عن الكتاب

المدونة الكبرى

في القيروان، حاضرة المغرب الإسلامي ومَعقِل العلم بإفريقية، نشأ فتىً فقيرٌ صبورٌ على طلب العلم اسمه سحنون، جمع مسائل شيوخه وقيّدها، ثم شدّ الرحال عبر البحر إلى مصر ليلقى عبد الرحمن بن القاسم أقربَ أصحاب مالكٍ وأعلمَهم بفقهه. فعرض عليه كتابًا مملوءًا بالمسائل يسأله عنها مسألةً مسألة، ويثبت ما يسمع من جواب ابن القاسم عن رأي مالكٍ إمام دار الهجرة، حتى استوى بين يديه ديوانٌ حُفظ به فقه المدينة للمغرب كله. ومن هذه الرحلة العلمية بين إفريقية ومصر وُلد أجلُّ دواوين المذهب المالكي وأمُّ كتبه: «المدونة الكبرى».

غلاف المدونة الكبرى
الجامع والمدوِّن
الإمام سحنون عبد السلام بن سعيد التنوخي، قاضي القيروان (ت 240 هـ)
أصل المسائل
من فقه الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة (ت 179 هـ) برواية تلميذه عبد الرحمن بن القاسم (ت 191 هـ)
النوع والمذهب
أمّ كتب الفقه المالكي وديوانه المدوَّن في الفروع
أصل الكتاب
تهذيبٌ وتصحيحٌ لمسائل «الأسدية» لأسد بن الفرات، بعد أن عرضها سحنون على ابن القاسم فراجعها
المكانة
أوثق دواوين المالكية وأجمعها لمسائل مالك، تلي «الموطأ» في اعتماد المذهب عليها
أشهر مختصراتها
مختصر ابن أبي زيد القيرواني، و«التهذيب في اختصار المدونة» للبراذعي

الإمام مالك: إمام دار الهجرة ومنبع المذهب

مادّةُ هذا الكتاب فقهُ الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة الذين دارت عليهم مذاهب أهل السنّة. جمع مالكٌ بين الحديث والفقه، فكان مُحدِّث المدينة وفقيهها، وإليه انتهت رئاسة العلم بها في زمانه حتى قيل: «لا يُفتى ومالكٌ في المدينة». وصنّف «الموطأ» فكان من أوائل ما دُوّن في الحديث والفقه معًا، وأثنى عليه العلماء حتى عُدّ من أصحّ الكتب.

قام فقه مالكٍ على تعظيم الأثر وتقديمِ عمل أهل المدينة، فهو يرى في اتّصال أهل تلك الديار على أمرٍ توارثوه حجّةً قويّة؛ لأنهم ورثة دار النبوّة ومهبط الوحي. ومع ذلك لم يُغلق باب النظر، بل أعمل القياس والمصالح والاستحسان في مواضعها، فجاء مذهبه جامعًا بين قوّة النقل ودقّة الفقه، محتاطًا في الفتوى، كثيرَ التوقّف عمّا لا يتبيّن له فيه وجه.

انتشر مذهب مالكٍ على يد تلاميذه في الأمصار، وكان لأصحابه المصريين والمغاربة أعظمُ الأثر في تدوينه ونشره. فمنهم من حمل فقهه إلى مصر كابن القاسم وابن وهب وأشهب، ومنهم من حمله إلى القيروان والأندلس. وبقي فقهُ مالكٍ متناثرًا في صدور أصحابه ومجالسهم حتى قُيّض له مَن يجمعه في ديوانٍ محرَّر، فكانت «المدونة» هي الوعاء الأكبر الذي حُفظ فيه هذا الفقه مرتَّبًا على الأبواب.

سحنون وابن القاسم: قصة التدوين

كان أوّل نواة هذا الكتاب رجلٌ يُدعى أسد بن الفرات، رحل من إفريقية فأخذ عن أصحاب أبي حنيفة بالعراق طريقتهم في تفريع المسائل وافتراضها، ثم قدم على ابن القاسم بمصر فسأله على هذا المنهج عن مسائل كثيرة يعرض عليها رأي مالك، فدوّن أجوبته في كتابٍ عُرف بـ«الأسدية». ثم رحل سحنون بن سعيد التنوخي، الفقيه القيرواني، حاملًا هذه «الأسدية» إلى ابن القاسم يعرضها عليه مسألةً مسألة.

فأعاد ابن القاسم النظر في المسائل مع سحنون، فصحّح كثيرًا منها، ورجع عن بعضها، وحرّر أجوبتها تحريرًا جديدًا أدقَّ وأثبت، فخرجت في صورةٍ أوثق ممّا كانت عليه في «الأسدية». ويُروى أنّ ابن القاسم نصح أسد بن الفرات أن يُصحّح كتابه على رواية سحنون المحرَّرة، فأبى أسدٌ أنَفةً وتمسّك بأصله، فكان أن سارت «المدونة» في الآفاق واعتمدها الناس، وخملت «الأسدية» حتى كادت تُنسى.

ثمّ عكف سحنون على ما سمعه من ابن القاسم يرتّبه ويبوّبه على كتب الفقه، ويضمّ إليه ما رواه عن غيره من أصحاب مالكٍ من آثارٍ وأقوال. وقد شغلته القضاء والعلم عن أن يُتمّ تهذيبه على أكمل وجه، فبقي بعضه مبوَّبًا محرَّرًا وبعضه على شيءٍ من الاختلاط، إلا أنّ هذا لم يحطّ من قيمته؛ إذ حفظ لنا فقه مالكٍ غضًّا كما تلقّاه أوثقُ أصحابه، فصار الكتاب أصلَ المذهب ومعدنه.

منهج «المدونة» وترتيبها

بُنيت «المدونة» على طريقة السؤال والجواب؛ فسحنون يسأل، وابن القاسم يجيب ناقلًا عن مالكٍ ما سمعه منه بصيغة «سمعتُ مالكًا يقول» أو «قال مالك»، فإذا لم يكن عنده في المسألة نصٌّ عن مالكٍ اجتهد ابن القاسم برأيه على أصول شيخه وخرّج عليها. وبهذا اجتمع في الكتاب صريحُ رواية مالكٍ وتخريجُ أنبل تلاميذه، فصار مرآةً لفقه مالكٍ ومدرسته معًا.

ورُتّبت مادّته على أبواب الفقه المعروفة؛ فيبدأ بالطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج من العبادات، ثم يُثنّي بالبيوع والإجارات وسائر المعاملات، ثم المناكحات والجنايات والحدود والأقضية وما يتّصل بها. وهو مع سعة مسائله يُعنى بذكر عِلَل الأحكام ومآخذها في كثيرٍ من المواضع، وينبّه على ما فيه من مالكٍ روايتان أو ما خالف فيه ابن القاسمُ شيخَه، فيقف القارئ على الفقه حيًّا في مجلس التلقّي لا مجرّد نتائجَ مجرّدة.

وممّا يُذكر في وصف الكتاب أنّ منه قسمًا هذّبه سحنون ورتّبه ويُسمّى «المدونة»، وقسمًا آخر بقي على شيءٍ من عدم الترتيب ويُسمّى «المختلطة»، ثم جُمع الجميع فعُرف بـ«المدونة الكبرى». ولذلك قد تلقى فيه بعض التكرار أو التداخل بين المسائل، غير أنّ هذه السَّعة الأمينة هي سرّ قيمته؛ فقد آثر أصحابه الحفاظ على النصّ كما جرى في مجالس ابن القاسم على أن يُهذّبوه فيضيع شيءٌ من دقّته.

أمّ المذهب: منزلتها عند المالكية

تبوّأت «المدونة» في المذهب المالكي منزلةً لم يبلغها كتابٌ سواها؛ فهي عندهم أمُّ الدواوين وأصلُ الفروع، تلي «الموطأ» في الرتبة والاعتماد. فإن كان «الموطأ» أصلَ مالكٍ في الحديث والفقه المجمَل، فإنّ «المدونة» هي بسطُ فقهه وتفصيلُ مسائله؛ ولهذا دار عليها التدريس والفتوى في القيروان والأندلس والمغرب قرونًا، وصار حفظُها وشرحُها من علامات التمكّن في المذهب.

وقد اعتنى المالكية بها أشدَّ العناية، فقدّموها في تحرير مسائلهم، ورجّحوا ما فيها على غيرها عند التعارض في كثيرٍ من المواضع، حتى قيل إنّ روايات «المدونة» هي المعتمَد الذي عليه الفتوى في المذهب. ومَن أراد أن يتفقّه على طريقة مالكٍ لم يجد أوثق منها ولا أجمعَ لمسائله، ولهذا سمّاها العلماء ديوانَ المذهب.

وامتازت أيضًا بأنها لم تكن جمعًا لآراء مالكٍ فحسب، بل سجّلت طريقة أهل المدينة في النظر والاستدلال، وحفظت لنا اجتهاد ابن القاسم وموضعَ وفاقِه لشيخه وخلافِه له. فهي بذلك وثيقةٌ تاريخية لنشأة المذهب المالكي في طور تكوّنه الأوّل، قبل أن تتوالى عليه المختصرات والشروح.

«المدونة أمّ المذهب المالكي وديوانه.»
من عبارات علماء المالكية في وصف كتابهم

أثرها ومختصراتها وشروحها

ما إن استقرّت «المدونة» أصلًا للمذهب حتى انصرفت همم العلماء إلى خدمتها اختصارًا وشرحًا وترتيبًا. فاختصرها الإمام ابن أبي زيد القيرواني صاحب «الرسالة» فقرّبها للطلاب، ثم جاء خلف بن أبي القاسم البراذعي فصنّع «التهذيب في اختصار المدونة»، فهذّبه ورتّبه ترتيبًا حسنًا حتى صار «التهذيب» هو عمدةَ التدريس في المغرب والأندلس، يحفظه الطلبة ويتفقّهون عليه.

ولم يقف الأمر عند المختصرات، بل توالت على «المدونة» ومختصراتها الشروحُ والتعاليق، ودارت حولها أنظار كبار المالكية في تحرير المسائل وتوجيه رواياتها والجمع بين ما ظاهره الاختلاف. فصارت محورًا لصناعةٍ فقهية كاملة، لا يكاد يخلو منها بحثٌ محرَّر في فروع المذهب، وبقي أثرها ممتدًّا في كتب المتأخّرين إلى يومنا.

وفي العصر الحديث طُبعت «المدونة الكبرى» ونُشرت في عدّة مجلدات كبار، فتيسّرت لطلبة العلم والباحثين بعد أن كانت وقفًا على الخزائن والنسخ الخطّية. وظلّت مع تطاول القرون محتفظةً بقيمتها مرجعًا أوّلَ في فقه المالكية، ومصدرًا لا غنى عنه لمن أراد أن يدرس نشأة المذهب وأصول رواياته.

كيف تقرؤها على رحلة؟

يمكنك أن تقرأ «المدونة الكبرى» هنا على ترتيب أبوابها، فتبدأ من كتاب الطهارة والصلاة وتتدرّج في العبادات، ثم تنتقل إلى البيوع والمعاملات والمناكحات وسائر الأبواب. وننصحك أن تقرأها قراءة المتفقّه لا المتصفّح؛ فتتأمّل صيغة السؤال والجواب، وتتبيّن أين ينقل ابن القاسم نصَّ مالكٍ وأين يجتهد على أصوله، فذاك موضع الفائدة الكبرى في الكتاب.

ومن أحسن ما يُصنع في قراءتها أن تقف عند المسألة فتنظر في عِلّتها وما بُنيت عليه، وأن تلاحظ ما يُذكر فيها من روايتين عن مالكٍ أو خلافٍ بينه وبين تلميذه، فبهذا تتكوّن لديك ملَكة النظر على طريقة أهل المدينة. والنصّ كامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أوّله أو انتقل إلى الباب الذي يعنيك، واقرأ في أمّ دواوين المالكية وأجمعِها لفقه إمام دار الهجرة.

أسئلة شائعة

لمن تُنسب المدونة الكبرى ومن الذي دوّنها؟
مادّتها من فقه الإمام مالك بن أنس، ورواها عنه تلميذه الأقرب عبد الرحمن بن القاسم، وجمعها ودوّنها ورتّبها الإمام سحنون عبد السلام بن سعيد التنوخي قاضي القيروان (ت 240 هـ). فهي مسائلُ مالكٍ برواية ابن القاسم بجمع سحنون، ولذلك تجتمع فيها رواية الإمام واجتهاد أنبل أصحابه.
ما الفرق بين المدونة والموطأ؟
«الموطأ» كتاب مالكٍ نفسه، جمع فيه الحديث والآثار وأصول الفقه على الإجمال، وهو أصل المذهب في الرواية. أمّا «المدونة» فهي بسطٌ لفقه مالكٍ وتفصيلٌ لفروعه في آلاف المسائل، دوّنها أصحابه بعده على طريقة السؤال والجواب. فالموطأ الأصل المجمَل، والمدونة التفصيل والبسط في الفروع.
ما قصة «الأسدية» وعلاقتها بالمدونة؟
«الأسدية» كتابٌ جمعه أسد بن الفرات من أجوبة ابن القاسم على مسائل افتراضية سألها على طريقة أهل العراق. ثم حمل سحنون هذه المسائل إلى ابن القاسم فراجعها معه فصحّح كثيرًا منها وحرّرها، فخرجت «المدونة» أوثق منها. ويُروى أنّ أسدًا أبى أن يُصحّح كتابه على رواية سحنون، فسارت المدونة واشتهرت وخملت الأسدية.
ما مكانة المدونة في المذهب المالكي؟
هي أمّ دواوين المالكية وأصلُ فروعهم، تلي «الموطأ» في الاعتماد، ودار عليها التدريس والفتوى في القيروان والأندلس والمغرب قرونًا. ويُقدّم المالكية رواياتها في تحرير مسائلهم حتى سمّوها ديوان المذهب، ومَن أراد التفقّه على طريقة مالكٍ لم يجد أوثق منها ولا أجمعَ لمسائله.
هل يمكن قراءة المدونة الكبرى كاملة مجانًا؟
نعم، النصّ الكامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فتتنقّل في أبوابها بدءًا من العبادات ثم المعاملات والمناكحات وسائر الأبواب، وتقرؤها على ترتيب مؤلّفها أو تنتقل إلى الموضع الذي يعنيك من مسائل المذهب.

النص الكامل بين يديك

المدونة الكبرى كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن