يخشى القارئ طولَه.
فرأى المؤلّف أن يُخرج ثمرة ذلك الجهد في صورةٍ أنفع للناس، فاختصر شرحه الكبير وهذّبه في كتابٍ متوسّطٍ محرَّر، جمع فيه بين وفاء المعنى وخفّة الحجم، فكان «عون المعبود». وبذلك اجتمع للكتاب فضلُ الأصل الكبير وسهولةُ المختصر؛ فهو ثمرةُ شرحٍ مستقصٍ، لكن في قالبٍ يستطيع طالب العلم أن يقرأه من أوّله إلى آخره ويعمّ به النفع.
وقد جاء هذا العمل استجابةً لحاجةٍ حقيقية؛ فسنن أبي داود كتاب أحكامٍ تكثر فيه المسائل الفقهية والألفاظ الغريبة والأحاديث التي يحتاج القارئ فيها إلى بيان درجتها والجمع بين ظواهرها. فكان الناس بحاجةٍ إلى شرحٍ عربيٍّ محرَّرٍ يفتح مغالق الكتاب، فسدّ «عون المعبود» هذه الحاجة، وصار في المكتبة الحديثية عمدةً لمن أراد قراءة سنن أبي داود مفهومةً مبيَّنة.
يسير «عون المعبود» على طريقة الشروح المتوسّطة المحرَّرة؛ فيأتي المؤلّف إلى الحديث فيضبط ألفاظه، ويحلّ غريبها، ويبيّن ما فيه من إعرابٍ أو صرفٍ حيث يحتاج المعنى إلى ذلك، ثم ينتقل إلى فقه الحديث فيستخرج ما فيه من أحكام. وهو يُعنى عنايةً ظاهرة بتخريج الحديث وبيان درجته، فينقل كلام أهل العلم في تصحيحه وتضعيفه، ويذكر من أخرجه من أصحاب الكتب.
ومن أبرز سمات الكتاب اعتماده على مَن تقدّمه من شرّاح سنن أبي داود ومحرّري مسائله؛ فينقل عن «معالم السنن» للإمام الخطابي، وهو أقدم الشروح المشهورة للكتاب، وعن «مختصر سنن أبي داود» للحافظ المنذري وتعليق ابن قيّم الجوزية عليه في «تهذيب السنن». فيجمع المؤلّف أطراف هذه الجهود ويحرّرها، فيقف القارئ في موضعٍ واحد على خلاصة ما قاله الأئمة في الحديث ومعناه ودرجته.
وهو في المسائل الفقهية يذكر مذاهب العلماء ووجوه استدلالهم، ثم يميل غالبًا إلى ترجيح ما يقتضيه الدليل على طريقة أهل الحديث الذين ينتصرون للأثر ويقدّمونه على غيره. ومع ذلك يبقى الكتاب معتدلًا في عبارته، بعيدًا عن الحشو والاستطراد المملّ، يوازن بين حاجة المحدّث إلى معرفة الأسانيد والعلل، وحاجة الفقيه إلى استنباط الأحكام، فيخرج القارئ من الحديث وقد أحاط بمعناه من وجوهه.
تبوّأ «عون المعبود» بين شروح سنن أبي داود منزلةً رفيعة، حتى صار من أشهرها وأكثرها تداولًا بين طلبة العلم والباحثين. وسِرُّ هذه المكانة أنه جمع خصالًا يعزّ اجتماعها: فهو محرَّرٌ في تحقيقه، معتدلٌ في حجمه، واضحٌ في عبارته، يصلح للقراءة المتصلة كما يصلح للمراجعة والبحث؛ فمَن أراد شرحًا لسنن أبي داود يفتح له الكتاب دون أن يُثقله بطول التطويل وجده في هذا الشرح.
وقد اقترن «عون المعبود» في طبعاته المشهورة بـ«تهذيب سنن أبي داود» للإمام ابن قيّم الجوزية، وهو تعليقٌ نفيسٌ على «مختصر المنذري» يتناول العلل ويحرّر المسائل، فطُبع الكتابان معًا في نحو أربعة عشر جزءًا. فاجتمع للقارئ بذلك شرحُ العظيم آبادي المتوسّط وتحقيقُ ابن القيّم في مجموعةٍ واحدة، فزادت قيمة الطبعة وعمّ نفعها.
وبانتشار المطبوعات في القرن الرابع عشر الهجري وما بعده، خرج الكتاب من دائرته الهندية إلى المكتبة العربية الواسعة، فأقبل عليه الدارسون في المشرق والمغرب، ودخل في مراجع الباحثين وطلبة كليات الحديث. وبقي إلى اليوم من أوّل ما يُوصى به مَن أراد قراءة سنن أبي داود بشرحٍ يجمع بين البيان اللغوي والتخريج الحديثي والفقه، فصار اسمُ «عون المعبود» ملازمًا لاسم «سنن أبي داود».
يمكنك أن تقرأ «عون المعبود» هنا على ترتيب سنن أبي داود نفسه، فتبدأ من كتاب الطهارة والصلاة وتتدرّج في أبواب العبادات، ثم تنتقل إلى الزكاة والصيام والحج والبيوع والنكاح وسائر الأبواب. وننصحك أن تقرأه قراءة المتفقّه المتأمّل؛ فتقف عند كل حديث لتتبيّن معناه اللغوي أوّلًا، ثم درجته من الصحّة، ثم ما استُنبط منه من أحكام، فبهذا تجني ثمرة الشرح كاملة.
ومن أحسن ما يُصنع في قراءته أن تلاحظ كيف ينقل المؤلّف كلام الخطابي والمنذري وابن القيّم ثم يوازن بينها ويرجّح، فتتعلّم بذلك طريقة أهل العلم في التعامل مع الحديث الواحد من جميع وجوهه. والنصّ كامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أوّله أو انتقل إلى الباب الذي يعنيك من أبواب الأحكام، واقرأ في أشهر شروح سنن أبي داود وأقربها إلى طالب السنّة.
النص الكامل بين يديك
عون المعبود كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل