عن الكتاب
في القاهرة التي غدت حاضرةَ الإسلام بعد أن سقطت بغداد تحت سنابك التتار، نبغ فقيهٌ مالكيٌّ جمع في عقله ما تفرّق في غيره: فقهُ المذهب، وأصولُ الاستنباط، ودقّةُ المنطق، حتى عُدّ من محقّقي المالكية على الإطلاق. ولم يقنع بأن يجمع مسائل المذهب كما تُجمع في المختصرات مسرودةً بلا دليل، بل أراد فقهًا تُبنى فروعُه على قواعده، وتُساق أحكامُه مقرونةً بحُججها، ويُوازَن فيه بين أقوال أئمة المذهب بعقل الناقد المحرِّر. فخرج من ذلك سِفرٌ ضخم صار من أجمع دواوين الفقه المالكي وأغزرها مادةً وأعمقها تحقيقًا. إنه كتاب «الذخيرة» للإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي.

هو الإمام العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي، من أعلام الفقهاء المالكية في القرن السابع الهجري. نُسب إلى صنهاجة، وهي قبيلةٌ بربريةٌ كبيرة، وإلى القرافة، تلك المقبرة الشهيرة الممتدّة عند سفح المقطّم بمصر حيث سكن وجاور، فغلبت عليه هذه النسبة حتى صار لا يُعرف إلا بها. نشأ في مصر في زمن ازدهار العلم بها، وتلقّى الفقه والأصول والعربية عن شيوخ عصره، فبرع في ذلك كله حتى صار عَلَمًا يُشار إليه بالبنان.
ولم يكن القرافي فقيهًا مالكيًّا فحسب، بل كان أصوليًّا محقّقًا، مناظرًا بارعًا، واسع النظر في المعقول والمنقول، له عنايةٌ بالمنطق وعلوم الأوائل حتى صنّف في الطبيعيات وخواصّ الأشياء. أعجب بشيخ عصره العزّ بن عبد السلام وأكثر النقل عنه والإشادة به، وناقشه وناظره في مسائل، فجمع بذلك بين أدب التلمذة وجُرأة المحقّق. وترك القرافي مصنّفاتٍ سارت بها الرُّكبان في كل فنٍّ خاض فيه.
فله في القواعد كتابه الفريد «أنوار البروق في أنواء الفروق» المعروف بـ«الفروق»، الذي صار أصلًا في علم الفروق الفقهية وتمييز المسائل المتشابهة، وله في الأصول «شرح تنقيح الفصول» و«نفائس الأصول في شرح المحصول»، وله «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرّفات القاضي والإمام». وبهذه المؤلفات المتنوّعة عُدّ القرافي في طليعة محقّقي المالكية، بل من أعلام الأمة الذين جمعوا بين تحرير الفقه وضبط أصوله. توفي بالقاهرة سنة 684 هـ ودُفن بالقرافة، فبقيت كتبه أبقى له من كل ذُخر.
عاش القرافي في مصر المملوكية في زمنٍ عصيبٍ من تاريخ الأمة؛ فقد كانت بغداد قد سقطت بيد التتار سنة 656 هـ وأُطفئت شعلة الخلافة العباسية بها، فانتقل ثقل العالم الإسلامي إلى القاهرة، وصارت هي حاضرة العلم والدين وملاذ العلماء الوافدين من كل صوب. في هذا الجوّ الذي اجتمع فيه الخوف على مصير الأمة والحرص على حفظ علومها، ازدهرت المدارس ونشط التصنيف، فكان جيل القرافي جيلًا يبني للأمة حصونًا من الكتب تُبقي دينها حين تضطرب الديار.
وفي هذا المناخ العلمي انبرى القرافي لخدمة مذهبه المالكي، وقد رأى أن كتب المذهب بين طرفين: مبسوطاتٍ يعزّ على الطالب تحصيلها، ومختصراتٍ تسرد الأحكام مجرّدةً عن أدلّتها وعِلَلها، فيحفظها الحافظ ولا يعرف لِمَ حُكم بها. فعزم على أن يؤلّف كتابًا وسطًا جامعًا، يجمع فروع المذهب على سعتها، ويقرنها بالأدلة والتعليل، ويردّها إلى قواعدها الكلية، حتى يفقه القارئ الحكمَ ومأخذَه معًا، لا أن يحفظه صورةً بلا معنى.
وسمّى كتابه «الذخيرة» لأنه أراده ذُخرًا يدّخره طالب العلم ويعتمد عليه، ومَعينًا يجمع له نفائس المذهب في موضعٍ واحد. فجاء الاسم موافقًا للمسمّى: خزانةٌ من فقه المالكية وأدلّته، ادّخرها القرافي لمن جاء بعده فانتفعوا بها قرونًا.
أخصّ ما يميّز «الذخيرة» أنّ صاحبها فقيهٌ أصوليٌّ محقّق، فجاء الكتاب على صورة مؤلّفه: فروعٌ منثورةٌ على بساطٍ من الأصول والقواعد. يذكر القرافي المسألة من مسائل المذهب، ثم لا يكتفي بذكر الحكم، بل يبيّن دليله من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ويكشف عن عِلّته والقاعدة التي يندرج تحتها، فيتحوّل الفرع المفرد عنده إلى مثالٍ يُفهم به أصلٌ كليّ. وبهذا صار الكتاب مدرسةً في الاستنباط لا مجرّد مجموعة أحكام.
ويسير القرافي في كتابه على ترتيب أبواب الفقه المعروفة، فيبدأ بالطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم يمضي إلى البيوع والمعاملات والنكاح والجنايات وسائر الأبواب. وهو في كل باب يجمع أقوال المذهب وروايات المدونة وما تفرّع عنها، ويزن بينها بميزان النقد، وينقل تحقيقات أئمة المذهب المحقّقين كاللخمي وابن يونس وابن رشد والمازري، ثم يرجّح ما يظهر له بالدليل، غير هيّابٍ أن يعترض أو يستدرك، فإنه صاحب نظرٍ لا صاحب تقليدٍ محض.
ولا يقف القرافي عند حدود مذهبه، بل كثيرًا ما يوازن بين المالكية وغيرها من المذاهب، فيعرض الخلاف العالي بين الأئمة، ويناقش الأدلة مناقشة المناظر الحاذق. وقد أفاده في ذلك تبحّره في الأصول وعلم الجدل، حتى صارت «الذخيرة» تجمع بين متانة الفقه المذهبي وسعة أفق الفقه المقارن، وهو ما رفعها فوق كثيرٍ من كتب الفروع التي تلزم حدّ المذهب الواحد.
ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتّحد عنده ما تناقض عند غيره.
تُعدّ «الذخيرة» من أوسع موسوعات الفقه المالكي، إذ استوعب القرافي فيها أبواب الفقه من الطهارة إلى الأقضية والشهادات، فلا يكاد يترك بابًا من عباداتٍ أو معاملاتٍ أو أحوالٍ شخصيةٍ أو جناياتٍ إلا وأفاض فيه. وهي مع سعتها منظّمة محرّرة، يجمع فيها المؤلف بين نقل الرواية عن أئمة المذهب وبين تحقيق الدراية بالنظر في الأدلة، فيلتقي فيها علم المتقدّمين بعقل محقّقٍ متأخّر.
وقد صدّر القرافي كتابه بمقدماتٍ نفيسة في الأصول والقواعد، مهّد بها لما يأتي من الفروع، فبيّن جملةً من القواعد التي تُبنى عليها الأحكام، ليقرأ الطالب الفروع وهو مستحضرٌ لأصولها. ثم يمضي في الأبواب فيسوق المسائل، ويحرّر محلّ النزاع، وينقل الأقوال بأمانة، ويعزو تحقيقات المحقّقين إلى أصحابها، ويناقش ويرجّح، فيخرج القارئ من كل مسألةٍ وقد فقه حكمها ومأخذها وموقعها من قواعد الشريعة.
ولأن مؤلّفها إمامٌ في القواعد الفقهية وعلم الفروق، فإن القارئ يلمح في «الذخيرة» أثر هذه العناية في كل موضع: تنبيهاتٌ على الفروق الدقيقة بين المسائل المتشابهة، وردٌّ للجزئيات إلى كلياتها، وكشفٌ عن حكمة الحكم وعِلّته. وبهذا تجاوزت «الذخيرة» كونها كتاب فروعٍ إلى أن تكون مدرسةً في فقه المذهب وطريقةً في التفكير الفقهي.
احتلّت «الذخيرة» مكانةً رفيعة بين كتب المالكية منذ زمن مؤلّفها، وعُدّت من أمّهات موسوعات المذهب التي يرجع إليها المحقّقون والباحثون في تحرير المسائل ومعرفة أدلّتها. ونالت من العناية ما ناله صاحبها من الجلالة، فهي شاهدٌ على مكانة القرافي فقيهًا محقّقًا، ومرجعٌ لا يستغني عنه من أراد فقه المالكية على بصيرةٍ بالدليل لا على مجرّد الحفظ.
وسرُّ بقائها ونفعها أنها تجمع ما يتفرّق في غيرها: سعةُ المبسوطات في استيعاب المسائل، ودقّةُ المختصرات في التحرير، وعمقُ الأصولي في التعليل، وإنصافُ المحقّق الذي يزن الأقوال بميزان الدليل. فهي صالحةٌ لطالب الفقه المبتدئ يجد فيها الحكم مبيّنًا، ولطالب التحقيق المنتهي يجد فيها الأدلة والمناقشات، ولذلك بقيت مطلوبةً مقروءةً على مرّ القرون.
وأما طبعاتها فقد عُني بها المحقّقون، وأشهرها وأتقنها طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت التي حقّقها جماعةٌ من العلماء على رأسهم محمد حجي، وشاركه سعيد أعراب ومحمد بو خبزة، فأخرجوها في نحو أربعة عشر جزءًا مضبوطة النص معزوّة الأقوال مخرّجة الأحاديث، فصارت هذه الطبعة عمدةَ الباحثين في الكتاب.
«الذخيرة» موسوعةٌ واسعة، وأنسب طرق الانتفاع بها أن تجعلها مرجعًا تعود إليه في المسألة التي تريد تحقيقها: إذا أردت حكمًا في الطهارة أو الصلاة أو البيوع أو النكاح، فاقصد بابه في الكتاب، واقرأ ما جمعه القرافي من أقوال المذهب وأدلّتها، وتأمّل كيف يردّ الفرع إلى قاعدته ويرجّح بالدليل. فبذلك تتعلّم الفقه ومأخذه معًا، لا الحكم مجرّدًا.
وتجدها على رحلة كاملةً مرتّبةً على أبواب الفقه، مع فهرسٍ يوصلك إلى أيّ كتابٍ أو بابٍ بضغطةٍ واحدة، فتقرأ المسألة التي تريدها من غير أن تُقلّب المجلّدات. ابدأ ببابٍ يهمّك من العبادات أو المعاملات، وتتبّع طريقة القرافي في التحقيق والتعليل، واقرأ «الذخيرة» كاملةً مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
الذخيرة للقرافي كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن