عن الكتاب
في بلدةٍ صغيرةٍ من بلاد الهند اسمها مُباركفور، نبغ في مطلع القرن الرابع عشر الهجري عالِمٌ من أئمّة أهل الحديث، جمع بين حفظ السنّة والذبّ عنها ونصرة الدليل حيث كان. رأى أنّ «جامع الترمذي»، أحد أصول السنّة الستّة، وأعجبها ترتيبًا وأغزرها فقهًا وذِكرًا لمذاهب العلماء، لم يُخدَم بالعربية بشرحٍ جامعٍ يليق بمنزلته، فنهض لذلك ووقف عليه سنين. فخرج من قلمه شرحٌ واسعٌ يحرّر الحديث ويبيّن غريبه، ويخرّج طرقه، ويحكم على أسانيده، ثم يبسط مذاهب الفقهاء ويناقشها ويرجّح بينها بالدليل. هذا هو كتاب «تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي» للإمام محمد عبد الرحمن المباركفوري.

هو العلّامة المحقّق أبو العُلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، نسبةً إلى بلدة مُباركفور من ديار الهند، وهي بلدةٌ صارت في القرنين الأخيرين مِن أشهر حواضر علم الحديث في شبه القارّة الهندية، خرج منها عددٌ من العلماء يحملون هذه النسبة. نشأ المباركفوري في طلب العلم، فأتقن العربية وعلومها، وبرع في الحديث روايةً ودرايةً، وتضلّع في الفقه ومذاهب العلماء، حتى صار من المشار إليهم بالتحقيق والتدقيق في زمانه.
كان المباركفوري من أئمّة حركة «أهل الحديث» في الهند، وهي حركةٌ عُنيت بإحياء السنّة والرجوع إلى الدليل من الكتاب والسنّة والتحرّر من التعصّب المذهبي، على منهاج مدرسة شاه وليّ الله الدهلوي ومن جاء بعده. فجمع بين سعة الاطّلاع على كتب السنّة وعلومها، ودقّة النظر في الأسانيد والرجال، والعناية بالفقه المقارَن؛ فكان في تصانيفه محرِّرًا لا ناقلًا، ومرجِّحًا بالحجّة لا متعصّبًا لقول.
انقطع المباركفوري إلى العلم تدريسًا وتأليفًا، فأفنى عمره في خدمة السنّة النبوية والذبّ عنها، وكان كتابه «تحفة الأحوذي» ثمرة هذا العمر وخلاصة جهده. وظلّ عاكفًا على العلم حتى توفّي سنة ثلاثٍ وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، فترك للأمّة شرحًا بقي بعده حيًّا يتناقله طلبة العلم في المشرق والمغرب.
محرِّرٌ لا ناقل، ومرجِّحٌ بالحجّة لا متعصِّبٌ لقول.
عاش المباركفوري في زمنٍ كانت فيه بلاد الهند من أعظم مراكز علم الحديث في العالم الإسلامي؛ فقد ورثت مدرسةُ شاه وليّ الله الدهلوي وأبنائه ومن بعدهم عنايةً فائقةً بالكتب الستّة وأصول السنّة، ونهض علماءُ أهل الحديث فيها بالتأليف على المتون الحديثية شرحًا وتخريجًا وتحقيقًا، حتى صارت كتبهم من أنفع ما كُتب في هذا الباب. وفي هذا الجوّ العلميّ الحيّ تكوّن المباركفوري وبرز.
وكان «جامع الترمذي» من أجلّ أصول السنّة وأنفعها لطالب الفقه والحديث معًا، لِما يمتاز به من الجمع بين رواية الحديث والحكم عليه، وذِكر مذاهب الفقهاء وأقوال الصحابة والتابعين. ومع ذلك لم يكن في العربية شرحٌ عليه يجمع بين الاستيعاب وتحرير مسائل الحديث والفقه على وجهٍ يخدم طالب العلم في ذلك العصر؛ فالشروح القديمة كـ«عارضة الأحوذي» لابن العربي و«قوت المغتذي» للسيوطي على نفاستها لم تكن كافيةً لهذا المقصد. فرأى المباركفوري أنّ الحاجة ماسّةٌ إلى شرحٍ جامع، فتصدّى له.
وقد سمّى كتابه «تحفة الأحوذي» على منوال «عارضة الأحوذي» لابن العربي المالكي؛ فلفظة «الأحوذي» تعني الحاذق الماهر المشمِّر في أمره، وكأنّه أراد أن يهدي إلى طالب العلم «تُحفةً» من هذا الشرح الماهر المحرَّر. وبهذا الاسم أعلن عن غرضه ومنزلة كتابه بين شروح الترمذي منذ عنوانه.
مشروحُ الكتاب هو «الجامع» للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي المتوفّى سنة تسعٍ وسبعين ومائتين، أحدِ تلاميذ الإمام البخاري وأصحاب الطبقة العالية في الحديث. وكتابه أحد الكتب الستّة التي عليها مدار السنّة، وسُمّي «جامعًا» لأنه يجمع أبواب العلم من العقائد والأحكام والآداب والتفسير والسير والمناقب وغيرها، لا يقتصر على أبواب الفقه وحدها.
ويمتاز «جامع الترمذي» بمزايا قلّ أن تجتمع في غيره؛ فهو لا يكتفي بسياق الحديث، بل يحكم عليه غالبًا بالصحّة أو الحُسن أو الغرابة، والترمذيُّ ممّن نشر الاصطلاح على «الحديث الحسن» وأكثر من قوله «حسنٌ صحيح» و«حسنٌ غريب». ثم يُتبع الحديث بذكر مذاهب الفقهاء والعمل عند أهل العلم، فيقول: «وبه يقول فلان وفلان»، ويشير إلى الخلاف؛ ثم يُعنى بالعلل، ويختم كتابه بـ«كتاب العلل» الذي يبيّن فيه منهجه في التصحيح والتضعيف. فصار الكتاب بذلك مدرسةً في الفقه المقارَن وعلم العلل معًا.
ولمكانة هذا الكتاب عند مصنّفه نُقل عنه في وصفه كلامٌ مشهور يدلّ على عنايته به وثقته بما أودعه فيه من العلم النافع.
من كان في بيته هذا الكتاب فكأنّما في بيته نبيٌّ يتكلّم.
يسير المباركفوري في «التحفة» على طريقةٍ محكمة؛ فيسوق الحديث من «الجامع»، ثم يشرح غريب ألفاظه ويضبط مشكلها لغةً، ويبيّن معناه الإجماليّ، ثم يُعنى بتخريجه فيدلّك على من رواه من أصحاب الكتب الأخرى كالبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، ويجمع طرقه وشواهده. فتقرأ الحديث محرَّرًا معزوًّا مبيَّن المعنى قبل أن تنتقل إلى الحكم عليه.
ثم ينظر في الإسناد والرجال، فيتعقّب حكم الترمذي على الحديث تصحيحًا أو تحسينًا أو تضعيفًا، فيوافقه إن أصاب ويستدرك عليه إن اقتضى النظر، معتمِدًا على أقوال أئمّة الجرح والتعديل. وهذا الجمع بين الرواية والدراية هو ما رفع قيمة الكتاب وجعله عُمدةً لطالب الحديث لا لطالب الفقه وحده.
أما في الفقه فيبسط المباركفوري مذاهب الأئمّة في المسألة، الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وغيرهم، ويسوق أدلّتهم ويناقشها، ثم يرجّح ما يقوم عليه الدليل من الكتاب والسنّة على مذهب أهل الحديث، غير متعصّبٍ لإمامٍ بعينه. وهذا يوافق ما نُقل عن الترمذي نفسه من عنايته بالعمل بالحديث، إذ ذكر أنّ ما أورده في جامعه قد عمل به أهل العلم أو بعضهم.
جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمولٌ به، وبه أخذ بعض أهل العلم.
حاز «جامع الترمذي» عنايةً من العلماء بالشرح؛ فشرحه أبو بكر بن العربي المالكي في «عارضة الأحوذي»، وعلّق عليه السيوطي في «قوت المغتذي»، وشرحه غيرهما. غير أنّ «تحفة الأحوذي» للمباركفوري عُدّ من أجمع هذه الشروح وأوسعها فائدةً وأنفعها لطالب العلم في العصر الحديث؛ لِما جمع فيه من تحرير الحديث وتخريجه والحكم عليه، مع بسط الفقه المقارَن والترجيح بالدليل، فصار مرجعًا لا يُستغنى عنه في دراسة «الجامع».
ومما زاد الكتاب قيمةً مقدّمتُه؛ فقد قدّم له المباركفوري بمقدّمةٍ نفيسة في علوم الحديث ومصطلحه وترجمة الإمام الترمذي وبيان منهجه في جامعه واصطلاحه في التصحيح والتحسين. وهذه المقدّمة أُفردت بالطبع مستقلّةً باسم «مقدّمة تحفة الأحوذي»، ودرسها طلبة العلم مصنَّفًا قائمًا بنفسه في هذا الفنّ لِما فيها من التحقيق والتحرير.
وقد طُبع «تحفة الأحوذي» غير مرّة في نحو عشرة مجلّدات، وانتشر في المكتبات والمعاهد الشرعية شرقًا وغربًا، حتى صار من الشروح المعتمَدة التي يُوصى بها لمن أراد أن يقرأ «جامع الترمذي» قراءة الفاحص المحرِّر. وبهذا بقي ذكر المباركفوري حيًّا بكتابه كما بقي «الجامع» حيًّا بشرحه.
أفضل ما تبدأ به قراءة «تحفة الأحوذي» أن تقرأ أوّلًا مقدّمته النفيسة إن أردت أن تتقن اصطلاح الترمذي في «الصحيح» و«الحسن» و«الغريب» وتفهم منهجه؛ ثم اقرأ الشرح على أبواب «الجامع» بابًا بابًا، فالكتاب مرتّبٌ على ترتيب الترمذي من الطهارة والصلاة إلى سائر أبواب الفقه ثم أبواب المناقب والتفسير والدعوات وكتاب العلل. وهكذا تجمع بين متن السنّة وشرحها في موضعٍ واحد.
واقرأه قراءة المتأمّل الذي يتتبّع كيف يخرّج المباركفوري الحديث ويحكم على إسناده، وكيف يعرض مذاهب الفقهاء ويرجّح بينها بالدليل؛ فبذلك ينتفع طالب الحديث وطالب الفقه جميعًا. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، تصل فيه إلى أيّ حديثٍ أو باب في لحظات، فادخل إليه من مقدّمته أو من الباب الذي تحبّ، واقرأ في واحدٍ من أنفع شروح السنّة.
النص الكامل بين يديك
تحفة الأحوذي كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل