عن الكتاب
في صنعاء اليمن، على مبعدةٍ من مراكز الرواية في الحرمين والعراق والشام، جلس محدّثٌ كبيرٌ صار البيتَ الذي تُشدّ إليه الرِّحال؛ فسافر إليه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وعليّ بن المديني، يقطعون البلاد ابتغاء علوّ إسناده وسعة روايته. كان قد لازم معمر بن راشدٍ سنين، وأخذ عن ابن جريجٍ وسفيان الثوري ومالكٍ والأوزاعي، فاجتمع عنده من حديث الحجاز واليمن والعراق ما لم يجتمع لغيره في زمانه. ومن هذا المعين خرج ديوانٌ ضخمٌ رتّبه على أبواب الفقه، جمع فيه المرفوع إلى النبي ﷺ وآثار الصحابة وفتاوى التابعين، فصار من أقدم كتب السنّة المصنّفة وأغزرها مادّةً وأنفسها إسنادًا. إنه «المصنّف» للحافظ عبد الرزاق بن همّام الصنعاني.

هو أبو بكر عبد الرزاق بن همّام بن نافعٍ الحِمْيريُّ مولاهم، الصنعانيُّ اليماني، الحافظ الكبير ومسنِد عصره في اليمن. وُلد سنة ستٍّ وعشرين ومائةٍ للهجرة، ونشأ في صنعاء طالبًا للعلم، فرحل وأكثر عن الأئمة الكبار، وأخذ عن معمر بن راشدٍ فلازمه دهرًا حتى صار من أثبت أصحابه، وسمع من عبد الملك بن جُريجٍ صاحب مكة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، ومالك بن أنس، وغيرهم من أعلام الرواية، فجمع بين علم الحجاز واليمن والعراق والشام في صعيدٍ واحد.
انتهى إليه علوُّ الإسناد في زمانه، حتى رحل إليه كبار الحفّاظ من الآفاق؛ فكان ممّن سمع منه الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وعليُّ بن المديني، ومحمد بن يحيى الذُّهلي، وخلقٌ سواهم من أئمة الحديث. وثّقه جمهور النقّاد وعدّوه في أثبات الرواة، وإن تكلّم بعضهم في بعض ما تفرّد به، وفي حديث من سمع منه بعد ذهاب بصره في آخر عمره. توفي بصنعاء سنة إحدى عشرة ومائتين، وقد قارب الخامسة والثمانين، فكان خاتمة حفّاظ اليمن الكبار في عصره.
عاش عبد الرزاق في القرن الثاني، وهو عصر تدوين السنّة وتصنيفها؛ إذ انتقل أهل العلم من مجرّد الحفظ والرواية الشفهية إلى جمع الأحاديث والآثار في كتبٍ مبوّبة على أبواب الفقه، فظهرت «المصنّفات» التي تجمع تحت كل بابٍ ما ورد فيه من مرفوعٍ وموقوفٍ ومقطوع. وكان المصنّف من أنضج ثمار هذا الطور، جاء في طبقةٍ من أقدم ما وصلنا من هذا الفنّ، يقاربه في القدم والسعة مصنّف عبد الله بن أبي شيبة الكوفي، فصار الكتابان معًا من أوثق ما يُرجع إليه في فقه الصحابة والتابعين وآثارهم.
ومن أعظم أسباب نفاسة الكتاب صلةُ مؤلّفه بشيخه معمر بن راشدٍ البصري الذي استوطن اليمن؛ فقد لازمه عبد الرزاق سنين طوالًا حتى صار عمودُ المصنّف الأكبر ما رواه عن معمر عن الزُّهري وقتادة وأضرابهما، فحفظ بذلك علمًا جمًّا لولا هذا الكتاب لضاع كثيرٌ منه. ولأجل هذا العلوّ والسعة صارت صنعاء قبلةً لطلاب الحديث؛ ومن أشهر ما يُروى في ذلك رحلةُ الإمام أحمد بن حنبل إليها ماشيًا مع يحيى بن معين، فلمّا اجتمعا بعبد الرزاق في موسم الحجّ بمكة أشار يحيى بالاكتفاء بلقائه، فأبى أحمد إلا إتمام قصده إلى صنعاء وفاءً بنيّته التي خرج لها، فبلغ ما أراد من الأخذ عنه في بلده.
المصنّفُ كتابٌ مرتّبٌ على أبواب الفقه كما يصنعه أهل هذا الفنّ؛ يبتدئ بكتاب الطهارة والصلاة، ثم الزكاة والصيام والحجّ والمناسك، فالبيوع والنكاح والطلاق والفرائض والأقضية والحدود والجهاد وغيرها، ويختمه بكتب الجامع في العلم والزهد والرقائق وأخبار السلف. وفي كل بابٍ يسوق عبد الرزاق ما بلغه من المرفوع إلى النبي ﷺ، ثم يُتبعه بأقوال الصحابة وفتاواهم، ثم بآراء التابعين ومن بعدهم، حتى صار الكتاب سِجِلًّا حافلًا لا للحديث المرفوع وحده، بل لفقه السلف واختلافهم في المسائل جيلًا بعد جيل.
ويقوم بناء الكتاب في جملته على مرويّاته عن كبار شيوخه؛ فأكثره عن معمر بن راشدٍ عن الزُّهري وغيره، ثم عن عبد الملك بن جُريجٍ صاحب مكة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن عيينة. ولهذا امتاز المصنّف بعلوّ الإسناد وقصر الطريق إلى كبار التابعين، فكثيرٌ من نصوصه يصل فيها القارئ إلى قتادة والزُّهري وعطاءٍ ونظرائهم بواسطةٍ أو اثنتين، وهو ما جعله معينًا لا ينضب استقى منه من جاء بعده من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد.
ولأن الكتاب من طبقةٍ متقدّمةٍ في التصنيف، فقد جمع أنواع المرويّات على اختلاف مراتبها: الصحيح والحسن، والمرسل والمنقطع، والموقوف والمقطوع، وفيه بلاغات ومراسيلُ وأخبارٌ يتفاوت أهل العلم في قبولها. فليس المصنّف كتاب صحيحٍ مجرّدٍ كالصحيحين، بل هو ديوانٌ واسعٌ للرواية يُنتقى منه ويُدرس على قواعد أهل الحديث، وقيمته في سعته وقدَمه وحفظه لآثارٍ لا تكاد توجد مجموعةً في غيره.
عبد الرزاق عند جمهور النقّاد ثقةٌ حافظٌ يُحتجّ بحديثه، وقد أخرج له أصحاب الصحاح والسنن واحتفّوا بمرويّاته. غير أن العلماء وقفوا عند أمرين اعتنوا ببيانهما: أولهما ما رُمي به من تشيّعٍ يسيرٍ وتفضيلٍ في محبّة أهل البيت، فدافع عنه أئمة النقد ولم يُسقطوا به حديثه، كما في كلمة يحيى بن معين المشهورة في الذبّ عنه. وثانيهما أنه عَمِي في آخر عمره فتغيّر حفظه بعض التغيّر، فمن سمع منه بعد ذهاب بصره فحديثه أضعف ممّن سمع منه قبل ذلك، وعلى هذا التفصيل جرى المحقّقون في قبول رواياته.
وقد تفرّد عبد الرزاق بأحاديث استُنكرت عليه، خاصةً في فضائل بعض الصحابة، فنبّه النقّاد على تمييز ما تفرّد به عمّا تابعه عليه غيره من الثقات. وهذا لا يقدح في إمامته ولا في جلالة كتابه؛ فإن الحفّاظ الكبار قلَّ أن يسلم أحدهم من أوهامٍ محصورة، والعبرة بأصل عدالته وضبطه وسعة روايته، وهي مما أجمع النقّاد على تعظيمه فيه. ولهذا بقي المصنّف مرجعًا لا يستغني عنه محدّثٌ ولا فقيهٌ ولا باحثٌ في فقه السلف وآثارهم.
لو ارتدّ عبد الرزاق عن الإسلام ما تركنا حديثه.
يحتلّ المصنّف منزلةً رفيعةً بين دواوين السنّة لقدَمه وسعته وعلوّ أسانيده؛ فهو من أقدم الكتب الحديثية المصنّفة التي وصلت إلينا، وكثيرٌ من مادّته لا يوجد مجموعًا في سواه، حتى صار مرجعًا لا غنى عنه في تخريج الآثار ودراسة فقه الصحابة والتابعين. وقد استفاد منه من جاء بعده من كبار المصنّفين، ووردت أسانيده في كثيرٍ من كتب الحديث ممّن رووا عن عبد الرزاق أو عن أصحابه.
ومن نفائس هذا الكتاب أنه حفظ لنا «جامع معمر بن راشد» ملحقًا بالمصنّف في مطبوعته، وهو من أقدم النصوص الحديثية المصنّفة على الإطلاق، رواه عبد الرزاق عن شيخه معمرٍ في أبواب العلم والأدب والزهد وأخبار السلف، فاجتمع للقارئ في ديوانٍ واحدٍ كنزان من أعتق ما دُوّن في السنّة. وبهذا صار المصنّف حاملًا لطبقةٍ من أوائل التصنيف الحديثي لم يبقَ منها إلا القليل.
وأشهر طبعات الكتاب وأوسعها انتشارًا تحقيق العلامة المحدّث حبيب الرحمن الأعظمي، أخرجه في أحد عشر مجلدًا بعناية المجلس العلمي والمكتب الإسلامي، وعليه مدار عزو أهل العلم وتخريجهم في الغالب، ثم صدرت طبعاتٌ أخرى بترقيمٍ وتخريجٍ محدّثين. وبهذه العناية المتّصلة بقي المصنّف حيًّا متداولًا بين طلبة العلم والباحثين قرنًا بعد قرن.
أنسبُ ما يُقرأ به المصنّف أن تقصده على أبوابه الفقهية، فتفتح كتاب الطهارة أو الصلاة أو الزكاة أو الحجّ، وتقرأ ما ساقه عبد الرزاق تحت البابِ من حديثٍ مرفوعٍ ثم آثار الصحابة وفتاوى التابعين، فتجمع في موضعٍ واحدٍ بين رواية السنّة وفقه السلف واختلافهم. وإن كنت باحثًا عن أثرٍ معيّنٍ أو قولٍ لصحابيٍّ أو تابعيٍّ فهذا الكتاب من أوسع ما يوصلك إليه بإسنادٍ عالٍ قريب.
وعلى رحلة تجد نصّ المصنّف كاملًا مرتّبًا على كتبه وأبوابه كما وضعه المؤلف، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي كتابٍ أو بابٍ بضغطة واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. ابدأ من أوائله لتقف على منهج الحافظ في بنائه، أو اقصد البابَ الذي تريده مباشرةً، وتنقّل في «مصنف عبد الرزاق» كيف شئت.
النص الكامل بين يديك
مصنف عبد الرزاق كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل