عن الكتاب

تاريخ بغداد

كانت بغداد في القرن الخامس الهجري لا تزال قلب العالم الإسلامي ودار خلافته ومجمع علمائه ومحدّثيه، وإن تنازعتها الأيدي واعتورتها الفتن؛ فيها تلتقي الأسانيد، وتُملى دواوين الحديث، ويقصدها طلّاب العلم من أقاصي الأرض. وفي هذه المدينة نشأ حافظٌ لم تُنجب مثله إلا في القليل، جمع الله له حفظ الحديث ونقد الرجال والدراية بالأسانيد، فرأى أن يفي مدينته حقّها قبل أن يُدرَك أهلُها بالنسيان؛ فوضع كتابًا يؤرّخ لمدينة السلام منذ اختطّها المنصور، ويترجم لكلّ مَن سكنها أو ورد عليها من حَمَلة العلم، جيلًا بعد جيل، بأسانيده وأخباره. فكان أجمعَ ما كُتب في بابه وأنفسَه وأبقاه: «تاريخ بغداد».

غلاف تاريخ بغداد
المؤلف
الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، من كبار حفّاظ الحديث ونقّاد الرجال في القرن الخامس
مولده ووفاته
وُلد سنة 392 هـ بنواحي بغداد، وتوفّي بها سنة 463 هـ فدُفن قريبًا من قبر بشر الحافي
الاسم الكامل
«تاريخ مدينة السلام وأخبار محدّثيها وذِكر قُطّانها العلماء من غير أهلها ووارديها»
النوع والعلم
تاريخٌ ومعجمٌ في تراجم الرجال، يجمع أخبار بغداد وسِيَر مَن نزلها من العلماء والمحدّثين
حجمه وبناؤه
أكثر من سبعة آلاف ترجمة، مُصدَّرةٌ بوصفٍ مفصّلٍ لبغداد وخططها وفضائلها
ذيوله وطبعاته
ذيّله السمعاني وابن الدُّبَيثي وابن النجّار البغدادي؛ ومن أشهر تحقيقاته تحقيق بشّار عوّاد معروف

من هو الخطيب البغدادي؟

هو الحافظ الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، المعروف بالخطيب البغدادي، وُلد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة بنواحي بغداد. عُرف بالخطيب لأنّ أباه كان خطيبًا يخطب في قريته، فنشأ الابن في كَنَف العلم، فحفظ القرآن، ثم عكف على الحديث فأقبل عليه إقبالًا غلب على أمره كلِّه؛ سمع من شيوخ بغداد، وعلى رأسهم أبو بكر البَرْقاني الذي لازمه وانتفع به، ثم شدّ الرحال في طلب العلوّ والأسانيد إلى البصرة ونيسابور والشام والحجاز، حتى صار من كبار حفّاظ عصره ونقّاد الرجال فيه.

ولم يكن الخطيب راويةً فحسب، بل كان إمامًا في علم الحديث روايةً ودرايةً؛ صنّف في قواعد الرواية ونقد النقلة كتبًا صارت أصولًا لا يستغني عنها طالب، منها «الكفاية في علم الرواية» و«الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» و«الرحلة في طلب الحديث» و«تقييد العلم» و«الموضِّح لأوهام الجمع والتفريق». وكان مع ذلك فقيهًا على مذهب الشافعي، مُعظَّمًا في مجالس العلم، مُقدَّمًا في الحفظ والإتقان، حتى عدّه المؤرّخون خاتمة الحفّاظ ببغداد ومحدّث المشرق في زمانه.

ويُروى في أخباره أنّه لمّا حجّ شرب من ماء زمزم وسأل الله ثلاث حاجات: أن يحدّث بتاريخ بغداد فيها، وأن يُملي الحديث بجامع المنصور، وأن يُدفن عند قبر الزاهد بشر الحافي؛ فبلغه الله ذلك كلَّه. وقد أثنى عليه مَن جاء بعده من أئمّة النقد كالذهبي وابن كثير، وعدّوه في الطبقة العليا من الحفّاظ، وبقي معظّمًا حتى توفّي ببغداد سنة ثلاثٍ وستّين وأربعمائة، فدُفن حيث أحبّ قريبًا من بشر الحافي.

عصر الخطيب وباعثه على التأليف

عاش الخطيب في زمنٍ كانت بغداد فيه قد جاوزت قرنَها الثالث منذ بناها أبو جعفر المنصور مدينةً مدوَّرةً سنة خمسٍ وأربعين ومائة، وسمّاها «مدينة السلام». وكانت في أيّامه لا تزال حاضرة الدنيا وعاصمة الخلافة العباسية ومقصد العلماء، وإن ضعُف سلطان الخلفاء فيها وتقاسمها نفوذ البُوَيهيّين ثم السلاجقة، وعصفت بها الفتن والحرائق والغلاء. فرأى الخطيب أنّ في هذه المدينة من أخبار العلم والعلماء ما لا يحصيه إلا كتاب، وأنّ أجيال المحدّثين الذين حملوا السنّة فيها جديرون بأن تُحفظ سِيَرهم وأسانيدهم قبل أن يذهب بهم الزمان.

ولم يكن الخطيب أوّل من صنّف تاريخًا لمدينة على هذا النحو؛ فقد سبقه إلى تواريخ المدن جماعةٌ، كالحاكم في «تاريخ نيسابور» وأبي نُعيم في «تاريخ أصبهان»، وجرت عادة المحدّثين أن يُفردوا لكلّ بلدٍ كتابًا يجمع رجاله. لكنّ الخطيب أراد لمدينة السلام كتابًا يليق بمكانتها؛ فجعله جامعًا لأخبار المدينة نفسها ولتراجم مَن سكنها من أهلها ومَن ورد عليها من غيرهم، حتى صار كتابُه سِجِلًّا لأعلام الإسلام قرونًا متطاولة، لا تكاد تجد محدّثًا مشهورًا مرّ ببغداد إلا وله فيه ذِكر.

وبهذا الباعث جاء «تاريخ بغداد» ثمرةَ عمرٍ من الرحلة والسماع والحفظ؛ إذ لم يكتبه الخطيب من كتبٍ جمعها فحسب، بل من أسانيد سمعها ورجالٍ لقيهم وأخبارٍ حقّقها، فاجتمع فيه ما تفرّق عند غيره: تاريخُ مدينةٍ، ومعجمُ رجالٍ، وديوانُ أسانيد. ولذلك صار الكتاب مصدرًا أوّليًّا لا يستغني عنه من أرّخ لبغداد، ولا من ترجم لحُفّاظ الحديث، ولا من أرّخ للحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي.

بناء الكتاب وترتيبه

صدّر الخطيب كتابه بمقدّمةٍ فريدةٍ في وصف بغداد، تُعدّ من أنفس ما كُتب عن المدينة وتخطيطها؛ فذكر خبر بنائها ولماذا اختار المنصور موضعها، ووصف مدينتها المدوّرة وأبوابها وسورها وأرباضها، وحدّث عن جسورها ودجلتها ومحالّها ومساجدها الجامعة ومقابرها، وساق ما وَرَد في فضلها وسعتها وكثرة أهلها وعلمائها، وأخبار ما أصابها من الحرائق والغرق والغلاء. فكانت هذه المقدّمة وحدها وثيقةً جغرافيةً وتاريخيةً لا تُقدَّر، يرجع إليها من أراد أن يتصوّر بغداد العباسية على حقيقتها.

ثم دخل في مقصود الكتاب: تراجم الرجال. ورتّبها على حروف المعجم؛ غير أنّه بدأ بمن اسمه «محمد» تبرُّكًا باسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتبعه بسائر الأسماء على ترتيب الحروف، حتى أفرد في آخره مَن عُرِفوا بالكُنى ومَن ذُكِرن من النساء. وكلُّ ترجمةٍ عنده تجري على نسقٍ محكم: اسمُ الرجل ونسبه وكنيته، ثم شيوخُه الذين سمع منهم وتلاميذُه الذين رَووا عنه، ثم أنموذجٌ من مرويّاته يسوقه بإسناده، ثم أقوال النقّاد فيه جرحًا وتعديلًا، ثم أخبارُه ونوادرُه وتاريخُ وفاته.

وبهذا الترتيب صار «تاريخ بغداد» كتابين في كتاب: تاريخًا لمدينةٍ يقرؤه المؤرّخ، ومعجمًا للرجال يرجع إليه المحدّث. فمن أراد أن يعرف حال راوٍ نزل بغداد وجد ترجمته حاضرةً بأسانيدها وأقوال أهل الشأن فيه، ومن أراد أن يقرأ أخبار المدينة وعلمائها وجدها منثورةً في ثنايا التراجم؛ فاجتمع للكتاب من السعة والدقّة والترتيب ما جعله عمدةً في فنَّين معًا.

منهجه في الرواية والنقد

كان الخطيب في «تاريخ بغداد» ناقدًا قبل أن يكون مؤرّخًا؛ فهو لا يورد الخبر إرسالًا، بل يسوقه بإسناده من طريق شيوخه، ثم يزنه بميزان أهل الحديث. ولمّا كان من كبار حفّاظ الرجال والعارفين بعللهم، جاءت تراجمه محكمةً في الجرح والتعديل؛ ينقل أقوال الأئمّة في الراوي توثيقًا وتضعيفًا، ويحرّر تاريخ مولده ووفاته، ويكشف أوهام الرواة في أسمائهم وأنسابهم، مستعينًا بما أصّله في كتبه المصطلحيّة. فصار كتابُه لذلك مرجعًا في نقد النقلة، لا مجرّد جمعٍ لأخبارهم.

ومن دقّته أنّه يُعنى بتمييز مَن اتّفقت أسماؤهم واختلفت أشخاصهم، ويضبط مَن سقط من الأسانيد أو زِيد فيها، ويُثبت لكلّ راوٍ نموذجًا من حديثه ليُعرَف مسلكه في الرواية. وهذه العناية بالإسناد والرجال هي التي رفعت الكتاب فوق كونه تاريخًا لمدينة، وجعلته أشبه بموسوعةٍ حديثيةٍ مبثوثةٍ في قالب التراجم، يستخرج منها أهل الفنّ من الفوائد ما لا يجدونه مجموعًا في غيرها.

وقد أُخِذ على الخطيب في بعض تراجمه ميلٌ إلى مذهبه واعتقاده، لا سيّما ما أورده في ترجمة الإمام أبي حنيفة من أخبارٍ استنكرها الحنفيّة، فردّوا عليه قديمًا وحديثًا؛ ومن أشهر ما كُتب في ذلك «تأنيب الخطيب» لمحمد زاهد الكوثري. وهذا مِمّا لا يُغَضّ من قدر الكتاب في جملته، فإنّ نقد بعض مادّته سُنّةُ أهل العلم مع كلّ مصنَّفٍ كبير؛ وقد ظلّ الكتاب مع ذلك عمدةً لا يستغني عنها باحث، يأخذ منه أهل النظر ما صحّ ويتوقّفون عند ما فيه نظر.

مكانته وأثره وذيوله

تبوّأ «تاريخ بغداد» منزلةً لم يبلغها إلا القليل من كتب التاريخ والرجال؛ فهو مع «تاريخ دمشق» لابن عساكر ركنا التآليف الكبرى التي جمعت تراجم البلدان على طريقة المحدّثين، وصار مصدرًا أوّليًّا لكلّ من كتب بعده في تراجم الحفّاظ وأخبار العلماء وتاريخ العصر العباسي. ولمّا كان الخطيب من أئمّة هذا الشأن، جرى على الألسنة قولُ ابن نُقطة الحافظ في بيان فضله على أهل الحديث، وهو من أصدق ما قيل في منزلة الرجل وكتبه.

ولمكانة الكتاب أقبل عليه العلماء تذييلًا واستدراكًا وخدمةً؛ فذيّله أبو سعد السمعاني، ثم ابن الدُّبَيثي في «ذيل تاريخ مدينة السلام»، ثم محبّ الدين ابن النجّار البغدادي في ذيلٍ كبيرٍ استوعب مَن تأخّر عن الخطيب من أهل بغداد، وتتابعت بعد ذلك المختصرات والمستدركات. فصار «تاريخ بغداد» وذيولُه سلسلةً متّصلةً تؤرّخ لمدينة السلام وعلمائها قرونًا متطاولة، لا يكاد يستغني عنها من عُني بتاريخ الحضارة الإسلامية في مشرقها.

وقد طُبع الكتاب مِرارًا، وحُقِّق تحقيقاتٍ عُنيت بضبط نصّه وتخريج أحاديثه والتعريف بأعلامه، ومن أشهرها تحقيق الدكتور بشّار عوّاد معروف الذي جمع أصوله وخرّج مادّته وأثبت فهارسه. وبذلك بقي «تاريخ بغداد» بين يدي الباحثين مرجعًا حيًّا، يقصده المؤرّخ لأخبار المدينة، والمحدّث لأحوال الرجال، وطالب العلم لِما فيه من فوائد الأسانيد ولطائف الأخبار.

كلُّ مَن أنصف عَلِمَ أنّ المحدّثين بعد الخطيب عِيالٌ على كتبه.
الحافظ أبو بكر ابن نُقطة

كيف تقرؤه على رحلة؟

يُقرأ «تاريخ بغداد» على أكثر من وجه؛ فمن أراد أن يتصوّر بغداد العباسية بدأ بمقدّمته في وصف المدينة وخططها وفضائلها، فوجد فيها صورةً حيّةً لمدينة السلام يوم كانت قلب الدنيا. ومن قصد ترجمة رجلٍ بعينه من الحفّاظ أو الفقهاء أو الأدباء الذين نزلوا بغداد، توجّه إلى موضعه على حروف المعجم، فقرأ نسبه وشيوخه وأخباره وأقوال النقّاد فيه بأسانيدها، وخرج بترجمةٍ محرَّرةٍ لا يجدها مجموعةً في غيرها.

وأيسر طريقٍ إلى اسمٍ أو خبرٍ في هذا السِّفر الضخم أن تبحث عنه في نصّ الكتاب على رحلة، فيوصلك البحث إلى موضعه بين آلاف التراجم في لحظات، بدلًا من تقليب المجلّدات. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة؛ فادخل إليه من الباب الذي تريد، وسِرْ في هذا الديوان الجامع لأخبار بغداد ومحدّثيها، تجد نفسك في صحبة أجيالٍ من العلماء حملوا العلم في أعظم مدائن الإسلام.

أسئلة شائعة

من مؤلف «تاريخ بغداد» وما اسمه الكامل؟
مؤلفه الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (392 - 463 هـ)، من كبار حفّاظ الحديث ونقّاد الرجال في القرن الخامس الهجري، وصاحب مصنّفاتٍ أصليةٍ في علوم الحديث كـ«الكفاية» و«الجامع لأخلاق الراوي». واسم كتابه الكامل «تاريخ مدينة السلام وأخبار محدّثيها وذِكر قُطّانها العلماء من غير أهلها ووارديها»، و«مدينة السلام» هو الاسم الذي سمّى به المنصورُ بغداد.
ما موضوع «تاريخ بغداد» وماذا يحوي؟
هو تاريخٌ ومعجمُ تراجم معًا. يفتتحه الخطيب بمقدّمةٍ مفصّلةٍ في وصف بغداد: بنائها وخططها وأبوابها وجسورها ومساجدها وفضائلها وما أصابها من الأحداث. ثم يترجم لأكثر من سبعة آلاف عالمٍ ومحدّثٍ من أهل المدينة ومَن ورد عليها، فيذكر لكلٍّ نسبه وشيوخه وتلاميذه ونموذجًا من مرويّاته بإسناده وأقوال النقّاد فيه وتاريخ وفاته.
كيف رتّب الخطيب تراجم الكتاب؟
رتّبها على حروف المعجم، لكنّه بدأ بمن اسمه «محمد» تبرُّكًا باسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ساق سائر الأسماء على ترتيب الحروف، وأفرد في آخر الكتاب مَن عُرِفوا بالكُنى ومَن ذُكِرن من النساء. وكلُّ ترجمةٍ تجري على نسقٍ واحد: الاسم والنسب، فالشيوخ والتلاميذ، فنموذجٌ من الحديث بإسناده، فالجرح والتعديل، فالأخبار وتاريخ الوفاة.
ما مكانة الكتاب وهل ذُيِّل عليه؟
هو من أعظم كتب التراجم في التراث الإسلامي، ومصدرٌ أوّليٌّ لتاريخ العصر العباسي ولتراجم حفّاظ الحديث، يُقرَن بـ«تاريخ دمشق» لابن عساكر. وقد ذُيِّل عليه كثيرًا؛ فذيّله أبو سعد السمعاني، وابن الدُّبَيثي، ثم ابن النجّار البغدادي في ذيلٍ كبير، فصار الكتابُ وذيولُه سِجِلًّا متّصلًا لعلماء بغداد قرونًا. وقد طُبع وحُقِّق مِرارًا، ومن أشهر تحقيقاته تحقيق بشّار عوّاد معروف.
هل يمكن قراءة «تاريخ بغداد» كاملًا مجانًا؟
نعم، النصّ الكامل متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة. يمكنك أن تبدأ بمقدّمته في وصف بغداد، أو تقصد ترجمة عالمٍ بعينه على ترتيب الحروف، أو تبحث عن اسمٍ أو خبرٍ فيوصلك البحث إلى موضعه بين آلاف التراجم في لحظات، بدل تقليب المجلّدات الكثيرة.

النص الكامل بين يديك

تاريخ بغداد كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن