عن الكتاب
في القرن العاشر الهجري، حين صارت القاهرة قلب العلم في العالم الإسلامي، نهض رجلٌ واحدٌ فحمل على عاتقه أن يجمع تراث أمّةٍ في مصنّفاتٍ لا تكاد تُحصى، حتى نُسب إليه من الكتب والرسائل ما يقارب ستّمئة مؤلَّف. كان همّه أن يحفظ ما تفرّق في بطون الأسفار قبل أن يضيع، فمدّ يده إلى تفسير القرآن بالمأثور، فطاف بأقوال الصحابة والتابعين ومرويّات السلف المبثوثة في عشرات الدواوين، كثيرٌ منها ذهبت أصوله ولم يبقَ منه إلا ما نقله هو، ثم نظمها تحت آيات المصحف آيةً آية. جرّد كتابه من الأسانيد ليخفّ حمله ويسهل تناوله، وأبقى نسبة كلّ أثرٍ إلى مخرّجه، فخرج ديوانًا جامعًا لا يكاد يفوته من التفسير المأثور شيء. ذلك هو «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» للحافظ جلال الدين السيوطي.

هو الإمام الحافظ المؤرّخ اللغويّ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخُضيري السيوطي، نسبةً إلى «أسيوط» بصعيد مصر. وُلد بالقاهرة سنة تسعٍ وأربعين وثمانمئة للهجرة، وتُوفّي أبوه وهو صغير لم يجاوز السادسة، فنشأ يتيمًا في كنف العلم، وحفظ القرآن وهو ابن ثمانٍ، ثم أقبل على طلب العلم فجدّ فيه واجتهد حتى برع في فنونٍ كثيرة. وكان عصره، أواخر الدولة المملوكية، عصرَ جمعٍ وتحصيلٍ للتراث، اجتمع فيه علماء مصر والشام على حفظ ما خلّفته القرون السابقة، فكان السيوطي من أبرز حَمَلة هذه الأمانة.
بلغ السيوطي في كثرة التصنيف مبلغًا نادرًا في تاريخ العلماء، حتى نُسب إليه من الكتب والرسائل ما يُعدّ بالمئات في التفسير والحديث والفقه وأصوله واللغة والنحو والبلاغة والتاريخ وغيرها؛ فقلّ فنٌّ من فنون الشريعة والعربية إلا وله فيه مصنَّف. وقد ادّعى لنفسه رتبة الاجتهاد وبلوغ درجة المحدّثين المتقدّمين، فنازعه في ذلك بعض أهل عصره وشُغلت الأوساط العلمية بأمره، لكنّ أحدًا لم يُنكر سعة اطّلاعه وغزارة محفوظه. واعتزل الناس في أواخر عمره بروضة المقياس على النيل، منقطعًا للتأليف والعبادة، معرضًا عن أبواب الأمراء وعطاياهم.
وليست مكانة السيوطي في «الدر المنثور» وحده، بل هو صاحب مصنّفاتٍ سارت بها الركبان: «الإتقان في علوم القرآن» الذي صار عمدةً في بابه، و«تفسير الجلالين» الذي أكمل به ما بدأه شيخه المحلّي، و«الأشباه والنظائر» في الفقه وفي النحو، و«تدريب الراوي» في مصطلح الحديث، و«الجامع الصغير» في الأحاديث، و«تاريخ الخلفاء» و«حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة». وبهذه الموسوعية العريضة يُفهم «الدر المنثور»؛ فهو ثمرة عالمٍ نذر نفسه لأن يجمع شتات المعرفة في مظانّها المتفرّقة ويحفظه للأجيال.
كان التفسير بالمأثور، أي تفسير القرآن بالقرآن، ثم بما صحّ من السنّة، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، أوثقَ طرق التفسير عند أهل العلم؛ غير أنّ هذه الآثار كانت مبثوثةً في عشرات الكتب: في تفسير الطبري وابن أبي حاتم وعبد الرزاق وسعيد بن منصور، وفي مصنّفات ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه، وفي كتب السنّة والدلائل والفضائل. فرأى السيوطي أن يجمع هذا المتفرّق في ديوانٍ واحد، حفظًا له وتيسيرًا على طالبه، فألّف أوّلًا كتابه الكبير «ترجمان القرآن في التفسير المسند»، ساق فيه الآثار بأسانيدها كاملةً على طريقة المحدّثين.
ثم إنّ ذلك الأصل المُسند جاء كبير الحجم ثقيل المحمل، فرغب إليه من رغب في تخفيفه؛ فعمد إلى حذف الأسانيد والاكتفاء بنسبة كلّ أثرٍ إلى مَن خرّجه من الأئمة، فيقول: «أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس» ونحو ذلك، ويسوق متن الأثر مجرّدًا من سلسلة رواته. فخرج الكتاب الأصغر المسمّى «الدر المنثور في التفسير بالمأثور»، وهو الذي شاع وسار به ذكر المؤلّف، وصار المتداول المعروف بهذا الاسم، بينما بقي أصله «ترجمان القرآن» أعزّ وجودًا.
وبهذا يكون «الدر المنثور» ثمرة مشروعٍ متكامل عند السيوطي في خدمة القرآن وعلومه؛ فهو في علوم القرآن صاحب «الإتقان»، وفي التفسير الوجيز صاحب «الجلالين»، وفي التفسير المأثور صاحب هذا «الدر». كأنّه أراد أن يترك للأمّة في كتاب الله ثلاثة أبوابٍ: بابًا في قواعد فهمه وعلومه، وبابًا في تفسيره الموجز، وبابًا جامعًا لكلّ ما أُثر عن السلف في معانيه.
أراد أن يحفظ ما تناثر من مأثور التفسير في مئات الأسفار قبل أن تبتلعه الأيام، فجمعه في عِقدٍ واحد، فسمّاه «الدرَّ المنثور».
سار السيوطي في كتابه على ترتيب المصحف الشريف، سورةً سورة وآيةً آية؛ فيذكر الآية أو طرفًا منها، ثم يسرد تحتها ما وقف عليه من الآثار المتعلّقة بها: من تفسيرٍ لمعناها، وبيانٍ لسبب نزولها، وذكرٍ لفضلها، وما ورد في قراءتها، وما نُقل عن الصحابة والتابعين في المراد منها. فهو ديوانٌ يجمع تحت كلّ آيةٍ حصيلةَ ما تفرّق في الكتب من مرويّات السلف، حتى يكاد القارئ يجد عند الآية الواحدة أقوالًا كثيرةً مسندةً إلى مخرّجيها.
وأخصّ ما يميّز منهجه أنه جرّد الآثار من أسانيدها واكتفى بعزوها إلى من رواها من أصحاب الكتب المسندة؛ فتراه يقول: «أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد» ثم يسوق الأثر. وهذه الطريقة في العزو جعلت الكتاب واسع المادّة سهل التناول، لأنه يفتح لك على الآية أبوابًا من عشرات المصادر دفعةً واحدة، ويدلّك على مظانّ كلّ روايةٍ إن أردت الرجوع إلى أصلها المسند والحكم على إسنادها.
ومن سمات المنهج أنّ السيوطي في الغالب ناقلٌ جامعٌ لا مُرجّح ولا مُعلّق؛ فهو قلّما يتكلّم برأيه أو يفصل بين الروايات، وإنما يجمع ما وجد ويَكِل تمييزه إلى القارئ العالم. ولذلك كان الكتاب سِجلًّا أمينًا لما أُثر، لا كتاب انتقاءٍ وترجيح؛ وهذا وجهُ قوّته من جهة السعة والاستيعاب، وموضعُ ما يُنبَّه عليه من جهة الحاجة إلى تمحيص المرويّات.
لا يكاد يمرّ بك في «الدر المنثور» موضعٌ من كتاب الله إلا وجدتَ تحته من أقوال السلف ما يفتح لك أبوابًا كنت تحسبها موصدة.
قيمة «الدر المنثور» الكبرى أنه حفِظ للأمّة كنوزًا كادت تضيع؛ فقد نقل عن كتبٍ في التفسير والحديث ذهبت أصولها ولم يبقَ منها إلا ما اقتبسه المؤلّف وأمثاله، كتفاسير ابن المنذر وابن مردويه وعبد بن حميد وأجزاءٍ من غيرها. فصار الكتاب مرجعًا لا غنى عنه لمن أراد أن يستقصي مأثور التفسير، أو أن يعيد بناء موادّ تلك الكتب المفقودة من خلال نقول السيوطي عنها، وهذه خدمةٌ جليلة لتاريخ التفسير وطبقاته.
وفي مقابل هذه السعة يُنبَّه طالب العلم إلى أنّ الكتاب جامعٌ لا مُنقٍّ؛ فلمّا حذف السيوطي الأسانيد، ولم يلتزم تمييز الصحيح من الضعيف، اجتمع فيه الغثّ والسمين: من الصحيح الثابت، والضعيف، والمنكر، وشيءٍ من الإسرائيليات والمرويّات الواهية. فليس كلّ ما فيه حجّةً بمجرّد وروده، بل يحتاج القارئ إلى ردّ الأثر إلى مصدره المسند والنظر في إسناده قبل الاعتماد عليه، وهذا شأن كتب الجمع والمأثور عمومًا.
والطريق الأمثل في الانتفاع به أن يُتّخذ خزانةً واسعةً يُستكشف منها ما أُثر في الآية، ثم يُرجَع إلى الأصول المسندة وكتب أهل العلل والتخريج لتمييز المقبول من المردود. وبهذا يجمع القارئ بين سعة «الدر المنثور» في الاستيعاب ودقّة النقد الحديثيّ في التمحيص، فيأخذ نوره ويأمن غوائله.
احتلّ «الدر المنثور» مكانةً رفيعة بين دواوين التفسير بالمأثور، فذُكر مع «جامع البيان» للطبري و«تفسير ابن أبي حاتم» و«تفسير ابن كثير» في مصافّ أوثق ما جُمع من مرويّات السلف في معاني القرآن، بل كان من أوسعها استيعابًا لعدد الآثار وتنوّع مصادرها. وصار عمدةً لكلّ من عُني بالتفسير النقليّ من المتأخّرين، يُنقل عنه ويُحال عليه في تخريج الآثار وجمع أقوال الصحابة والتابعين.
وقد طُبع الكتاب مرارًا وتناقلته المطابع؛ فمن أشهر طبعاته القديمة طبعة بولاق (المطبعة الأميرية) بمصر في نحو ستّة مجلدات، ثم تتابعت طبعات دار الفكر ودار الكتب العلمية وغيرها. ومن أجود ما خرج فيه الطبعة المحقّقة التي عُني بها مركز هِجْر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، وجاءت في نحو سبعة عشر مجلدًا مع الفهارس، ضُبط فيها النصّ وخُرّجت الآثار وعُزيت إلى مصادرها.
وأمّا أثره فباقٍ على القرون؛ إذ ظلّ مرجعًا للمفسّرين والباحثين في التفسير المأثور، ومَعينًا لمن يستخرج أقوال السلف في الآية الواحدة، ومَظِنّةً لموادّ كتبٍ اندثرت أصولها. وبقي شاهدًا على همّة السيوطي في الجمع والحفظ، وعلى أنّ خدمة كتاب الله لا تنحصر في الشرح والاستنباط، بل تمتدّ إلى صيانة ما أُثر عن الأوّلين لئلّا يضيع.
إن كنت تريد أن تعرف ما قاله السلف في آيةٍ من كتاب الله، فـ«الدر المنثور» بابك الواسع؛ افتح على السورة التي تريد، وامضِ مع آياتها على ترتيب المصحف، وتأمّل كيف يجمع السيوطي تحت الآية الواحدة أقوال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من رواياتٍ منتشرةٍ في عشرات الكتب. واجعل قراءتك استكشافًا لمعاني الآية من أفواه الأوّلين، مع تذكّر أنّ الكتاب جامعٌ يحتاج ما فيه إلى تمييزٍ ونظرٍ في الأسانيد عند الاحتجاج.
وفي القارئ على رحلة تجد نصّ «الدر المنثور» كاملًا مرتّبًا على السور والآيات، مع فهرسٍ يوصلك إلى أيّ سورةٍ أو موضعٍ بضغطةٍ واحدة، تنتقل بين المواضع بيسر وتعود إلى موضعك متى شئت. اقرأه لتغرف من أوسع دواوين التفسير المأثور جمعًا لآثار السلف، كاملًا وبلا حواجز، مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
الدر المنثور كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
2123 فصلاً

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
7819 فصلاً

محمد بن أحمد + عبدالرحمن بن أبي بكر المحلي + السيوطي
1 فصل

أبو عبد الله القرطبي
3375 فصلاً

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ)
2279 فصلاً