عن الكتاب

صحيح ابن خزيمة

في نيسابور، عاصمة الحديث في المشرق، نشأ حافظٌ بلغ من الحفظ ودقّة النقد مبلغًا جعل أقرانه من الأئمة يلقّبونه «إمام الأئمة». جلس للتصنيف بعد رحلةٍ طويلةٍ طوّفت به الآفاق، فأراد أن ينتقي من حديث رسول الله ﷺ ما بلغ عنده أعلى درجات الثبوت، مرتّبًا إياه على أبواب الفقه كصنيع البخاري، لا يُثبت الخبر حتى يستيقنه، حتى إنه ليقف عند أدنى شكٍّ فيقول: «إن صحّ الخبر». ولم يصل إلينا من موسوعته الكبرى إلا قطعةٌ يسيرة، لكنها قطعةٌ نفيسةٌ عدّها العلماء في الطبقة التي تلي الصحيحين مباشرة. إنه «صحيح ابن خزيمة».

غلاف صحيح ابن خزيمة
المؤلف
أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السُّلَمي النيسابوري، الملقّب بإمام الأئمة
سنة الوفاة
311 هـ بنيسابور (وُلد سنة 223 هـ)
النوع
جامعٌ من كتب الحديث الصحيح، مرتّب على الأبواب الفقهية
اسمه الكامل
«مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ»
عدد أحاديثه
نحو ثلاثة آلاف حديث في القسم الواصل إلينا (من أصلٍ أكبر لم يصلنا تمامه)
المكانة وأشهر طبعاته
يلي الصحيحين في مراتب كتب الصحيح؛ أشهر طبعاته بتحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي في أربعة أجزاء

من هو ابن خزيمة إمام الأئمة؟

هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السُّلَمي النيسابوري، الحافظ الفقيه شيخ الإسلام، أحد أعلام الحديث في القرن الثالث الهجري. وُلد بنيسابور سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين، ونشأ في مدينةٍ كانت يومئذٍ من أعظم حواضر العلم في المشرق، تزدحم بالمحدّثين وطلاب الأثر. عُني بالحديث صغيرًا، ثم شدّ الرحال في طلبه رحلةً طويلة طوّفت به خراسان والري والعراق والشام والجزيرة ومصر، يسمع من الشيوخ ويكتب عنهم، حتى صار من أوعية العلم في زمانه وأحفظ أهل عصره لحديث رسول الله ﷺ.

لم يكن ابن خزيمة محدّثًا فحسب، بل جمع إلى الحفظ فقهًا واسعًا ونظرًا دقيقًا؛ فكان فقيهًا على مذهب الشافعي، إمامًا يُرجع إليه في الفتوى والتصنيف، حتى بلغ من إجلال أقرانه له أن لقّبوه «إمام الأئمة»، وهو لقبٌ لم يظفر به إلا القليل من الحفّاظ. وقد أثنى عليه من جاء بعده من النقّاد ثناءً عظيمًا، وعدّوه في الطبقة العليا من أئمة الجرح والتعديل ومعرفة علل الحديث.

وممّن أخذ عنه العلم كبار الحفّاظ، منهم تلميذه أبو حاتم ابن حبّان صاحب «الصحيح»، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري صاحب «المستدرك»، فكان بذلك حلقةً في سلسلةٍ ذهبية من أئمة الصحيح بنيسابور. وترك من التصانيف ما يشهد بسعة علمه، وعلى رأسها هذا «الصحيح»، وكتابه الجليل «التوحيد وإثبات صفات الرب» الذي بقي مرجعًا في بابه. توفي بنيسابور سنة إحدى عشرة وثلاث مئة عن نحو تسعٍ وثمانين سنة، فحزن عليه أهل العلم حزنًا شديدًا.

عصر التأليف وباعثه

أُلّف «صحيح ابن خزيمة» في القرن الثالث الهجري، وهو العصر الذهبي لتدوين السنّة وتمييز صحيحها من سقيمها. فبعد أن فتح الإمامان البخاري ومسلم بابًا جديدًا حين أفردا الصحيح في كتابين مستقلّين، نهض جيلٌ من الحفّاظ يقتفي أثرهما، يجمع الأحاديث التي بلغت عنده درجة الصحّة في مصنّفاتٍ خاصة. وكان ابن خزيمة في طليعة هذا الجيل، فصنّف كتابه ليضمّ ما اطمأنّ إلى ثبوته من الأخبار، على شرطٍ عالٍ في القبول.

ويدلّك اسم الكتاب الكامل «مختصر المختصر من المسند الصحيح» على منهجه وباعثه؛ فقد أراد أن ينتقي من مادّةٍ حديثيةٍ واسعةٍ كان قد جمعها لُبابها الصافي، فجاء كتابه اختيارًا من اختيار، غربلةً بعد غربلة. ولم يكن غرضه الاستيعاب، بل الانتقاء الشديد، فآثر أن يُثبت القليل الثابت على أن يُكثر مما في ثبوته نظر.

وقد صنع صنيع البخاري في ترتيبه على أبواب الفقه، فبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة، فالزكاة والصيام والمناسك، يجعل تحت كل بابٍ ما ورد فيه من أحاديث. فصار الكتاب في صورته جامعًا فقهيًّا يجد فيه القارئ حديث المسألة في موضعه، لا مسندًا يُرتَّب على أسماء الصحابة.

منهجه: علوّ الشرط والتحرّي في القبول

يقوم منهج ابن خزيمة على التشدّد في شرط الصحّة؛ فهو لا يُدخل في كتابه إلا ما اتّصل سنده ورَوَاه الثقات، ويتجنّب ما رأى فيه علّةً أو انقطاعًا. ولهذا عدّه العلماء من أعلى كتب الحديث شرطًا بعد الصحيحين، بل قدّموه في المرتبة على «صحيح ابن حبّان» و«مستدرك الحاكم»، لِمَا عُرف عنه من شدّة التحرّي ودقّة النظر في الرجال والأسانيد.

ومن أبرز ما يميّزه ورعُه العلميّ في الحكم؛ فإذا عرض له خبرٌ في راويه أو في اتصاله شيءٌ من الريبة لم يجزم بصحّته، بل أورده معلّقًا حكمه على ثبوته بقوله المشهور: «إن صحّ الخبر» أو «إن ثبت الخبر». وهذه العبارة من أدلّ ما يكون على أمانته ودقّته، إذ يُشرك القارئ في نظره ولا يقطع بما لم يستيقنه، فتصير قطعةً من نقده الحيّ لا مجرّد جمعٍ للروايات.

وعنايته بالتراجم، أي عناوين الأبواب، كعناية البخاري؛ فهو يصوغ الترجمة صياغةً تُفصح عن فقهه واستنباطه من الحديث، حتى قيل: فقه ابن خزيمة في تراجمه. ومع علوّ شرطه لم يَدَّعِ العصمة لكتابه، فوقعت فيه أحاديث يسيرة تُكلِّم فيها بعض النقّاد، وهو أمرٌ لا يغضّ من قدره، فإنه أثبت الأسانيد فأحال أهل العلم على النظر والتمحيص.

«إن صحّ الخبر»… و«إن ثبت الخبر».
من عبارات ابن خزيمة التي اشتهر بها في التوقّف والتحرّي

مكانته بين كتب الصحيح وما وصل منه

يحتلّ «صحيح ابن خزيمة» منزلةً رفيعة في سُلّم كتب الحديث؛ فهو عند المحدّثين في الطبقة التالية للصحيحين مباشرة، ثم يليه في المرتبة «صحيح ابن حبّان» فـ«مستدرك الحاكم». وقد نصّ أهل مصطلح الحديث على أنّ من أراد أن يستزيد من الصحيح بعد البخاري ومسلم فعليه بهذه الكتب، وقدّموا كتاب ابن خزيمة عليها لعلوّ شرطه. فكونُ الحديث في «صحيح ابن خزيمة» قرينةٌ قويّة على قبوله، يستأنس بها العلماء في تصحيح الأخبار.

غير أنّ من محن هذا الكتاب أنه لم يصل إلينا كاملًا؛ فقد فُقد أكثره وضاعت أصوله، ولم يبقَ منه إلا قطعةٌ يسيرة تُقدَّر بنحو رُبع الأصل، تدور على أبواب العبادات: الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والمناسك. وهذه القطعة على قلّتها من أنفس ما وصلنا من دواوين السنّة، لِمَا فيها من الأحاديث المنتقاة على شرطٍ صارم، ولِمَا تحفظه من فقه إمامٍ من أئمة الأثر.

ولضياع سائره خسارةٌ يستشعرها كل من عرف مكانة الرجل؛ إذ لو تمّ لنا لكان من أوسع كتب الصحيح وأدقّها. ومع ذلك بقيت هذه البقيّة تُغني طالب العلم في أبوابها، ويكثر النقل عنها في كتب الفقه والحديث، ويُعزى إليها في مصنّفات المتأخرين كـ«فتح الباري» و«التلخيص الحبير» وغيرهما ممّا يجمع طرق الأحاديث ويحكم عليها.

أثره وثناء العلماء وطبعاته

ظلّ «صحيح ابن خزيمة» موضع إجلال أهل العلم على مرّ القرون؛ يعدّونه من الأصول التي يُعتمد عليها في التصحيح، وينقلون عنه في مطوّلات الحديث والفقه. وقد أثنى النقّاد على مؤلفه ثناءً بالغًا يعكس ثناءهم على كتابه، فوصفه الأئمة بالحفظ والإتقان والإمامة في الفنّ، حتى استقرّ له لقب «إمام الأئمة» علمًا عليه لا يكاد يُذكر دونه.

وأمّا طبعاته فقد عُني به المحقّقون؛ وأشهر طبعاته وأجودها ما حقّقه الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، وصدر عن المكتب الإسلامي في أربعة أجزاء، مع ترقيمٍ لأحاديثه وتخريجٍ وتعليق، فصارت هي المعتمدة بين طلاب العلم والباحثين. ويُقرأ الكتاب اليوم مقرونًا بكتب التخريج التي تتبّع أحاديثه وتحكم على أسانيدها.

وليس صحيحه وحده شاهدًا على منزلته؛ فقد بقي له من التصانيف كتابه العظيم «التوحيد وإثبات صفات الرب» الذي يُعدّ من مصادر أهل السنّة في بابه، فاجتمع للرجل الإمامةُ في الرواية والدرايةِ معًا. وبهذا صار ابن خزيمة وكتابه علامةً بارزة في تاريخ تدوين السنّة، وحلقةً لا يُستغنى عنها في سلسلة أئمة الصحيح.

كان إمامًا ثبتًا معدوم النظير.
الإمام الدارقطني في وصف ابن خزيمة

كيف تقرؤه على رحلة؟

أنسب طرق قراءة «صحيح ابن خزيمة» أن تقرنه بدرسك في العبادات؛ فما دام القسم الواصل منه يدور على الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والمناسك، فاجعله رفيقك حين تتعلّم أحكام هذه الأبواب، تقرأ حديث المسألة في موضعه، وتتأمّل ترجمة الباب لتُدرك فقه الإمام واستنباطه. وتوقَّف عند مواضع قوله «إن صحّ الخبر» لتتعلّم كيف يتحرّى المحدّث ويحتاط في الحكم.

وفي القارئ هنا تجد النص كاملًا مرتّبًا على أبوابه، مع فهرسٍ يوصلك إلى الكتاب والباب الذي تريده بضغطة واحدة، فتنتقل بين المسائل من غير عناء. ابدأ بكتاب الطهارة أو الصلاة، وتتبّع أحاديث بابٍ تحبّه، واقرأ «صحيح ابن خزيمة» كاملًا مجانًا على رحلة.

أسئلة شائعة

من مؤلف صحيح ابن خزيمة ولماذا لُقّب بإمام الأئمة؟
مؤلفه الحافظ أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري (223–311 هـ)، أحد أئمة الحديث والفقه في القرن الثالث. لقّبه أقرانه من الحفّاظ «إمام الأئمة» لعلوّ حفظه ودقّة نقده وإمامته في معرفة علل الحديث والرجال.
ما اسم صحيح ابن خزيمة الكامل؟
اسمه الكامل «مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ»، ويدلّ على منهجه في الانتقاء الشديد؛ فهو اختيارٌ من مادّةٍ حديثيةٍ واسعة جمعها المؤلف، غربلها حتى بقي لُبابها الصافي.
ما منزلة صحيح ابن خزيمة بين كتب الحديث؟
هو عند المحدّثين في الطبقة التي تلي الصحيحين مباشرة، ويُقدَّم في المرتبة على «صحيح ابن حبّان» و«مستدرك الحاكم» لعلوّ شرطه وشدّة تحرّي مؤلفه، حتى صار وجود الحديث فيه قرينةً على قبوله.
لماذا لم يصل الكتاب كاملًا وكم عدد أحاديثه الواصلة؟
فُقد أكثر الكتاب وضاعت أصوله، ولم يبقَ منه إلا قطعةٌ تُقدَّر بنحو ربع الأصل تدور على العبادات (الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والمناسك)، وتضمّ في القسم المطبوع نحو ثلاثة آلاف حديث.
هل يمكن قراءة صحيح ابن خزيمة كاملًا مجانًا؟
نعم، القسم الواصل من الكتاب متاحٌ للقراءة كاملًا مجانًا على رحلة، مرتّبًا على أبوابه الفقهية، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي كتابٍ أو بابٍ مباشرة.

النص الكامل بين يديك

صحيح ابن خزيمة كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن