عن الكتاب
إذا أردت أن تلمس أشدّ ما بلغه علم الحديث من دقّةٍ في تمييز الصحيح من العليل، فانظر في كتابٍ اشترط صاحبه في رواته شروطًا يقال إنها أضيق مما اشترطه أصحاب الصحاح، حتى صار أقلّ السنن الأربعة حديثًا ضعيفًا وأقربها إلى الصحيحين. صاحبه إمامٌ من خراسان جاب الأمصار وسكن مصر، عُرف بحدّة النظر في العلل ومعرفة الرجال، ثم ختم حياته بمحنةٍ في الشام قيل إنها كانت سبب وفاته. لم يرضَ لكتابه أن يبقى على سعته الأولى فانتقى منه لبابه، فخرج «المجتبى» أوجزَ وأنقى، وهو الكتاب الذي عُدّ رابع الكتب الستة وثالث السنن الأربعة، والمعروف عند الناس باسم «سنن النسائي».

هو الإمام الحافظ الثبت أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سِنان النسائي، نسبةً إلى «نَسا»، وهي مدينةٌ من مدن خُراسان القديمة. وُلد سنة خمسٍ عشرة ومئتين للهجرة، وطلب الحديث وهو حَدَثٌ صغير، فرحل في طلبه إلى الحجاز والعراق والشام والجزيرة ومصر وخراسان، ولقي كبار المحدّثين وأخذ عنهم، حتى صار أحد أئمة هذا الشأن المعدودين في عصره، وعَلَمًا من أعلام القرن الثالث الهجري، ذلك العصر الذهبيّ الذي دُوّنت فيه أمّهات كتب السنّة.
برع النسائي في علم الحديث روايةً ودرايةً، وبلغ في معرفة الرجال والعلل مبلغًا قلّ أن يُدانى فيه؛ فكان بصيرًا بأحوال الرواة، دقيق النظر في الأسانيد، حادّ الملاحظة في تمييز اختلاف الرواة ومواطن الوهم الخفيّ. وقد شهد له أئمة الجرح والتعديل بالحفظ والإتقان وشدّة التحرّي، وعُدّ في هذا الفنّ من طبقةٍ عالية، حتى قدّمه بعض العلماء في معرفة العلل على غيره من أقرانه.
ولم يكن النسائي محدّثًا فحسب، بل كان صاحب مصنّفاتٍ نافعة سوى سننه، منها «السنن الكبرى» التي انتقى منها «المجتبى»، و«عمل اليوم والليلة» في الأذكار والآداب النبوية، و«الضعفاء والمتروكون» في نقد الرجال، و«خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب». استقرّ به المقام في مصر زمنًا طويلًا فنشر بها علمه وحدّث، فكان أهلها من أكثر الناس أخذًا عنه ورواية لكتبه.
صنّف النسائي أوّلًا كتابه الكبير المعروف بـ«السنن الكبرى»، فجمع فيه من الأحاديث ما تنوّعت مراتبه بين الصحيح والحسن والضعيف، على عادة أصحاب السنن الذين يوردون في الباب ما يصلح للاحتجاج وما يصلح للاعتبار. وكان هذا الكتاب موسوعةً حديثيةً واسعة، جمعت طرق الأحاديث واختلاف ألفاظها ومواضع عللها، فبانت فيها إمامة صاحبه في هذا العلم.
ثم إنه انتقى من ذلك الأصل الكبير لبابه؛ فجرّده من كثيرٍ مما يحتاج إلى بيان، واقتصر على ما اشتدّ في نفسه أمره وقرُب من الصحّة، فخرج الكتاب الأصغر المسمّى «المجتبى»، ويقال له «السنن الصغرى» أو «المجتنى»، وهو الذي عُدّ من الكتب الستة وسار به ذكر النسائي في الآفاق. وتُروى في سبب هذا الانتقاء حكايةٌ مشهورة مفادها أنه لمّا رُفع كتابه الكبير إلى أميرٍ فسأله: أكلّ ما فيه صحيح؟ فأجابه بأنّ فيه الصحيح وما دونه، فطُلب منه أن يُفرد الصحيح، فانتخب هذا «المجتبى».
ثم كان لختام حياته شأنٌ يُذكر؛ فقد قدِم دمشق فوجد من أهلها انحرافًا عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فأملى عليهم كتابه في «خصائص علي» ذبًّا عنه وبيانًا لفضله، فيُروى أنه نال أذًى شديدًا بسبب ذلك، وأنه مرض من أثره حتى تُوفّي سنة ثلاثٍ وثلاثمئة، واختُلف في موضع وفاته بين الرملة بفلسطين ومكّة. وهكذا خُتمت حياة إمامٍ أفنى عمره في خدمة السنّة بموقفٍ من مواقف الغيرة على أهل البيت.
لم يرضَ لكتابه أن يبقى على سَعته الأولى، فغربل الطرق وأسقط ما دون الجيّد، حتى خرج «المجتبى» صافيًا كأنه سلالةُ «السنن الكبرى».
رتّب النسائي كتابه على أبواب الفقه كسائر أصحاب السنن، فابتدأ بكتاب الطهارة ثم المياه والحيض والغسل والتيمم، ثم الصلاة ومواقيتها والأذان والمساجد وصفة الصلاة، ثم مضى إلى الزكاة والصيام والحج والجهاد والبيوع والنكاح والطلاق والأشربة والأيمان والنذور، وبضعة وخمسين كتابًا يجمع أبواب العبادات والمعاملات والأحكام. فهو كتابُ أحاديثٍ يُستنبط منها الفقه، ومرجعٌ لطالب الحديث والفقيه معًا.
ويتميّز منهج النسائي بعنايةٍ فائقة بالأسانيد وعللها؛ فكثيرًا ما يسوق الحديث الواحد من طرقٍ متعددة، ويُبرز اختلاف الرواة في وصله وإرساله، ورفعه ووقفه، وزيادة اللفظة ونقصها، ليدلّ على المحفوظ من المعلول. وهذه الطريقة في عرض الاختلاف وتحرير الرواية من أخصّ ما امتاز به كتابه، وهي ثمرة إمامته في علم العلل، فكأنّ القارئ يجلس في مدرسةٍ عمليةٍ لنقد الأسانيد.
وأمّا تراجم أبوابه فمن دقائق الكتاب؛ فقد يترجم للباب بترجمةٍ لطيفةٍ يستخرج منها حكمًا فقهيًّا أو نكتةً في الاستدلال، حتى قيل إنّ فقه النسائي في تراجمه. ومع هذا الاعتناء بالصنعة الحديثية، حرص على أن تكون أحاديث «المجتبى» من أعلى ما وقف عليه صحّةً، فجاء الكتاب مثالًا في الجمع بين نقاء المتون ودقّة الأسانيد.
«سنن النسائي»، أي «المجتبى»، أحد الكتب الستة أو الأصول الستة التي عليها مدار رواية الحديث عند أهل السنّة، وهي: صحيحا البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وهو في ترتيب هذه الكتب معدودٌ بعد الصحيحين والسنن التي سبقته، ثالثُ السنن الأربعة على المشهور، أو رابع الكتب الستة على أحد الاصطلاحات.
وقد ذهب غير واحدٍ من العلماء إلى أنّ «المجتبى» أشدّ السنن الأربعة شرطًا في الرجال، وأقلّها حديثًا ضعيفًا، وأقربها إلى شرط الصحيحين؛ لِما عُرف عن النسائي من التشدّد في نقد الرواة، حتى إنه كان يترك من الرجال من احتجّ به غيره. ولذلك عدّه بعضهم أرجحَ السنن الأربعة من حيث جودة الشرط ونقاء المادّة، وإن كان في كلّ كتابٍ منها من الخصائص ما لا يوجد في غيره.
ولا يعني هذا خلوّ الكتاب من أحاديث تُكلِّم في أسانيدها، فالسنن ليست كالصحيحين في الشرط؛ لكنّ الغالب على «المجتبى» علوّ الرتبة ودقّة الانتقاء. ولهذا لزم أهل العلم العنايةَ به حفظًا ودراسةً وتخريجًا، وجعلوه ركنًا من أركان دراسة الحديث لا يستغني عنه طالبٌ ولا محدّث.
يقول أهل الصنعة إنّ شرط النسائي في الرجال من أضيق شروط أصحاب السنن، فما نجا من غربلته فهو حريٌّ أن يُطمأنّ إليه.
عُني العلماء بخدمة «سنن النسائي» شرحًا وتعليقًا وتخريجًا؛ فمن أشهر ما كُتب عليه «زهر الرُّبى على المجتبى» للحافظ جلال الدين السيوطي، وهو تعليقٌ لطيفٌ يوضّح غريبه ويشير إلى معانيه، وقد اقترن بالكتاب في كثيرٍ من طبعاته. ومنها حاشية الإمام أبي الحسن السندي، وهي حاشيةٌ نافعةٌ في حلّ ألفاظه وبيان مشكله، تُطبع كثيرًا بهامش المتن مع تعليق السيوطي.
ومن الشروح الحديثة الحافلة «ذخيرة العُقبى في شرح المجتبى» للشيخ محمد بن علي بن آدم الإثيوبي الولوي، وهو شرحٌ موسوعيٌّ واسعٌ استوعب مسائل الكتاب رجالًا وفقهًا وعللًا في مجلّداتٍ كثيرة. وقد طُبع «المجتبى» مرارًا في مطابع الهند ومصر وبيروت وغيرها، منها هذه الطبعة عن دار المعرفة، وعُني به المحقّقون بضبط النصّ ومقابلة النسخ والتنبيه على مواطن الرواية.
وأمّا أثره فقد جاوز كونه كتابًا يُروى إلى كونه مدرسةً في نقد الأسانيد؛ إذ استفاد منه من جاء بعده في معرفة العلل والحكم على الأحاديث، وصار من أوثق مراجع أهل الحديث في التخريج والترجيح. وبقي على القرون شاهدًا على أنّ الدقّة في الشرط لا تنافي سعة المادّة، وأنّ قلّة الضعيف مع كثرة الأبواب من أعزّ ما يُطلب في كتب السنّة.
إن كنت طالب حديثٍ أو محبًّا للسنّة يبتغي متنًا رفيع الرتبة، فـ«سنن النسائي» رفيقٌ ثمين؛ ابدأ من كتاب الطهارة وامضِ في الأبواب على ترتيبها، وتأمّل كيف يسوق النسائي طرق الحديث الواحد ويوازن بينها، فتتعلّم من صنيعه كيف يُميّز المحفوظ من الشاذّ. واجعل قراءته بابًا إلى فقه الأبواب من خلال تراجمها، لا مجرّد سردٍ للمتون.
وفي القارئ على رحلة تجد نصّ «سنن النسائي» كاملًا مرتّبًا على كتبه وأبوابه، مع فهرسٍ يوصلك إلى أيّ كتابٍ أو بابٍ أو حديثٍ بضغطة واحدة، تنتقل بين الأحاديث بيسر وتعود إلى موضعك متى شئت. اقرأه لتنهل من أنقى السنن مادّةً وأدقّها شرطًا، كاملًا وبلا حواجز، مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
سنن النسائي كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل