عن الكتاب
في القرن السادس الهجريّ، حين كانت المذاهب الكلامية والفلسفية تموج بها حواضر المشرق الإسلاميّ، وكثُر بين الفرق التقاذفُ بالتضليل والتكفير، نهض عالمٌ أشعريٌّ من أهل خراسان ليكتب عن خصومه قبل أوليائه بإنصافٍ قلّ نظيره في زمانه. آلى على نفسه أن يعرض مذهب كلّ فرقةٍ كما يعرضه أهلها من كتبهم لا كما يصوّره خصومهم، من غير أن يقطع بصحيحٍ ولا فاسد، فجاء كتابه سجلًّا جامعًا لعقائد بني آدم من لدن المسلمين إلى اليهود والنصارى والمجوس والصابئة وفلاسفة اليونان وأمم الهند. أقامه على قانونٍ محكمٍ يردّ خلاف الفرق إلى أصولٍ معدودة، حتى صار أوّل ما يُرجَع إليه في تاريخ الأديان ومقالات الفرق. هذا هو كتاب «الملل والنحل» لأبي الفتح الشهرستانيّ.

هو أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستانيّ، نسبةً إلى «شهرستان» بلدةٍ من بلاد خراسان بين نيسابور وخوارزم، وُلد بها في حدود سنة تسعٍ وسبعين وأربعمائة. نشأ في طلب العلم فتفقّه على مذهب الإمام الشافعيّ، وأخذ علم الكلام على طريقة الأشاعرة عن أصحاب إمام الحرمين الجوينيّ ومنهم أبو القاسم الأنصاريّ، حتى برع في أصول الدين والفلسفة والمنطق والجدل، وصار من كبار متكلّمي عصره وأوسعهم اطّلاعًا على عقائد الأمم ونِحَل الناس، قلّ أن يُدانيه أحدٌ في معرفة مقالات الفرق على اختلافها.
رحل إلى الحجّ ثم قدم بغداد فأقام بها نحو ثلاث سنين يدرّس ويعظ ويناظر، فذاع صيته وعظُم قدره، ثم عاد إلى خراسان. وله سوى «الملل والنحل» مصنّفاتٌ نفيسة تشهد بمكانته الكلامية، منها «نهاية الإقدام في علم الكلام»، و«مصارعة الفلاسفة» التي ناقض بها ابن سينا، وتفسيرٌ سمّاه «مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار». وقد أثنى عليه العلماء على سعة علمه وقوّة نظره، وتوفّي ببلدته شهرستان سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة، فكان من خواتيم أئمة الكلام في المشرق.
عاش الشهرستانيّ في القرن السادس الهجريّ، وهو عصر السلاجقة والمدارس النظامية، حين بلغ علم الكلام والفلسفة والجدل بين الفرق ذروته، وامتلأت الحواضر بالمعتزلة والأشاعرة والشيعة والباطنية والفلاسفة، وكثُر بينهم النزاع والتراشق بالتهم. وكان الشهرستانيّ قد اطّلع من مقالات الأمم وعقائد المِلَل على ما لم يطّلع عليه كثيرٌ من أهل زمانه، فرأى أنّ الناس يحكون مذاهب مخالفيهم على غير وجهها ويحمّلونهم ما لا يقولون، فعزم على أن يجمع مقالات أهل العالم في كتابٍ واحدٍ يعرضها كما هي من غير تحريفٍ ولا تشويه.
وقد بنى مقصده على حديث افتراق الأمّة، فجعله ميزانًا يُحصي به فرق المسلمين ويرتّبها، ثم وسّع دائرته حتى شملت أهل الأديان كلّها وأصحاب الآراء والأهواء من الفلاسفة وعبدة الكواكب وأمم الجاهلية والهند. فخرج الكتاب أشملَ من أن يكون كتاب فرقٍ إسلامية، بل موسوعةً في عقائد بني آدم على اختلاف مللهم ونِحَلهم، جمع فيها ما تفرّق في مظانّه، ورتّبه ترتيبًا يهتدي به القارئ في متاهة المذاهب.
تفترق أمّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة.
يقوم منهج الشهرستانيّ على قانونٍ في التصنيف قلّ أن سُبق إليه؛ فقد قسّم أهل العالم قسمةً كبرى إلى «أهل الديانات والمِلَل» وهم أصحاب الكتب المنزلة أو ما يشبهها كالمسلمين وأهل الكتاب والمجوس، وإلى «أهل الأهواء والنِّحَل» وهم من اعتمدوا على العقل والرأي دون كتابٍ متبوعٍ كالصابئة والفلاسفة وأمم العرب في الجاهلية والهند. وبهذه القسمة نفسها جاء اسم الكتاب؛ فالمِلَل جمع مِلّة وهي الدين المتَّبَع، والنِّحَل جمع نِحلة وهي المذهب المنتحَل بالرأي.
ثم ردّ خلاف فرق المسلمين إلى أربع قواعد كبرى دار عليها نزاعهم: الصفات والتوحيد، والقدر والعدل، والوعد والوعيد والأسماء والأحكام، والسمع والعقل والرسالة والإمامة؛ فجعل هذه القواعد محاورَ يوزّع عليها الفرق ويبيّن مواقفها منها، فانتظم بها ما كان متفرّقًا وسهُل به ضبط المقالات. وقدّم بين يدي كتابه مقدّماتٍ نفيسة في تأصيل هذا التقسيم، من أبدعها ردُّه أصول الشبهات كلّها إلى شبهات إبليس حين قاس واعترض على النصّ بالرأي، فجعل ذلك أوّل ضلالٍ وقع في الخلق، وأصلًا تتفرّع عنه ضلالات من بعده.
وأمّا أظهر ما امتاز به فهو التزامه الإنصاف في الحكاية؛ إذ شرط على نفسه أن يورد مذهب كلّ فرقةٍ على ما يجده في كتب أهلها، من غير تعصّبٍ عليهم ولا نصرةٍ لهم، ومن غير أن يميّز صحيحه من فاسده، تاركًا الحكم للقارئ. وهذا المسلك جعل كتابه مصدرًا يُعتمد في نقل عقائد الفرق حتى عند من خالفها، وميّزه عن كتب الردّ والجدل التي تُصوّر الخصم لتنقضه؛ ولذلك عدّه الدارسون من أقدم ما كُتب في تاريخ الأديان على وجهٍ وصفيٍّ منظّم.
يفتتح الشهرستانيّ كتابه بفرق المسلمين، فيستوعب الكبرى منها وأصنافها: المعتزلة (القدرية) وطوائفها، والجبرية، والصفاتية والأشاعرة، والخوارج على اختلاف فرقهم، والمرجئة، والشيعة بأصنافها من الزيدية والإمامية والإسماعيلية والغلاة. ويذكر لكلّ فرقةٍ نشأتها ورجالها وما انفردت به من القول في القواعد الأربع، معتنيًا بالدقّة في نسبة الأقوال إلى أصحابها، متحرّيًا مصادرها من كتب القوم أنفسهم لا من أفواه خصومهم.
ثم ينتقل إلى أهل الكتاب، فيعرض لدين اليهود وفرقهم، والنصارى ومذاهبهم، ثم إلى من له شبهةُ كتابٍ كالمجوس والثنوية وأصحاب الملل القديمة. وفي القسم الثاني يبسط القول في «أهل الأهواء والآراء»: الصابئة ومقالاتهم في الروحانيات والهياكل، ثم الفلاسفة، فيعرض آراء حكماء اليونان من الأوائل، وصولًا إلى سقراط وأفلاطون وأرسطو، ثم فلاسفة الإسلام كالكندي وابن سينا، عرضًا مبسوطًا يشهد بسعة اطّلاعه على الفلسفة ومقدرته على تلخيصها وتحريرها.
ويختم بذكر عقائد العرب في الجاهلية وعبادتهم، وديانات الهند وطوائفهم من البراهمة وأصحاب الروحانيات وعبدة الأوثان. وبهذا الاستيعاب صار الكتاب سجلًّا فريدًا لا يقتصر على فرق المسلمين، بل يحيط بمذاهب الأمم قاطبةً في زمانه، ممّا جعله مرجعًا لا غنى عنه لمن أراد معرفة عقائد الملل والنحل من منبعٍ واحدٍ مرتّب.
بوّأت هذه الطريقةُ الكتابَ منزلةً رفيعة؛ فعُدّ من أجمع ما صُنّف في مقالات الفرق وأكثرها انتظامًا وإنصافًا، وقُرن باسمَي أبي الحسن الأشعريّ في «مقالات الإسلاميين» وابن حزمٍ في «الفِصَل» بوصفها أمّهات هذا الفنّ، إلا أنّ الشهرستانيّ امتاز بالوصف المجرّد والترتيب المحكم حيث غلب على «الفِصَل» طابعُ الردّ والمجادلة. وظلّ العلماء والباحثون يرجعون إليه في نقل عقائد الفرق قرنًا بعد قرن، يجدون فيه ما لا يجدونه مجموعًا في غيره.
وقد نال الكتاب عناية المستشرقين مبكّرًا، فكان من أوائل النصوص الإسلامية التي طُبعت ودُرست في أوروبا؛ نشره وليم كيورتون بلندن في حدود سنة 1842–1846م، ونقله إلى الألمانية هاربروكر في منتصف القرن التاسع عشر، ثم تُرجمت أقسامٌ منه إلى لغاتٍ أخرى. وطُبع في العالم العربيّ مرارًا وعُني بتحقيقه جماعةٌ من المحقّقين، ومن أشهر طبعاته طبعة محمد سيّد كيلاني، كما نُشر على هوامش «الفِصَل» لابن حزم في بعض الطبعات القديمة.
على أنّ الكتاب لم يخلُ من مآخذ؛ فبعض النقّاد رأى في بسطه لمذهب الإسماعيلية «التعليمية» ميلًا إليه، وحكى عنه تلميذه السمعانيّ اتّهامًا بالتشيّع والباطنية، وذهب آخرون إلى أنّ ذلك من تمام إنصافه في العرض لا من اعتقاده. ومهما يكن من ذلك فقد أجمع الدارسون على نفاسة الكتاب وريادته، وبقي إلى اليوم مرجعًا أوّليًّا لا يستغني عنه باحثٌ في تاريخ الأديان والفرق والفلسفة.
إنّ الشهرستانيّ يعرض مذاهب الفرق كما يعرضها أهلها، لا كما يصوّرها خصومها؛ وبهذا سبق زمانه في الإنصاف.
أنسبُ ما يُقرأ به «الملل والنحل» أن تبدأ بمقدّماته لتفهم قانون الشهرستانيّ في التصنيف؛ كيف قسّم الناس إلى أهل ديانةٍ وأهل رأي، وكيف ردّ خلاف المسلمين إلى القواعد الأربع، فإذا رسخ عندك هذا المفتاح سهُل عليك أن تتنقّل بين الفرق وأنت تعرف موضع كلّ فرقةٍ من الخريطة. ثم انتقِ فرقةً أو ديانةً تريد معرفتها فاقرأ ما حكاه عنها، واذكر أنّه يعرضها كما يراها أهلها لا كما يراها خصومهم، فاجمع بين الإفادة من نقله والنظر النقديّ في المقالات.
وعلى رحلة تجد نصّ «الملل والنحل» كاملًا مبوّبًا على فرقه وأديانه، مع فهرسٍ يوصلك إلى أيّ فرقةٍ أو ملّةٍ بيُسر، وبحثٍ يبلّغك الموضع الذي تريد في لحظات، تقرؤه كاملًا مجانًا. فادخل إليه من بابٍ يشغلك: فرقةٌ من فرق المسلمين، أو مذهبُ فيلسوف، أو ديانةُ أمّة، وتأمّل كيف رسم الشهرستانيّ خريطة عقائد البشر بيدٍ منصفةٍ وقلمٍ منظّم.
النص الكامل بين يديك
الملل والنحل للشهرستاني كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن عبد الوهاب
1 فصل

محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
1 فصل

محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
1 فصل

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
1 فصل

ابن أبي العز الحنفي
1 فصل

تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية
1 فصل