عن الكتاب
في دمشقَ العثمانية من القرن الحادي عشر الهجري، حيث تعاقبت على المدينة حِلَقُ العلم وتراكمت في خزائنها تواريخُ الأمم وطبقاتُ الرجال، نشأ فقيهٌ حنبليٌّ آثر أن يجمع أخبار من مضى من الأعلام في سِفرٍ واحدٍ يُحصي وفياتِهم سنةً سنة. لم يُرد صاحبنا أن يؤلّف تاريخًا للحوادث وحدها، بل أراد أن يقيّد للناس سِيَرَ من رحلوا: العلماءَ والخلفاءَ والمحدّثين والشعراء، من صدر الإسلام إلى منتهى الألف الأولى. فرتّب كتابه على السنين، يفتتح كلَّ عامٍ بما وقع فيه من الأحداث، ثم يُتبعه بتراجم من توفّي فيه، حتى غدا كتابه خزانةً جامعةً لتراجم عشرة قرون. وسمّاه باسمٍ فيه لطفٌ ووفاءٌ للراحلين، إذ جعل أخبار «من ذهب» شذراتٍ «من ذهب». هذا هو كتاب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» للإمام أبي الفلاح عبد الحي ابن العماد الحنبلي.

هو الإمام المؤرّخ الفقيه عبد الحيّ بن أحمد بن محمد العَكري الدمشقي الصالحي الحنبلي، أبو الفلاح، المعروف بابن العماد؛ وُلد بدمشق في مطلع القرن الحادي عشر الهجري، ونشأ في بيت علمٍ ودين، فأقبل على الفقه والحديث والتاريخ يأخذها عن علماء عصره من الحنابلة وغيرهم، حتى تأهّل للتصنيف وبرز في فنّ التراجم والتاريخ.
كان ابن العماد جامعًا بين الفقه على مذهب الإمام أحمد والعناية بالتاريخ وأخبار الرجال؛ رحل في طلب العلم ولقاء الشيوخ، وقصد مصرَ والحجاز، وأخذ عن جماعةٍ من محدّثي زمانه ومسنِديهم. وقد عُرف بسعة الاطّلاع على كتب الطبقات والتواريخ، وهي المِلَكة التي كان كتابه هذا ثمرتَها الكبرى؛ إذ لا يجتمع مثل هذا الجمع إلا لمن طالت صحبتُه لكتب المتقدّمين.
وأدركته الوفاة في الحجاز سنة تسعٍ وثمانين وألف للهجرة، وقد قضى عمره في العلم تحصيلًا وتصنيفًا. ولعلّ أعظم ما خلّفه للأمة هذا الكتاب الذي صار عَلَمًا عليه؛ حتى قلّ أن يُذكر «ابن العماد» عند أهل التاريخ إلا وتبادر إلى الأذهان «شذرات الذهب».
جاء «شذرات الذهب» في عصرٍ نضجت فيه صناعة التاريخ على السنين، ونضجت معها كتب الطبقات والوَفَيات؛ فقد سبق ابنَ العماد أئمةٌ كبارٌ في هذا الفنّ، كالذهبي في «العبر» و«تاريخ الإسلام»، وابن كثير في «البداية والنهاية»، والسخاوي في «الضوء اللامع» لأهل القرن التاسع. فوجد صاحبنا بين يديه ثروةً من التواريخ والطبقات تفرّقت فيها أخبار الأعلام وتباعدت، فانتدب لجمع خلاصتها في مصنَّفٍ واحدٍ مرتّبٍ على الأعوام.
وكانت دمشق في عصره حاضرةً من حواضر العلم في الدولة العثمانية، فيها المدارس والمكتبات وحلقُ التدريس، ومنها كان ابن العماد ينهل من كتب المتقدّمين. فأراد أن يُيسّر على طالب التاريخ أمرَه؛ إذ بدل أن يطوف الباحث عن ترجمة عالمٍ بين عشرات المصنّفات، يجدها في «الشذرات» مرتَّبةً تحت سنة وفاته، مقرونةً بأخبار عصرها.
ولم يكن قصده الإطالةَ في سرد الحوادث السياسية، بل كان جُلّ عنايته منصرفًا إلى التراجم؛ فالكتاب في حقيقته سِجلٌّ لوَفَيات الأعلام أكثر منه تاريخًا للدول، وإن افتتح كلَّ عامٍ بذكر أبرز ما وقع فيه. وبهذا القصد صار الكتاب عَونًا للمحدّثين والفقهاء والباحثين في ضبط تواريخ الرجال ومعرفة طبقاتهم.
رتّب ابن العماد كتابه على السنين الهجرية، فأخذ يمضي عامًا عامًا؛ يذكر في مطلع كل سنةٍ ما كان فيها من الحوادث الكبار، كوفيات الخلفاء والسلاطين والوقائع المشهورة، ثم يُثنّي بتراجم من توفّي في تلك السنة من العلماء والأعيان، فيسير القارئ مع الزمن حِقَبًا متتابعةً يرى فيها تعاقب الأجيال.
وطريقته في الترجمة أن يذكر اسم العالم ونسبه وكنيته ومولده وشيوخه ومصنّفاته، ثم يُثني عليه بما نُقل من ثناء العلماء، ويختم بسنة وفاته وربما موضع دفنه؛ فتخرج الترجمة موجزةً جامعةً لأهمّ ما يُعرَف به صاحبها. وقد يستطرد أحيانًا فيورد شيئًا من شعر المترجَم له أو نوادره أو ما جرى له من أخبار طريفة.
أما مصادره فكثيرة؛ نقل عن الذهبي وابن كثير، وعن ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة»، وعن السبكيِّ وابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية، وعن السخاويِّ وابن تغري بردي وغيرهم من أهل التاريخ والطبقات، فجمع ما تفرّق في هذه الكتب وصهره في نسقٍ واحد. وكان لعنايته بمذهبه أثرٌ ظاهر، إذ أولى تراجم الحنابلة عنايةً خاصة، فصار الكتاب مرجعًا مهمًّا في أعيان المذهب مع استيعابه لأعلام سائر المذاهب.
يمتدّ «شذرات الذهب» زمنًا واسعًا؛ فيبدأ من مطلع التاريخ الهجري ويتدرّج في السنين حتى ينتهي عند سنة ألفٍ للهجرة، فيستوعب بذلك تراجم عشرة قرونٍ كاملة من عمر الأمة: من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام الأوائل، إلى علماء القرن العاشر الذين قاربوا زمن المؤلف. وبهذا الامتداد صار الكتاب موسوعةً حوليةً تُرجِمُ لآلاف الأعلام في مجلداته.
وفي اسم الكتاب لطيفةٌ بيانية أرادها مؤلّفه؛ فـ«من ذهب» أي من مضى ورحل من الأعلام إلى دار البقاء، وأخبارهم عنده «شذراتٌ من ذهب»، أي قِطعٌ نفيسة كنُقَط الذهب في قيمتها وبهائها. فجمع في العنوان بين معنى الرحيل ومعنى النفاسة، فكان اسمًا على مسمّى؛ إذ جعل سِيَر الراحلين جواهرَ محفوظة لا تبلى.
وتتفاوت التراجم في الكتاب طولًا وقِصرًا بحسب مكانة صاحبها وما توافر للمؤلف من أخباره؛ فمنها المبسوطة في العالم الكبير الذي كثرت مصنّفاته وأخباره، ومنها الموجزة التي لا تتجاوز سطورًا. غير أنّ مجموعها يرسم للقارئ لوحةً متّصلة لطبقات العلماء جيلًا بعد جيل، يرى فيها كيف تُسلَّم راية العلم من شيخٍ إلى تلميذ عبر القرون.
أخبارُ من ذهب: أي من مضى ورحل من الأعلام؛ فجُمعت سِيَرُهم شذراتٍ من ذهب، نفاسةً وبقاءً.
احتلّ «شذرات الذهب» مكانةً رفيعة بين كتب التاريخ والتراجم؛ إذ صار من أوّل ما يرجع إليه الباحث عن ترجمة عالمٍ أو ضبط سنة وفاته في القرون العشرة الأولى. وميزتُه الكبرى أنه يجمع في موضعٍ واحد ما تناثر في عشرات المصنّفات، وربما حفظ من أخبار الأعلام ما عزّ وجودُه في مظانّه الأصلية بعد ضياع بعضها، فصار بذلك خزانةً يُعتمَد عليها.
ولمّا كان الكتاب مجموعًا من مصادر كثيرة، فقد نبّه المحقّقون على مواضع وقع فيها الوهمُ أو التكرار أو النقلُ بالواسطة، وهو أمرٌ لا يعيب مثلَ هذا الجمع الكبير ولا يغُضّ من نفعه، بل يقتضي من الباحث أن يعود عند التحقيق إلى المصادر الأصلية التي نقل عنها المؤلف. وعلى الجملة يبقى «الشذرات» من أوسع الحَوليّات وأجمعها لتراجم الأعلام.
وقد طُبع الكتاب طبعاتٍ عدة؛ فمن طبعةٍ قديمة انتشرت في نحو ثماني مجلدات، إلى التحقيق المشهور الذي قام به الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ومحمود الأرناؤوط وصدر عن دار ابن كثير بدمشق في عشر مجلدات، مع ضبط النصّ وتخريج مادّته ووضع الفهارس التي تُيسّر الوصول إلى التراجم. وبهذه الطبعات المحقَّقة صار الكتاب متداولًا في أيدي الباحثين وطلبة العلم في مشارق الأرض ومغاربها.
«شذرات الذهب» كتابٌ مرتّبٌ على السنين، فيمكنك أن تقرأه متتبّعًا الأعوام عامًا عامًا لترى تعاقب الأجيال ووفياتِها، أو أن تنتقل إلى القرن الذي يعنيك فتطالع تراجم أعلامه. وإن كنت تبحث عن عالمٍ بعينه فاستعن بالبحث في النصّ لتصل إلى ترجمته تحت سنة وفاته مباشرة.
وهو كتابٌ يجمع بين المتعة والفائدة؛ تقرأ فيه سِيَر العلماء وأخبارهم ونوادرهم، كما تطالع في تضاعيفه ما جرى في كل عصر. والنصّ الكامل متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أوّله عند صدر الإسلام، أو انتقل إلى القرن الذي تحبّ، واقرأ في سِفرٍ حفظ لك أخبار عشرة قرونٍ من أعلام هذه الأمة.
النص الكامل بين يديك
شذرات الذهب كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
335 فصلاً

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
3806 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310ه)
71 فصلاً

أبي القاسم علي بن الحسن إبن هبة الله بن عبد الله الشافعي
1294 فصلاً

أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني
4390 فصلاً

أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: 681هـ)
33 فصلاً