عن الكتاب
في مدينة بُست على أطراف خراسان جلس قاضٍ جمع في صدره علوم زمانه: الحديث والفقه واللغة والطب والنجوم، حتى قيل إنه من «أوعية العلم». رحل في طلب السنّة حتى كتب عن نحو ألفَي شيخ، ثم عزم أن يجمع أصحّ ما وقع له في ديوانٍ واحد، لا على أبواب الفقه كصنيع البخاري، ولا على مسانيد الصحابة كصنيع أحمد، بل على تقسيمٍ مبتكَرٍ لم يُسبق إليه. فخرج كتابه بحرًا من الحديث الصحيح، عزيز المأخذ، بديع الترتيب، حتى عُدّ من أصحّ كتب السنّة بعد الصحيحين. هذا هو «صحيح ابن حبان».

هو أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي الدارمي البُستي، وُلد نحو سنة 270 هـ في مدينة بُست من بلاد سجستان بإقليم خراسان الكبرى. نشأ على العلم وطلب الحديث صغيرًا، فبرع فيه حتى صار أحد أئمة الحفّاظ النقّاد في القرن الرابع الهجري، وأحد أعلام الفقه والأصول واللغة في عصره. جمع بين رتبة المحدّث الحافظ ومنصب القاضي، فتولّى القضاء في سمرقند ونواحيها، وكان مرجعًا يُقصد في الرواية والفتوى والتصنيف.
ولم تكن معرفة ابن حبان مقصورةً على الحديث والفقه، بل كان من نوادر العلماء اتساعًا؛ عُرف بالطب والنجوم واللغة والوعظ حتى وصفه تلميذه الحاكم النيسابوري بأنه من «أوعية العلم». وقد ترك مصنّفاتٍ نفيسة ما زالت من أصول أهل العلم إلى اليوم، منها «الثقات» و«المجروحين» في الرجال والجرح والتعديل، و«مشاهير علماء الأمصار» في التراجم، و«روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» في الأدب والحكمة.
أنشأ ابن حبان بمدينته بُست خزانة كتبٍ ودارًا للعلم، ووقف عليها أوقافه، فكانت مقصد طلاب الحديث في المشرق. وظلّ مكبًّا على الرواية والتصنيف حتى تُوفّي ببُست سنة 354 هـ، فخلّف تراثًا حديثيًا ونقديًا يُعدّ من أنفس ما وصل إلينا من علوم القرن الرابع.
كان ابن حِبَّان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال.
عاش ابن حبان في القرن الرابع الهجري، وهو عصرُ نضجٍ لعلم الحديث؛ فقد استقرّت أصول التصنيف بعد أن دوّن أصحاب الصحاح والسنن كتبهم، وصار على أهل الطبقة التالية أن يُحكموا الجمع والتمحيص والنقد. وابن حبان من هذه الطبقة التي تلقّت العلم عن كبار أئمة الرواية، فسمع من الإمام النَّسائي صاحب السنن، ومن الحافظ ابن خزيمة، ومن الحسن بن سفيان وأبي يعلى الموصلي وغيرهم من حفّاظ زمانه.
وقد ضرب في الأرض طلبًا للحديث ضربًا بعيدًا؛ فجاب خراسان والعراق والحجاز والشام ومصر والجزيرة، حتى كتب عن نحو ألفَي شيخ، ونظر في أحوال الرجال وعللهم نظر الناقد البصير. ثم تخرّج به جيلٌ من كبار الحفّاظ، وعلى رأسهم الحاكم أبو عبد الله النيسابوري صاحب «المستدرك»، وأبو عبد الله بن مَنْده، وغيرهما ممن حملوا علمه إلى الآفاق.
ومن هذه السَّعة في السماع والرحلة وُلدت فكرة كتابه: فقد رأى ابن حبان أن كتب الصحيح قبله بُنيت على أبواب الفقه أو على مسانيد الصحابة، فأراد أن يجمع أصحّ ما انتقاه من مروياته في نظمٍ جديد يُبرز به فقه الحديث ومقاصده، فكان «صحيحه» ثمرة عمرٍ في الطلب وحصيلةَ نقدٍ طويل.
سمّى ابن حبان كتابه «المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع، من غير وجود قطعٍ في سنده ولا ثبوت جرحٍ في ناقليه». واشترط لصحة الحديث عنده شروطًا بيّنها في مقدمته، مدارها على أن يكون راويه عدلًا في دينه، صادقًا في حديثه، عاقلًا لما يُحدّث به، عالمًا بما يُحيل المعنى، ناقلًا للخبر بإسنادٍ متصلٍ سالمٍ من التدليس والانقطاع. فالكتاب انتقاءٌ صارمٌ للصحيح على شرطٍ محرَّرٍ عُني صاحبه بضبطه.
ومع صرامة هذا الشرط، عُرف عن ابن حبان تسامحٌ في توثيق بعض الرواة؛ إذ كان يذهب إلى أن الراوي إذا رَوى عنه ثقةٌ ولم يُعرف فيه جرحٌ فهو في حيّز العدالة، فوثّق بذلك جماعةً عدّهم غيره من المجاهيل. ولهذا يرى المحقّقون أن تصحيحه أوسع دائرةً من تصحيح البخاري ومسلم، فلا يُطلق قبول كل ما فيه بلا نظر، وإن بقي جمهور الكتاب حديثًا صحيحًا أو حسنًا معتمدًا عند أهل العلم.
أمّا وجه الابتكار الأكبر فهو نظم الكتاب نفسه؛ فقد قسّم ابن حبان السنّة إلى خمسة أقسام كبرى: الأوامر، والنواهي، والأخبار، والإباحات، وأفعاله صلى الله عليه وسلم، ثم فرّع كل قسمٍ إلى «أنواعٍ» مرقّمة تندرج تحتها الأحاديث. أراد بهذا الترتيب العقلي أن يجعل بناء الكتاب كاشفًا عن فقه الحديث ومقاصد الشريعة، لا مجرّد سردٍ للأبواب.
كان لهذا الترتيب المبتكَر على التقاسيم والأنواع فضلٌ في إبراز نظر ابن حبان، لكنه جعل الكتاب عسير المراجعة على طالب الحديث؛ فمن أراد حديثًا في بابٍ بعينه لم يهتدِ إلى موضعه إلا بعد عناء، إذ لم تكن الأحاديث مجموعةً على الأبواب المعهودة ولا على المسانيد المألوفة. فبقي «الصحيح» على نفاسته صعب التناول، قليل الدوران بين الطلبة على قدر مكانته.
ثم جاء الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت 739 هـ) فأعاد ترتيب الكتاب على أبواب الفقه المعتادة، من الطهارة والصلاة والزكاة وسائر الأبواب، وسمّى صنيعه «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان». وبهذا الترتيب ذاع الكتاب وانتشر، وصار هو النسخة التي يعرفها الناس ويرجعون إليها، حتى غلب اسم «الإحسان» على الكتاب في كثيرٍ من التداول.
ولم يُهمَل الأصل على تقاسيمه؛ فقد طُبع لاحقًا مرتَّبًا على وضع ابن حبان الأول بعناية جماعةٍ من المحقّقين، فصار للكتاب صورتان بين يدي الباحث: صورته الأصلية على التقاسيم والأنواع تكشف منهج مؤلفه، وصورته المرتَّبة على الأبواب في «الإحسان» تيسّر الوصول إلى الحديث المطلوب.
يُعدّ «صحيح ابن حبان» من أصحّ دواوين السنّة بعد الصحيحين، ويُقرن غالبًا بـ«صحيح ابن خزيمة» في الرتبة، ويُقدَّم عند كثيرٍ من النقّاد على «مستدرك الحاكم» في التحرّي. ولهذا لم يزل من المراجع الكبرى في تخريج الحديث والاستشهاد به؛ يعتمده المحدّثون والفقهاء والمفسّرون، ولا يكاد يخلو منه كتابٌ في السنّة وشروحها.
وقد اعتنى العلماء بزوائده على الصحيحين عنايةً خاصة؛ فجمع الحافظ نور الدين الهيثمي (ت 807 هـ) ما زاد فيه على ما في البخاري ومسلم في كتابٍ سمّاه «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان»، فسهّل بذلك الانتفاع بمرويّاته النادرة. كما أكثر الحفّاظ من النقل عنه في مصنّفاتهم، ونصّوا على أحكامه في التصحيح والتضعيف.
ومن أشهر تحقيقاته وأجودها طبعة «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان» بترتيب الأمير ابن بلبان، بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، الصادرة عن مؤسسة الرسالة في ثمانية عشر مجلدًا، وقد خدم فيها المحقّق الأحاديث تخريجًا وحكمًا على الأسانيد. وإلى جانبها الطبعات القائمة على الأصل المرتَّب على التقاسيم والأنواع، وبها اجتمع للكتاب حظٌّ وافرٌ من التحقيق والعناية.
لست بحاجةٍ إلى أن تُحيط بنظام التقاسيم والأنواع لتنتفع بالكتاب هنا؛ فالنص كاملٌ بين يديك، تتنقّل في أبوابه وأحاديثه بيسر، وتقرأ الحديث بإسناده ومتنه كما رواه ابن حبان، دون أن يُعييك البحث عن موضعه.
اجعله رفيقًا لقراءتك في السنّة إلى جانب الصحيحين؛ فكثيرٌ من أحاديثه زوائد لا تجدها في البخاري ومسلم، وفيه من فقه الترتيب ما يفتح لك بابًا إلى مقاصد الحديث. النص متاحٌ للقراءة مجانًا على رحلة، فابدأ من حيث شئت، وسِرْ في هذا الديوان الصحيح على مهلك.
النص الكامل بين يديك
صحيح ابن حبان كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل