عن الكتاب
في قرطبة، حاضرة الأندلس ومُلتقى الأديان والثقافات في الغرب الإسلامي، نشأ رجلٌ موسوعيُّ العلم جمع الله له من الفقه والحديث والأصول والمنطق واللغة ما لم يجتمع لأحدٍ من أهل زمانه. عاش بين يهود الأندلس ونصاراها وفلاسفتها ومتكلّميها، فقرأ كتبهم وناظر أحبارهم، ووقف على ما في مِلَلهم ونِحَلهم من دعوى وحُجّة. فلمّا نضِج علمه أراد أن يَفصِل القولَ بين هذه الملل والفِرَق كلّها، فيَزِن كلَّ دعوى بميزان العقل والنقل، ويكشف تناقضاتها واحدةً واحدة. فأخرج للأمّة سِفرًا يُعدّ من أقدم ما كُتب في تاريخ الفكر الإنساني في مقارنة الأديان ونقد العقائد؛ إنه كتاب «الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحل» للإمام أبي محمد ابن حزم الأندلسي.

هو الإمام العلّامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، وُلد بقرطبة سنة أربعٍ وثمانين وثلاثمائة في كنف بيتٍ من بيوت الوزارة والجاه، فقد كان أبوه من وزراء الدولة العامرية. نشأ في القصور مُنعَّمًا، ثم أقبل على العلم إقبال العطشان على المورد، فجمع من الفنون ما تفرَّق في غيره؛ حتى صار حُجّةً في الفقه والحديث، إمامًا في أصول الفقه وأصول الدين، عارفًا بالملل والنِّحل والمنطق واللغة والأنساب، شاعرًا أديبًا، لا يكاد يُذكر في علمٍ إلا كان من أهله.
وقد بدأ ابن حزم شافعيَّ المذهب مُعظِّمًا للنصّ منتصرًا له، ثم أفضى به النظر إلى مذهب أهل الظاهر الذي أسّسه داود بن علي الأصبهاني، فأحياه ونصره وحرّره حتى صار إمامه غير مُنازَع، بل صار المذهب الظاهري يُعرف به ويُنسب إليه. ولغزارة علمه خلّف مصنّفاتٍ نفيسة في فنونٍ شتّى، منها «الإحكام في أصول الأحكام» في أصول الفقه، و«المحلَّى بالآثار» في الفقه، و«جمهرة أنساب العرب»، و«طوق الحمامة» في الأُلفة والأُلّاف، وكتابه هذا «الفِصَل» في الملل والنِّحل الذي هو من أعظم آثاره.
وكان ابن حزم مع سعة علمه شديد الصَّرامة في الحقّ، حادَّ اللسان في المناظرة، لا يُحابي في العلم أحدًا، فأثار عليه فقهاء عصره حتى هجروه وحذّروا منه؛ حتى سار بين الناس قولهم: «لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقان». على أنّ المنصفين من العلماء أقرّوا بإمامته وسعة حفظه وقوّة حجّته، وشهدوا له بأنه أحد من لا نظير له في عصره، وإن خالفوه في كثيرٍ من اختياراته.
لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقان.
عاش ابن حزم زمن انهيار الخلافة الأموية بقرطبة واشتعال «الفتنة» التي مزّقت الأندلس، فقامت على أنقاض الوحدة دُويلاتُ ملوك الطوائف يتناحرون على المُلك. وكان قد دخل معترك السياسة كأبيه فوَلِيَ الوزارة، وناصر شرعية بني أميّة، فنالَه من ذلك سجنٌ وتشريدٌ ومطاردة؛ حتى ضاق بالسياسة وأهلها، فانصرف عنها إلى ما هو أبقى وأخلد: العلم والقلم. وفي عزلته فرَّغ عمره للتصنيف، فكان «الفِصَل» من أنضج ثمرات ذلك التفرُّغ.
وكانت الأندلس يومئذٍ أرضًا تتجاور فيها المِلَل؛ فيها جاليةٌ يهوديّةٌ ذات علمٍ ووجاهة، ونصارى من أهل البلاد وفلاسفةٌ ومتكلّمون على مذاهب شتّى. فلم يكتب ابن حزم عن الأديان من وراء حجاب، بل خالط أهلها وناظرهم ووقف على نصوص كتبهم؛ فأراد أن يجمع القولَ الفصل في هذه المِلَل والنِّحَل كلّها في كتابٍ واحد، يعرض دعاوى كلّ فرقةٍ ثم يزنها بميزان العقل الصريح والنقل الصحيح، فيبيّن ما فيها من تناقضٍ أو صحّة.
ولم يكن جهر ابن حزم بآرائه سالمًا من العواقب؛ فقد أنكر عليه فقهاء عصره تمسّكه بالظاهر وحِدّته في الردّ، حتى أمر بعض الأمراء بجمع بعض كتبه وإحراقها على مرأى الناس. فما زاده ذلك إلا ثباتًا، وأنشد بيتَه السائر الذي يفيض عزّةً وثقةً بما استقرّ في صدره من العلم، مُعلنًا أنّ إحراق الورق لا يمحو ما رسخ في القلوب والعقول.
فإن تُحرِقوا القِرطاسَ لا تُحرِقوا الذي تضمَّنه القِرطاسُ، بل هو في صدري
رتّب ابن حزم كتابه ترتيبًا يتدرّج فيه من الأصل إلى الفرع، ومن السؤال الأعمّ إلى ما دونه؛ فبدأ من أساس المعرفة نفسه، فردّ على السوفسطائيّة الذين يُنكرون حصول العلم واليقين، ثم انتقل إلى الدهريّين والملاحدة الذين يُنكرون وجود الخالق، وإلى القائلين بقِدَم العالم، مُقيمًا الأدلّة العقلية على حدوث العالم وإثبات صانعه. فجعل مبدأ الكتاب في تثبيت أصل الإيمان بالله قبل الكلام في الملل التي تختلف عليه.
ثم تدرّج إلى الملل التي تُثبت خالقًا وتختلف في وصفه وشريعته؛ فتكلّم على الثنويّة والمجوس عبدة النور والنار، ثم أفاض القول في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فعرض عقائدهم ونصوص توراتهم وأناجيلهم، وتتبّع ما رآه فيها من تناقضٍ واختلاف؛ وهذا القسم من أشهر ما في الكتاب وأدعاه إلى عناية الدارسين قديمًا وحديثًا.
وفي القسم الأخير عطف على فِرَق الإسلام وأهل الأهواء منها، فبيّن اختلافهم في مسائل الاعتقاد الكبرى من الصفات والقَدَر والإيمان والإمامة؛ فتكلّم على المعتزلة والخوارج والشيعة والمرجئة وغيرهم، وناقش المتكلّمين من الأشعرية وسواهم، ناصرًا ما رآه مذهبَ أهل السنّة على أصله الظاهري. وبهذا الاستيعاب جاء الكتاب ضخمًا، طُبع في نحو خمسة مجلدات تحوي مِلَل الأرض ونِحَلها منظومةً في سِلكٍ واحد.
ينهض منهج ابن حزم في «الفِصَل» على العقل البرهانيّ؛ فهو صاحب عنايةٍ بالمنطق وحدوده، لا يقبل دعوى إلا ببرهان، ولا يردّ قولًا إلا بحجّة. فيعمد إلى مذهب كلّ فرقةٍ فيعرضه كما يقوله أهله، ثم يفكّك لوازمه ويكشف ما فيه من تهافتٍ أو تناقض، بأسلوبٍ صارمٍ في المحاجّة قلّ أن يُبقي لخصمه موضعًا يقف عنده. ولذلك عُدّ الكتاب مدرسةً في فنّ المناظرة والجدل قبل أن يكون تقريرًا للعقائد.
وأبرز ما يميّز الكتاب أنّ ابن حزم لم يكتفِ بالكلام العامّ على الأديان، بل نزل إلى نصوصها بعينها؛ فنقل من التوراة والأناجيل مواضع بألفاظها، وقارن بينها، وأشار إلى ما رآه من اختلافٍ في الروايات والأنساب والأخبار. وبهذا الصنيع صار من أوائل من مارس نقد النصّ الدينيّ نقدًا تفصيليًّا في تاريخ الفكر، حتى عُدّ عند كثيرٍ من الدارسين رائدًا من روّاد مقارنة الأديان والنقد النصّيّ.
وهو في اعتقاده ظاهريٌّ كما هو في فقهه؛ يأخذ بظواهر نصوص الكتاب والسنّة، ويردّ التأويل والتفلسف في الغيبيّات، ويُنكر على المتكلّمين طرائقهم في إثبات العقائد. ولهذا يُفيد قارئُ «الفِصَل» ولو خالفه في بعض اختياراته؛ فإنه يخرج من كل مسألةٍ وقد أحاط بأقوال الفِرَق وأدلّتها وموارد الخلاف بينها، وتدرّب عقله على وزن الحجّة بالحجّة.
احتلّ «الفِصَل» مكانةً رفيعة بين كتب الملل والنِّحل، فهو مع «المِلَل والنِّحل» للشهرستاني و«الفَرْق بين الفِرَق» للبغدادي من أصول هذا العلم عند المسلمين؛ بل يمتاز الفِصَل بأنه من أقدم ما وُضع في مقارنة الأديان مقارنةً منهجيّةً تنزل إلى نصوص الملل نفسها، فسبق بذلك كثيرًا مما كُتب في هذا الباب بقرون. وقد نقل عنه من جاء بعده من أهل الردّ على الفِرَق والمِلَل، وعوّلوا على ما جمعه فيه.
ولم تقتصر عناية الناس بالكتاب على المسلمين؛ فقد عُني به المستشرقون عنايةً ظاهرة، وأفرد له المستشرق الإسباني آسين بلاثيوس دراسةً موسَّعة عرّف فيها بابن حزم ونقده للأديان، فذاع صيت الكتاب في الدرس الأكاديميّ الحديث بوصفه علامةً بارزةً في تاريخ مقارنة الأديان. وبقي في الوقت نفسه مرجعًا لمن يكتب في الردّ على تحريف الكتب السابقة وبيان تناقضاتها.
وقد ظلّ الكتاب متداولًا في المخطوطات حتى مَنّ الله بطبعه؛ فطُبع قديمًا بهامش «المِلَل والنِّحل» للشهرستاني في مطابع مصر، ثم أُفرد بالتحقيق والنشر في العصر الحديث، ومن أشهر إخراجاته تحقيقٌ صدر في نحو خمسة مجلدات. وبذلك استقرّ «الفِصَل» بين يدي طلّاب العلم والباحثين عمودًا من أعمدة المكتبة العقديّة لا يُستغنى عنه في بابه.
لا يُشترط في «الفِصَل» أن يُقرأ سردًا من أوّله إلى آخره، بل يُدخَل إليه من أبوابه بحسب ما تريد؛ فإن شئت أصول الإيمان والردّ على منكري الخالق فاقصد أوائله، وإن شئت الكلام على اليهود والنصارى ونقد كتبهم فاقصد قسمه في أهل الكتاب، وإن أردت مذاهب فِرَق الإسلام في الصفات والقَدَر والإمامة فاقصد قسمه الأخير. وأيسر طريقٍ إلى بغيتك أن تبحث عن المسألة أو الفرقة بعينها في نصّ الكتاب على رحلة، فيوصلك البحث إلى موضعها في لحظات.
واقرأه قراءة المتأمِّل الذي يتتبّع الحجّة والدليل، مُستحضرًا أنك أمام عقلٍ موسوعيٍّ يعرض عليك مِلَل الأرض ونِحَلها ثم يزنها بميزانه؛ فتتعلّم منه كيف تُعرَض الدعوى وكيف تُناقَش، ولو خالفتَه في بعض ما ذهب إليه. والنصّ كاملٌ متاحٌ للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فادخل إليه من البابِ الذي تريد، وطالِع واحدًا من أقدم ما كتبه الإنسان في مقارنة الأديان ونقد العقائد.
النص الكامل بين يديك
الفصل في الملل والنحل كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن عبد الوهاب
1 فصل

محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
1 فصل

محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
1 فصل

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
1 فصل

ابن أبي العز الحنفي
1 فصل

تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية
1 فصل