عن الكتاب
حين أراد رجلٌ من علماء دمشق في مطلع القرن العاشر أن يجمع سيرة النبي ﷺ في كتابٍ واحد، لم يقنع بالاختصار ولا بالانتقاء، بل مدّ يده إلى مئات الدواوين من الحديث والسير والدلائل والشمائل والتاريخ، فاستخرج منها كل ما يتّصل بحياة المصطفى ﷺ من مبدأ خلقه إلى وفاته، ورتّبه أبوابًا ومقاصد لا يكاد يفوته منها شيء. فخرج من ذلك سِفرٌ ضخم عُدّ من أجمع ما كُتب في السيرة على الإطلاق، حتى صار موسوعةً يرجع إليها كل من أراد الاستقصاء. إنه «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي.

هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الصالحي الدمشقي الشامي، أبو عبد الله، الفقيه الشافعي المؤرخ. نُسب إلى «الصالحية»، ذلك الحيّ العلمي العريق في سفح قاسيون بدمشق الذي أنجب طبقاتٍ من العلماء والمحدّثين، ثم رحل إلى مصر واستقرّ بالقاهرة، فأخذ عن جِلّة علمائها، وعلى رأسهم الحافظ جلال الدين السيوطي، فتأثّر بسعة اطّلاعه ونهجه في جمع الشتات وتحرير المسائل.
كان الصالحي جمّاعةً للكتب، واسع العناية بالسير والتاريخ والحديث، غزير التصنيف. وإلى جانب «سبل الهدى» صنّف كتبًا في السيرة وشمائل النبي ﷺ وأخبار أهل بيته وصحابته، فكان همّه الأكبر خدمة سيرة المصطفى ﷺ. وتوفي بالقاهرة سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة للهجرة، فترك وراءه كتابًا خلّد اسمه وجعله في مقدمة من استقصى أخبار النبي ﷺ وجمعها بين دفّتين.
جاء «سبل الهدى» في عصرٍ نضجت فيه علوم السيرة وتوفّرت مصادرها؛ فقد سبقته أسفارٌ عظام في الدلائل والشمائل والمغازي والخصائص، لكنها كانت مفرّقةً في مصنّفاتٍ شتّى، لكلٍّ منها منزعُه واختصاصه. فرأى الصالحي أن يجمع هذا كله في ديوانٍ واحد جامع، يستوعب حياة النبي ﷺ من كل وجوهها: خَلقه ونسبه ومولده، وبعثته وهجرته، ومغازيه وسراياه، وشمائله وأخلاقه ومعجزاته، وعباداته وأزواجه وأولاده وخدمه، إلى وفاته وما كان بعدها، فلا يحتاج الباحث معه إلى غيره في الغالب.
وقد أفصح العنوان نفسه عن هذا المقصد الجامع؛ فالعنوان الكامل يكشف أن الكتاب لم يُقصد به سرد الأخبار فحسب، بل بيان فضائل النبي ﷺ وأعلام نبوته ودلائلها، وأحواله في الدنيا والآخرة. ولذلك جاء الكتاب أشبه بالموسوعة منه بالمختصر، يجمع بين طيّاته ما تفرّق في كتب الحديث والتفسير والتاريخ والطبقات مما يمتّ بصلةٍ إلى سيرة خير العباد ﷺ.
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوّته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد.
بنى الصالحي كتابه على طريقة الجمع والاستقصاء لا الاختصار؛ فهو ينقل النصوص من مظانّها وينسبها إلى مصادرها، ثم يسوق تحت كل مقصدٍ ما ورد فيه من الروايات على اختلاف طرقها، حتى يجتمع للقارئ في الموضع الواحد ما تفرّق في عشرات الكتب. وقد استقى مادته من مئاتٍ من المصادر بين كتب الحديث والدلائل والشمائل والسير والمغازي والتاريخ والطبقات، فصار الكتاب في جانبٍ منه كشّافًا لتراث السيرة كلّه، يدلّك على أين قيل الخبر ومن رواه.
ورتّب الكتابَ ترتيبًا موضوعيًّا محكمًا على «جُمَل أبواب» يندرج تحت كلٍّ منها أبوابٌ ومقاصد، فبدأ بما يتّصل بحقيقة خلقه ﷺ ونوره ونسبه الشريف، ثم مولده ورضاعه ونشأته، فبعثته والدعوة بمكة، فالهجرة وتأسيس الدولة بالمدينة، ثم استوعب المغازي والسرايا والوفود، وأفرد أبوابًا واسعة لشمائله وخصائصه ومعجزاته وأخلاقه وعباداته، وأخرى لأزواجه وأولاده وخدمه وكُتّابه، وختم بوفاته ﷺ وما يتّصل بها.
وككل الجوامع الكبرى في السيرة، لم يقتصر الصالحي على الصحيح المجرّد، بل أورد الغثّ والسمين وساق المرويات على علّاتها ليجمع لا ليَغربل، فوقع في الكتاب، لا سيما في أبواب المبدأ والنور والخصائص، شيءٌ من الأخبار الضعيفة بل الموضوعة على عادة كتب هذا الفنّ. ولذلك يُقرأ الكتاب قراءة المستفيد المستقصي مع تمييز صحيح الأخبار من ضعيفها، فهو معينٌ لا يكاد ينضب لمن يحسن الأخذ منه.
احتلّ «سبل الهدى والرشاد»، المعروف بـ«السيرة الشامية» نسبةً إلى مؤلفه، مكانةً رفيعة بين دواوين السيرة النبوية، حتى عُدّ من أوسعها استيعابًا وأجمعها لأخبار النبي ﷺ ومصادرها. ولذلك صار مرجعًا لا يستغني عنه الباحثون والمصنّفون في السيرة والشمائل، يعودون إليه لجمعه المتفرّق وحفظه لنصوصٍ ربما لم تصل إلينا كاملةً إلا من طريقه، فهو خزانةٌ للتراث النبوي بقدر ما هو كتاب سيرة.
وقد عُني العلماء والمحقّقون بإخراجه ونشره؛ فطُبع بتحقيق الشيخ مصطفى عبد الواحد ونشره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، ثم أُخرج كاملًا في نحو اثني عشر مجلدًا بتحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوّض عن دار الكتب العلمية ببيروت، وهي الطبعة المتداولة الميسّرة. وبهذه الطبعات وصل الكتاب إلى أيدي طلبة العلم والباحثين فأخذ مكانه بين أمّهات مصادر السيرة.
ميزة هذا الكتاب الكبرى أنه يوفّر عليك الطواف بين عشرات المصادر؛ فحين تريد بابًا من أبواب السيرة، غزوةً أو خصيصةً أو خُلُقًا أو حادثة، تجد الصالحي قد جمع لك تحت عنوانه ما ورد فيه من الروايات، منسوبًا إلى مصادره، مرتّبًا ترتيبًا يسهّل الوقوف على مجموع ما قيل في المسألة. وهذا الجمع الموسوعي هو الذي جعل الكتاب عُدّةً للدارس والخطيب والباحث على حدٍّ سواء.
وهو مع سعته يكشف لك خريطة تراث السيرة كلّه؛ إذ تتعلّم منه أين قيل كل خبر ومن رواه، فيصير دليلًا يهديك إلى المصادر الأصلية إن أردت الرجوع إليها. ويبقى شرطُ الانتفاع به التمييزَ بين صحيح ما فيه وضعيفه، فمن قرأه بعين الناقد المستقصي جمع بين سعة العلم وسلامة النقل، ووجد فيه من أخبار المصطفى ﷺ ما لا يجده مجموعًا في غيره.
أنسبُ ما يُقرأ به «سبل الهدى» أن تقصد منه بابك؛ فإن أردت غزوةً بعينها أو خصيصةً من خصائصه ﷺ أو بابًا من شمائله وأخلاقه، توجّهتَ إلى موضعه من الكتاب وقرأت ما جمعه الصالحي فيه من الروايات ومصادرها. وإن شئت الاستقصاء تابعتَ ترتيبه من أوله: من المبدأ والنسب والمولد، إلى البعثة والهجرة والمغازي، فالشمائل والخصائص، إلى الوفاة، فتقف على السيرة كاملةً منسوجةً في نسقٍ واحد.
وعلى رحلة تجد نصّ «سبل الهدى والرشاد» كاملًا، مرتّبًا على أبوابه ومقاصده كما وضعه مؤلفه، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي بابٍ أو مقصدٍ بضغطة واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. ابدأ من أوائله لتتبّع السيرة على نسقها، أو اقصد البابَ الذي تريد استقصاء أخباره، وتنقّل في هذه الموسوعة النبوية كيف شئت.
النص الكامل بين يديك
سبل الهدى والرشاد كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل