عن الكتاب
في مسجد النبي ﷺ بالمدينة، حيث مهبط الوحي ومستقرّ الصحابة، جلس رجلٌ نحو ستين سنة يفتي ويحدّث، لا يروي حديثًا إلا على طهارةٍ وطِيبٍ إجلالًا لصاحبه ﷺ. ومن عصارة ذلك العمر الطويل خرج كتابٌ انتقى فيه صاحبه من عشرات الألوف من الأحاديث والآثار ما صحّ عنده وجرى عليه عمل أهل دار الهجرة، فصار أول كتابٍ جمع بين رواية السنّة وفقهها في نسقٍ واحد، وأثنى عليه العلماء حتى عدّه بعضهم سادس الكتب الستة. إنه «الموطأ» للإمام مالك بن أنس.

هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحِمْيري، المدنيُّ مولدًا ومنشأً ووفاةً، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة. وُلد بالمدينة نحو سنة ثلاثٍ وتسعين للهجرة على المشهور، ونشأ في أطهر بقعةٍ للعلم يومئذٍ، فجالس كبار التابعين ومن بعدهم، وأخذ عن نافعٍ مولى ابن عمر، وابن شهابٍ الزُّهري، وربيعة الرأي، وغيرهم من أعلام المدينة، حتى انتهت إليه رئاسة العلم بها في الفقه والحديث معًا.
بلغ من إجلاله لحديث رسول الله ﷺ أنه كان لا يحدّث إلا على طهارةٍ متطيّبًا في أحسن ثيابه، إكبارًا لما ينقله عن نبيّه. جلس للفتيا والتدريس دهرًا طويلًا، وقصده الطلاب من الآفاق، فتخرّج به أئمةٌ كبار، منهم الشافعيُّ وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهبٍ وعبد الرحمن بن القاسم ومحمد بن الحسن الشيباني. وتوفي بالمدينة سنة تسعٍ وسبعين ومائة، ودُفن بالبقيع، فكان خاتمة أئمتها المتبوعين وإمام مذهبها الذي انتشر في المغرب والأندلس وإفريقية.
لم يكن الموطأ ثمرة جلسةٍ عابرة، بل عصارةَ عمرٍ من التحرّي والانتقاء؛ فقد مكث الإمام في تصنيفه وتنقيحه سنين طوالًا، ينتقي مما عنده من الأحاديث الكثيرة ما صحّ سنده وعمل به أهل المدينة، ويحذف ويهذّب على مرّ الأعوام حتى استوى الكتاب على صورته المعروفة. ويُروى أن أبا جعفرٍ المنصور رغب إلى مالكٍ أن يضع للناس كتابًا يجمعهم عليه ويحملهم على العمل به، فأبى الإمام أن يُكرَه الناسُ على قولٍ واحد، محتجًّا بأن أصحاب رسول الله ﷺ تفرّقوا في البلدان فأخذ أهلُ كلِّ بلدٍ من علمهم، فلا ينبغي أن يُصرَف الناس عمّا اطمأنّوا إليه.
وأما اسمه فمن الإمام نفسه؛ إذ رُوي عنه أنه قال في بيان تسميته إنه عرض الكتاب على فقهاء المدينة فوافقوه عليه، فسمّاه بذلك. و«الموطأ» في اللغة: المهيَّأُ الميسَّرُ الذي وُطِّئ ومُهِّد، وكأنّ الكتاب سُمّي به لتيسيره العلم وتمهيده لطالبه، ولموافقة العلماء واجتماعهم عليه، فجمع الاسمُ بين معنى التمهيد ومعنى المواطأة والاتفاق.
عرضتُ كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلُّهم واطأني عليه، فسمّيته الموطأ.
امتاز الموطأ بأنه من أوائل ما جمع بين رواية الحديث وفقهه في نسقٍ واحد؛ فمالكٌ لا يسوق الحديث لمجرد روايته، بل يورده في بابه الفقهي ثم يُتبعه بآثار الصحابة والتابعين وأقوالهم، ويختم غالبًا بما استقرّ عليه اختياره وما جرى عليه العمل. ولهذا عُدّ الموطأ من أوائل ما رُتّب على الأبواب الفقهية: كتاب وقوت الصلاة، والطهارة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والبيوع، والنكاح، والأقضية، وغيرها، فصار قارئه يتلقّى الرواية والفقه في موضعٍ واحد.
ومن أبرز ما يميّز منهجه اعتدادُه بـ«عمل أهل المدينة»، أي ما توارثه أهلُها جيلًا عن جيلٍ من هدي النبي ﷺ وأصحابه؛ فكان يراه حجةً قويةً يرجّح بها، لأن المدينة دار الوحي ومهبط التنزيل ومستقرّ جمهور الصحابة. واشتهر بشدّة انتقائه في الرواية حتى قيل إنه لا يحدّث إلا عن ثقة، وإن كان في الموطأ مراسيلُ وبلاغاتٌ وُصلت أسانيدها من طرقٍ أخرى في كتب أهل العلم.
وقد جمع الكتابُ أنواع المرويات: المرفوعَ إلى النبي ﷺ، والمرسلَ، والموقوفَ على الصحابة، وأقوالَ التابعين، حتى بلغت جملته نحو ألفٍ وثمانمائة حديثٍ وأثرٍ في رواية يحيى الليثي. وفيه سلسلة الإسناد التي وصفها العلماء بأصحّ الأسانيد: «مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمر»، وسمّوها «سلسلة الذهب» لعلوّها وجلالة رجالها.
رُوي الموطأ عن مالكٍ رواياتٍ كثيرة، حتى قيل إنها تجاوزت الثمانين رواية، اختلفت في الزيادة والنقص والتقديم والتأخير تبعًا لأزمنة سماع الرواة عن الإمام؛ فقد كان مالكٌ يزيد فيه وينقص ويهذّبه على مرّ السنين، فيسمع المتقدّمون غير ما يسمع المتأخرون. وأشهر هذه الروايات وأتمّها وأكثرها تداولًا رواية يحيى بن يحيى الليثي المصمودي الأندلسي (ت 234 هـ)، وهي المطبوعة المشهورة التي إذا أُطلق «الموطأ» انصرف إليها.
ومن أهمّ الروايات أيضًا رواية محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وفيها يعقّب الشيباني على الأحاديث ببيان ما ذهب إليه الحنفية ووجه موافقتهم أو مخالفتهم، فصارت وثيقةً نفيسةً في مقارنة الفقه بين المدرستين. وهناك روايات أبي مصعبٍ الزُّهري، والقَعْنَبي، وابن بُكير، وابن وهبٍ وغيرهم، وقد عُني العلماء بجمع زياداتها والموازنة بينها في مصنّفاتٍ مفردة.
أثنى العلماء على الموطأ ثناءً عظيمًا؛ فقبل أن يُصنَّف الصحيحان قال الإمام الشافعيُّ، وهو من تلاميذ مالك، كلمتَه المشهورة في تفضيله على ما سواه. وعدّه جماعةٌ من الحفّاظ في مصافّ الأصول، حتى جعله بعضهم، كرَزين بن معاوية وابن الأثير في «جامع الأصول»، سادس الكتب الستة مكان سنن ابن ماجه، لعلوّ إسناده وجلالة مصنّفه وقدَمه على أكثر دواوين السنّة.
وخدم العلماء الموطأ بالشروح النفيسة، وفي مقدّمتها عملا الحافظ ابن عبد البر القرطبي (ت 463 هـ): «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» ورتّبه على أسماء شيوخ مالك، و«الاستذكار» ورتّبه على أبواب الفقه. ومنها «المنتقى» لأبي الوليد الباجي، و«المسالك» و«القبس» لأبي بكرٍ ابن العربي، و«تنوير الحوالك» للسيوطي، و«أوجز المسالك إلى موطأ مالك» لمحمد زكريا الكاندهلوي، وهي تشهد بمكانة الكتاب واعتناء الأمة به قرنًا بعد قرن.
ما على ظهر الأرض كتابٌ بعد كتاب الله أصحُّ من كتاب مالك.
أنسبُ ما يُقرأ به الموطأ أن تتخيّره على أبوابه الفقهية، فتفتح كتاب الطهارة أو الصلاة أو الزكاة أو الحج، وتقرأ الحديث ثم ما ألحقه به مالكٌ من آثار الصحابة وعمل أهل المدينة واختياره، فتجمع بين رواية السنّة وفقهها في موضعٍ واحد. وإن شئت فاتبع ترتيب الكتاب من أوله لتقف على منهج الإمام في بنائه.
وعلى رحلة تجد نصّ الموطأ كاملًا برواية يحيى الليثي مرتّبًا على كتبه وأبوابه كما وضعه الإمام، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي كتابٍ أو بابٍ بضغطة واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. ابدأ من أوائله، أو اقصد البابَ الذي تريد حديثه وفقهه، وتنقّل في «موطأ مالك» كيف شئت.
النص الكامل بين يديك
موطأ مالك كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل