عن الكتاب
في القاهرة المملوكية، حيث بلغت العلومُ الشرعية ذروةً لم تعرفها من قبل، تنافس عالِمان جليلان على شرح أصحّ كتابٍ بعد كتاب الله: صحيح البخاري. كان أحدهما شافعيًّا حافظًا للحديث، والآخر حنفيًّا إمامًا في اللغة والتاريخ والفقه. فأخرج هذا الحنفيُّ شرحًا موسوعيًّا ضخمًا يستوعب البخاريَّ حديثًا حديثًا، فيبيّن مطابقة كل حديثٍ لترجمة بابه، ويحرّر رجاله، ثم يغوص في لغته وإعرابه، ثم يستنبط منه الأحكام على مذهب أبي حنيفة. فجاء سِفرًا في نحو خمسة وعشرين مجلدًا، جمع بين سعة العلم ودقّة النظر. هذا هو «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» للإمام بدر الدين العيني.

هو أبو محمد بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى العيني، وُلد بمدينة عَينتاب في شمال الشام سنة 762 هـ، وإليها نُسب. نشأ في بيت علمٍ وقضاء، فطلب العلم في بلده ثم رحل في تحصيله، وأخذ عن شيوخ عصره في الحديث والفقه واللغة والتاريخ، حتى استقرّ به المقام في القاهرة، فصار من أعلامها الكبار وأحد أئمتها المشهود لهم بسعة العلم وغزارة التصنيف. كان حنفيَّ المذهب، إمامًا في العربية والنحو، مؤرّخًا واسع الاطلاع، جمع من صنوف المعرفة ما قلّ أن يجتمع لواحدٍ في زمانه.
تقلّب العيني في المناصب العلمية والدينية بالديار المصرية، فولي الحِسبة بالقاهرة مرارًا، ونظر الأوقاف، وتولّى القضاء، وقرُب من السلاطين حتى صار من خاصّة السلطان الأشرف برسباي؛ إذ كان يُحسن اللسان التركي، فكان يقرأ على السلطان كتب التاريخ ويترجمها له، فحظي عنده بمكانةٍ رفيعة أعانته على خدمة العلم وأهله. ومع اشتغاله بالمناصب لم ينقطع عن التصنيف والإقراء، فبقيت مجالسه عامرةً بالطلاب.
خلّف العيني مصنّفاتٍ كبارًا صارت مراجع في فنونها، منها «عقد الجُمان في تاريخ أهل الزمان» وهو تاريخٌ حافل، و«البناية في شرح الهداية» في الفقه الحنفي، و«نُخَب الأفكار» شرح «معاني الآثار» للطحاوي، و«مغاني الأخيار» في رجاله، و«رمز الحقائق» شرح «كنز الدقائق»، وشروحٌ في النحو وشواهده. لكنّ أشهر آثاره وأجلّها «عمدة القاري»، الذي طبّق ذكرُه الآفاق. تُوفّي بالقاهرة سنة 855 هـ عن عمرٍ طويل قضاه في العلم والتعليم والتصنيف.
صنّف العيني كتابه في القرن التاسع الهجري، وهو عصرٌ ذهبيٌّ لعلوم الحديث والفقه في مصر، اجتمع فيه بالقاهرة حفّاظٌ وأئمةٌ تُشدّ إليهم الرحال. وكان صحيح البخاري قد صار محورَ عناية العلماء شرحًا وتدريسًا، فتوالت عليه الشروح، وتنافس في خدمته كبار أهل العلم. وفي هذا الجوّ العلمي المزدهر برز اسمان عظيمان تقاسما صدارة الفنون: بدر الدين العيني الحنفي، وشهاب الدين ابن حجر العسقلاني الشافعي صاحب «فتح الباري».
قامت بين الإمامين منافسةٌ علمية مشهورة، غذّاها اختلاف المذهب واجتماعُهما على القمّة في زمنٍ واحد وبلدٍ واحد. وقد شرع كلٌّ منهما في شرح البخاري، فكان «فتح الباري» و«عمدة القاري» ثمرةَ هذا التسابق العلمي النادر. ومن المروي أنّ ابن حجر عاب على العيني إفادتَه من «فتح الباري» في مواضع من شرحه، وجرى بينهما من المؤاخذات والردود ما هو معروفٌ في كتب التراجم؛ غير أنّ ذلك لم يَحُطّ من قدر الكتابين، بل زاد كلٌّ منهما تحريرًا ونفاسة، وأفاد طلبةَ العلم اجتماعُ نظرين كبيرين على متنٍ واحد.
وقد أثمرت هذه البيئةُ المتنافسة أن جاء «عمدة القاري» شرحًا يستحضر أقوال من سبقه ويناقشها، ويعتني بما قد يُهمله غيره من وجوه اللغة والإعراب، ويقرّر مذهب الحنفية في مسائل الخلاف بأدلته. فصار الكتابُ صورةً لعصره: سعةً في العلم، ومناظرةً في المسائل، وحرصًا على استيعاب كل ما يتّصل بالحديث من قريبٍ أو بعيد.
اجتمع لأهل القاهرة في القرن التاسع شرحان عظيمان على البخاري، أخرجهما إمامان متنافسان، فكان في تسابقهما نفعٌ عظيمٌ لطلبة العلم من بعدهما.
اتّبع العيني في شرحه طريقةً منظّمة يسير عليها في كل حديث، فقسّم الكلام على الحديث إلى وجوهٍ وأنواعٍ متتابعة يستوفيها واحدًا بعد واحد. فيبدأ ببيان «المطابقة» بين الحديث وترجمة الباب الذي أورده فيه البخاري، وهو من أدقّ مباحث شرح الصحيح؛ إذ عُرف عن البخاري دقّةُ تبويبه وغموض مقصده أحيانًا في وضع الحديث تحت الترجمة، فعُني العيني ببيان هذه المناسبة عنايةً بالغة صارت من أبرز مزايا كتابه.
ثمّ ينتقل إلى رجال الإسناد فيعرّف بهم، ويذكر «لطائف الإسناد» من العدد والرواية والبلدان وما فيه من دقائق، ثم يستخرج ألفاظ الحديث فيشرحها لغةً، ويُعرب مشكلها، ويبيّن ما فيها من وجوه المعاني والبلاغة. وبعد أن يفرغ من ذلك يعقد الكلام على ما يُستنبط من الحديث من الأحكام والمسائل الفقهية، فيبسط الخلاف بين الأئمة، ويقرّر مذهب الحنفية بأدلّته، مناقشًا أقوال المخالفين. فاجتمع في شرحه للحديث الواحد علومٌ شتّى: الحديث والرجال واللغة والنحو والبلاغة والفقه.
وبهذا المنهج المستوعِب جاء «عمدة القاري» من أوسع شروح البخاري نفَسًا وأكثرها استقصاءً؛ لا يكاد يترك لفظًا يحتاج إلى بيان إلا بيّنه، ولا مسألةً فقهية تتّصل بالحديث إلا حرّرها. ولذلك عظُم حجمه حتى بلغ ما بلغ من المجلدات، وصار مرجعًا لمن أراد التوسّع في فقه الأبواب وتحقيق مشكلات ألفاظ الصحيح.
يمتاز شرح العيني بأمورٍ جعلته قسيمًا لا نظير له بين شروح البخاري. أوّلها عنايته الفائقة باللغة والإعراب والمعاني؛ فهو نحويٌّ لغويٌّ من الطبقة الأولى، يقف عند دقائق الألفاظ وأوجه الإعراب ونكات البلاغة وقوفًا لا تجده بمثل هذا الاستيعاب عند غيره. وثانيها اهتمامه بمبحث «المطابقة» بين الحديث والترجمة، وهو من أصعب أبواب شرح الصحيح، فأفرد له من العناية ما جعل كتابه مرجعًا في فهم مقاصد تبويب البخاري.
وثالث خصائصه أنه شرحٌ فقهيٌّ على مذهب الحنفية؛ فبينما يميل «فتح الباري» في تقرير المسائل إلى مذهب الشافعية، يقرّر العيني مذهبَ أبي حنيفة وأصحابه ويستدلّ له وينافح عنه في مواضع الخلاف. فصار الكتابان معًا يمثّلان أعظم نظرَين في شرح الصحيح، يكمّل أحدهما الآخر، ويجد فيهما طالبُ العلم مقارنةً حيّة بين المدرستين الكبيرتين. ولهذا كان الجمع بين قراءتهما بابًا واسعًا لفهم فقه الأبواب.
ومع ما اشتهر من إفادة العيني من «فتح الباري»، فإنّ «عمدة القاري» يبقى عملًا مستقلًّا بشخصيته ومنهجه، فيه من تحقيقات صاحبه اللغوية والفقهية والتاريخية ما يخصّه ويدلّ على سعة علمه. فليس الكتاب صدىً لغيره، بل هو موسوعةٌ قائمة بذاتها، تحمل بصمة إمامٍ جمع من الفنون ما تفرّق في غيره.
إذا أردت وجوه الإعراب واللغة ودقائق البلاغة في ألفاظ البخاري فعليك بعمدة القاري؛ وإذا أردت تحقيق الحديث وعلله فبين يديك فتح الباري؛ وبالجمع بينهما يكمل النظر.
تبوّأ «عمدة القاري» مكانةً رفيعة في تراث شروح البخاري، حتى صار يُذكر في مقدّمة الثلاثة الكبار التي لا يُستغنى عنها في دراسة الصحيح: «فتح الباري» لابن حجر، و«عمدة القاري» للعيني، و«إرشاد الساري» للقسطلاني. وقد اعتمده العلماء من بعده مرجعًا لا سيّما في مباحث اللغة والإعراب ومطابقة الأحاديث للتراجم وفقه الحنفية، وكثُر النقل عنه في الشروح والحواشي المتأخّرة.
وقد طُبع الكتاب مرارًا، فانتشرت طبعاتُه الكبار في نحو خمسة وعشرين مجلدًا، وتداولته دور النشر العلمية، فصار في متناول الباحثين وطلاب العلم بعد أن كان محفوظًا في المخطوطات. ولضخامته وسعة مادّته ظلّ عمدةً لمن أراد التوسّع، يرجع إليه المفتي والمدرّس والباحث كلما أعياه لفظٌ في الصحيح أو مسألةٌ في بابه، فيجد عند العيني بسطًا وتحريرًا قلّ نظيرهما.
وبهذا الأثر الباقي خلّد «عمدة القاري» اسمَ صاحبه في تاريخ العلم، وصار شاهدًا على عصرٍ ذهبيٍّ تنافس فيه الكبار على خدمة سنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم. فمن أراد أن يقف على منتهى ما بلغه شرح الصحيح من السعة والاستقصاء فلن يجد أوفى من كتاب العيني، جامعًا بين علوم الآلة وعلوم الرواية والدراية في نسقٍ واحد.
يمكنك أن تقرأ «عمدة القاري» على رحلة كما رتّبه العيني على ترتيب صحيح البخاري نفسه: كتابًا كتابًا، وبابًا بابًا، من بدء الوحي والإيمان والعلم، مرورًا بالطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، وصولًا إلى البيوع والمغازي والتفسير والرقاق والتوحيد. فاختر البابَ الذي تريد لتقرأ حديثَه ثم شرحَه موسّعًا: مطابقتَه للترجمة، ورجالَه، ولغتَه وإعرابَه، ثم ما يُستنبط منه من الأحكام.
واجعله رفيقك حين تريد التعمّق: إن أشكل عليك لفظٌ في الصحيح فابحث عنه عند العيني تجد بيانه لغةً وإعرابًا؛ وإن أردت فقه الباب على مذهب الحنفية ومقارنته بغيره فستجده مبسوطًا محرَّرًا. النص الكامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أوّل الصحيح أو من الباب الذي تدرسه، وسِرْ في هذا السِّفر الكبير على مهلٍ لتنهل من سعة علم إمامٍ جمع الفنون في كتابٍ واحد.
النص الكامل بين يديك
عمدة القاري كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل