عن الكتاب
في كل حلقة علمٍ يُفتَح فيها «بلوغ المرام» يبقى المتنُ وحده أشبهَ بخريطةٍ مطويّة: أحاديثُ الأحكام مركّزةٌ مُحكمة، بيد أنها تحتاج يدًا خبيرةً تبسطها وتشرح مسالكها. جاء الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسّام، قاضي مكة وأحد كبار علماء نجد، فأخذ على عاتقه أن يفكّ رموز هذا المتن الحديثي العظيم للحافظ ابن حجر العسقلاني. مزج بين غريب اللفظ والمعنى الإجمالي وفقه الحديث والخلاف بين المذاهب في نسقٍ تعليميٍّ واحد، حتى صار كتابه مرجعًا لطلاب العلم في المساجد والجامعات وحلقات المسجد الحرام. هذا هو «توضيح الأحكام من بلوغ المرام».

وُلد الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسّام في مدينة عنيزة بإقليم القصيم في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، ونشأ في بيئةٍ علميةٍ تعجّ بحلقات القرآن والفقه. لزم في صباه شيخَ عنيزة الكبير عبد الرحمن بن ناصر السعدي صاحب «تيسير الكريم الرحمن»، فتلقّى عنه التفسير والتوحيد والفقه والأصول، وتشرّبت طريقتُه العلمية ذلك المنهجَ السعديَّ الميسَّر الذي يقدّم الدليل ويبتعد عن التعقيد. ثم أكمل تحصيله في المعاهد العلمية وكلية الشريعة، فجمع بين أصالة الطلب على المشايخ ونظام الدراسة الحديثة.
تدرّج الشيخ في سلك القضاء حتى استقرّ قاضيًا في المحكمة الكبرى بمكة المكرمة سنواتٍ طويلة، وهي خبرةٌ عملية انعكست في كتبه، إذ تراه يعالج مسائل الأحكام معالجةَ من مارس الفصل بين الناس لا معالجةَ من ينظر إليها من بعيد. واختير عضوًا في هيئة كبار العلماء بالمملكة، وجلس للتدريس، ودرّس في المسجد الحرام، فاجتمعت له المكانتان: كرسيُّ القضاء ومجلسُ التعليم.
ولم يكن «توضيح الأحكام» وحدَه ثمرةَ هذا العمر المديد؛ فقد ترك الشيخ مؤلفاتٍ سائرة، منها «تيسير العلّام شرح عمدة الأحكام» الذي يشرح فيه أحاديثَ عمدة الأحكام للمقدسي بالنفَس التعليمي نفسه، وموسوعتُه الفريدة «علماء نجد خلال ثمانية قرون» التي وثّق فيها تراجم أعلام الجزيرة. وظلّ عاكفًا على العلم تدريسًا وتأليفًا وقضاءً حتى توفي سنة 1423هـ، تاركًا مكتبةً تخدم طالب العلم المبتدئ والمنتهي معًا.
«توضيح الأحكام» في جوهره شرحٌ لمتنٍ حديثيٍّ صغير الحجم عظيم القدر، هو «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773 - 852هـ)، شيخ الإسلام وصاحب «فتح الباري» أعظم شروح صحيح البخاري. جمع ابن حجر في هذا المختصر أحاديثَ الأحكام الفقهية، ورتّبها على أبواب الفقه من الطهارة إلى الجامع في الآداب، وذيّل كلَّ حديثٍ بذكر من أخرجه من أئمة الحديث مع إشارةٍ موجزة إلى درجته، فصار كتابًا يجمع الرواية إلى النقد في عبارةٍ محكمة.
لأجل هذا الإحكام غدا «بلوغ المرام» متنًا يُحفظ ويُدرَّس في حلقات العلم جيلًا بعد جيل؛ فهو زادُ طالب الفقه الذي يريد أن يبني أحكامه على الدليل مباشرة لا على التقليد المجرد. وقد بيّن الحافظ ابن حجر مقصده من تأليفه في مقدمةٍ صارت من أشهر ما كتب في بابها، إذ وصف كتابه بأنه عمدةٌ للمبتدئ لا يستغني عنه المنتهي.
وهنا تكمن الحاجة إلى شرحٍ كالذي وضعه البسّام؛ فالمتن على إحكامه مكثَّفٌ يطوي وراء ألفاظه القليلة خلافًا فقهيًّا واسعًا، ومسائلَ في الغريب والإعراب، واستنباطاتٍ للأحكام لا يفتحها إلا شارحٌ متمكن. فكان «توضيح الأحكام» هو المفتاح الذي يبسط ما طواه ابن حجر، ويسير بالقارئ من ظاهر الحديث إلى فقهه.
فهذا مختصرٌ يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، حرّرتُه تحريرًا بالغًا ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغًا، ويستعين به الطالب المبتدئ، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي.
كان الشيخ البسّام معلّمًا قبل أن يكون مؤلفًا؛ فبين يديه طلابٌ يقرؤون «بلوغ المرام» ويقفون عند غريب ألفاظه وخلاف فقهائه، فأدرك أن المكتبة تحتاج شرحًا وسطًا يمشي بين طرفين: بين الاختصار المُخِلّ الذي يترك الطالب حائرًا، والتطويل المُمِلّ الذي يُغرقه في الحواشي والنقول حتى يضيّع عليه لبَّ المسألة. فجاء «توضيح الأحكام» ثمرةَ هذه الحاجة التعليمية، مصمَّمًا ليخدم المبتدئ الذي يطلب الفهم، والمنتهي الذي يطلب التحرير.
وجاء الكتاب في عصرٍ شهدت فيه المملكة نهضةً في التعليم الشرعي؛ معاهدُ علمية وكلياتُ شريعة وحلقاتٌ في الحرمين، أقبل عليها طلابٌ يريدون أن يتعلموا أحاديث الأحكام على منهجٍ يقدّم الدليل ويعرض أقوال العلماء بإنصاف. في هذا السياق نبت «توضيح الأحكام»، فكان لسانَ حالِ مدرسةٍ فقهية تجمع بين احترام المذهب واتّباع الدليل، وتربّي الطالب على أن يفهم الخلاف قبل أن يرجّح فيه.
اختطّ البسّام لكتابه طريقةً منظّمةً يسير عليها في كل حديث، حتى صار القارئ يعرف مقدَّمًا أين يجد بغيته. يسوق الحديثَ بنصّه، ثم يذكر طرفًا من ترجمة راويه إن كان صحابيًّا مشهورًا، ثم يفسّر «مفردات» الحديث وغريب ألفاظه، ثم يضع «المعنى الإجمالي» الذي يجمع مقصود الحديث في عبارةٍ واضحة، ثم ينتقل إلى صُلب المقصود: «ما يؤخذ من الحديث» من الأحكام والفوائد، حيث يستخرج المسائل الفقهية واحدةً واحدة.
وأبرزُ ما يميّز الكتاب نفَسُه المقارن؛ فعند كل مسألةٍ خلافية يعرض أقوال المذاهب الأربعة بأدلتها، ثم يرجّح ما يظهر له قوّةُ دليله. وأصلُ الشيخ حنبليٌّ نجديٌّ، لكنه غيرُ متعصّب لمذهبه، بل ينتصر للدليل حيث كان، فتراه أحيانًا يخرج عن المشهور في المذهب إذا رجح عنده خلافُه. وهو مع ذلك مؤدَّبٌ في العبارة، لا يحمل على مخالفٍ ولا يهجّن قولًا، بل يعرض الخلاف عرضَ العالم المنصف.
ومن لطائف منهجه أنه لا يثقل على القارئ بالأسانيد الطويلة ولا بالنقول المتراكمة، بل يكتفي من التخريج بما يبيّن درجة الحديث، ويصرف عنايته إلى الفقه والاستنباط. بهذا صار الكتاب سهلَ التناول على المبتدئ، محرَّرًا بقدرٍ يرضي المنتهي، جامعًا بين علم الرواية وفقه الدراية في سياقٍ واحد.
احتلّ «توضيح الأحكام» مكانةً رفيعة بين شروح «بلوغ المرام» المعاصرة، حتى غدا من أوسعها انتشارًا وأكثرها اعتمادًا في حلقات التدريس. فحيث يصعب على المبتدئ أن يبدأ بشروحٍ قديمة كـ«سبل السلام» للصنعاني على ما فيه من نفاسة، وجد الطلابُ في شرح البسّام مدخلًا معاصرًا سهل العبارة، يمشي بهم خطوةً خطوة حتى يستوي عودُهم في فقه أحاديث الأحكام.
طُبع الكتاب مرارًا في عدة مجلدات، ومن أشهر طبعاته ما صدر عن مكتبة الأسدي بمكة المكرمة، وتناقله طلبةُ العلم في المشرق والمغرب. ولم يقتصر أثره على حلقات المساجد، بل دخل المناهج والمقررات في كثيرٍ من المعاهد والدورات العلمية، وصار مرجعًا يُحال إليه عند شرح أحاديث الأحكام.
وقيمةُ الكتاب الباقية أنه يعلّم القارئ طريقةً في التفكير قبل أن يعلّمه أحكامًا؛ فهو يدرّبه على أن يقرأ الحديث، ثم يفهم لفظه، ثم يستخرج حكمه، ثم يزن الخلاف فيه بميزان الدليل. وهذه المَلَكة هي غايةُ التعليم الفقهي، وهي ما جعل أثر البسّام يتجاوز صفحات كتابه إلى طريقة أجيالٍ من طلاب العلم في تعاملهم مع النصوص.
على «رحلة» يمكنك أن تقرأ «توضيح الأحكام» كاملًا ومجانًا، مرتَّبًا على أبواب الفقه كما وضعه المؤلف، من الطهارة والصلاة إلى البيوع والنكاح والجامع في الآداب. تصفّح الكتاب بابًا بابًا وحديثًا حديثًا، بنصٍّ عربيٍّ واضح مريحٍ للقراءة على الحاسوب والهاتف، دون تحميلٍ ولا اشتراك.
وإن كنت طالبَ علمٍ تقرأ «بلوغ المرام» في حلقةٍ أو دورة، فاجعل «توضيح الأحكام» رفيقَك بجانب المتن؛ خاصية البحث تنقلك مباشرةً إلى الحديث أو المسألة التي تريدها، فتقف على غريب لفظها ومعناها الإجمالي وما فيها من خلافٍ وترجيح. ابدأ رحلتك مع هذا الشرح الآن، واقرأ فقه أحاديث الأحكام على يد قاضٍ من كبار العلماء.
النص الكامل بين يديك
توضيح الأحكام كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل