عن الكتاب
في القرن السادس الهجري وقف رجلٌ جمع في صدره علوم زمانه كلها، الكلام والفلسفة والمنطق واللغة والطب والفلك، ثم عكف على كتاب الله يستنطقه بكل ما ملكت يداه من أدوات العقل. لم يمرّ بآية إلا فتّتها إلى مسائل ووجوه، وأورد على نفسه الإشكالات ثم أجاب عنها، حتى صار كل موضع في كتابه مجلسًا كاملًا في العلم لا سطرًا في تفسير. جاء الكتاب موسوعةً تضم بين دفتيها خلاصة الحضارة الإسلامية العقلية في أوجها. هذا هو «مفاتيح الغيب»، المعروف بالتفسير الكبير، والذي يعرفه الناس باسم صاحبه: تفسير الرازي.

وُلد محمد بن عمر بن الحسين الرازي سنة 544 هـ في مدينة الرَّي، وإليها نسبته، ونشأ في بيت علم على يد أبيه ضياء الدين خطيب الرَّي، حتى عُرف زمنًا بـ«ابن خطيب الرَّي». بكّر في الطلب فبرع في المعقول والمنقول جميعًا: أتقن أصول الدين والفقه واللغة، وغاص في الفلسفة والمنطق والرياضيات والطب، حتى صار من أوسع أهل عصره اطلاعًا على علوم الأوائل.
صار الرازي إمام المتكلمين في زمانه بلا منازع، شافعيَّ المذهب، أشعريَّ العقيدة. جاب خراسان وما وراء النهر مناظرًا للمعتزلة والكرّامية والفلاسفة والباطنية، وعلا شأنه عند ملوك الغورية والخوارزمية حتى صار من أقرب العلماء إليهم. وخلّف مصنفات ضخمة صارت أعمدةً في فنونها، منها «المحصول» في أصول الفقه، و«المطالب العالية» و«المحصّل» في الكلام، و«المباحث المشرقية» و«شرح الإشارات» في الفلسفة، و«أساس التقديس» في العقيدة.
ويُروى عنه في آخر عمره كلمةٌ تكشف عن رحلة قلبه بعد طول المجادلة العقلية، إذ أوصى بترك التعمق في مضايق الكلام والرجوع إلى صريح الوحي. توفي رحمه الله بمدينة هراة سنة 606 هـ، بعد أن ملأ الدنيا علمًا وجدلًا وتصنيفًا.
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقةَ القرآن.
كُتب «مفاتيح الغيب» في عصرٍ محتدم الجدل، تتقاذفه تيارات المعتزلة وأهل السنة والفلاسفة المتأثرين بابن سينا والباطنية. كانت الفلسفة اليونانية قد بلغت أوجها في العالم الإسلامي، وصارت شبهاتها تهدد يقين العامة والخاصة. فأراد الرازي أن ينتصر للوحي بسلاح خصومه أنفسهم: أن يخوض ميدان العقل ويهزم الفلاسفة والمعتزلة على أرضهم، ويجعل القرآن هو الفيصل الذي تُردّ إليه كل مسألة.
ولذلك لم يقصد الرازي أن يكتب تفسيرًا مختصرًا يشرح الغريب ويبيّن المعنى، بل عمد إلى أن يجعل كتابه خزانةً يودع فيها علومه كلها على ترتيب المصحف. فجاء أوسع من أن يُسمى تفسيرًا وحده: هو كتاب في العقيدة والأصول والحكمة واللغة والبلاغة والطبيعيات، نُظم كله في سِلك آيات القرآن آيةً آية.
وقد اختلف العلماء: هل أتمّ الرازي تفسيره أم اخترمته المنية دون تمامه؟ والمشهور أنه لم يكمله بنفسه، وأن جماعة من العلماء أكملوه بعده على منواله ومنهجه حتى تمّ، ويُذكر في مقدمتهم نجم الدين أحمد القمولي وشهاب الدين بن خليل الخويي. ومع ذلك بقي الكتاب يُنسب إلى الرازي وحده لأن روحه ومنهجه وأكثره من عمله.
يقوم منهج الرازي على تفكيك الآية إلى «مسائل» مرقّمة و«وجوه» متعددة، ثم يسبر كل وجه بالتقسيم والاستقصاء، فيورد السؤال والإشكال ويتولى الجواب عنه. تحوّل هذا الأسلوب كل آية إلى بحث مستقل يعرض فيه أقوال المفسرين واللغويين والمتكلمين، ويوازن بينها بميزان النظر العقلي، فتقرأ في الصفحة الواحدة ما يعدل درسًا في علمٍ قائم بذاته.
وموسوعية الكتاب هي أبرز ما يميّزه: تجد فيه مباحث الكلام وأصول الدين، وأصول الفقه، والمنطق والفلسفة، والبلاغة وإعجاز القرآن، والنحو واللغة، بل مسائل من الطبيعيات والفلك والرياضة. وهو في ذلك كله منتصرٌ لمذهب أهل السنة على طريقة الأشاعرة، رادٌّ على المعتزلة والفلاسفة والباطنية، يفنّد حججهم بأدواتهم نفسها.
ومن أخصّ ما اشتُهر به الرازي عنايته البالغة بعلم المناسبة؛ فهو يجتهد في بيان وجه اتصال الآية بما قبلها، والسورة بما قبلها، حتى يُري القرآن نسيجًا واحدًا محكم الترتيب لا آياتٍ متناثرة. وقد عدّه أهل هذا الفن من أئمته السابقين إليه، وصار كتابه مَعينًا لكل من جاء بعده في تلمّس أسرار النظم القرآني.
اشتهرت في وصف الكتاب عبارةٌ ناقدة تلخّص أكبر المآخذ عليه، وهي أنه «فيه كل شيء إلا التفسير»، نُسبت إلى أبي حيان الأندلسي. ومعناها أن الرازي كثيرًا ما يستطرد في مسائل الكلام والفلسفة والعلوم العقلية حتى تكاد الآية تغرق تحت ركام المباحث، فيبحث القارئ عن معنى الكلمة فلا يكاد يجده بين طيّات النظر والجدل.
لكن المنصفين ردّوا هذه المبالغة، وقالوا: من زعم أن الكتاب خالٍ من التفسير فقد ظلمه، فإنه مملوء باللطائف والفوائد ودقائق المعاني، وإنما اتّساعه في سائر العلوم زيادةٌ لا نقص، وخزانةٌ لا عيب. فالكتاب عندهم موسوعةٌ يجد فيها المفسّر واللغوي والمتكلم والأصولي والبلاغي حاجته، وقلّ أن يُطرح فيه سؤالٌ عقلي إلا وجدت له جوابًا.
وأخذ عليه بعض أهل الحديث والأثر إغراقه في علم الكلام ونقله شبه الفلاسفة والمعتزلة بقوةٍ ووضوح، حتى قيل في نقده إنه «يورد الشبهة نقدًا ويحلّها نسيئة»؛ أي يعرض الإشكال قويًّا حاضرًا، ويؤجّل جوابه أو يضعّفه أحيانًا. ومع هذه المآخذ يبقى الكتاب من أعظم ما كُتب في التفسير العقلي، لا يستغني عنه محقّق.
فيه كل شيء إلا التفسير.
ترك «مفاتيح الغيب» بصمةً واسعة في كل من جاء بعده من المفسرين؛ فاختصره البيضاوي وأودع خلاصته في «أنوار التنزيل»، ونقل عنه النيسابوري وأبو السعود، واعتمد عليه الآلوسي اعتمادًا ظاهرًا في «روح المعاني». فصار الكتاب أشبه بالبحر الذي تفرّعت عنه أنهار التفسير العقلي في القرون التالية.
وقد طُبع الكتاب مرارًا وانتشرت نسخه في العالم الإسلامي، ومن أشهر طبعاته ما صدر عن دار إحياء التراث العربي ودار الفكر في نحو اثنين وثلاثين مجلدًا، وهو حجمٌ يشهد وحده على سعة مادته وموسوعيته.
ومع ما وُجّه إليه من نقدٍ في منهجه الكلامي، ظل الكتاب مرجعًا لا يُستغنى عنه لباحث في التفسير أو الكلام أو أصول الفقه أو البلاغة، وشاهدًا على قدرة العقل المسلم، في عصر ازدهاره، على أن يستوعب علوم زمانه كلها ويجعلها في خدمة كتاب الله.
لا تُثقل نفسك بقراءته من أوله إلى آخره؛ افتح الفهرس واختر السورة أو الآية التي تشغل قلبك، فكل موضعٍ عند الرازي مجلس علمٍ قائم بذاته يمكن أن تجلس إليه وحده. ابدأ بتفسير الفاتحة، فقد أفرد لها الرازي مباحث مطوّلة تريك طريقته في تفتيت المعنى واستقصاء الوجوه، ومنها تعرف كيف تقرأ سائر الكتاب.
وفي القارئ هنا تجد النص كاملًا مرتبًا على السور والآيات كما وضعه المؤلف، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي سورة أو موضع بضغطة واحدة. اقرأه كاملًا مجانًا على رحلة، وتنقّل بين مسائله ووجوهه على مهلٍ كما يُتنقّل في خزائن العلم.
النص الكامل بين يديك
تفسير الرازي كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
2123 فصلاً

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
7819 فصلاً

محمد بن أحمد + عبدالرحمن بن أبي بكر المحلي + السيوطي
1 فصل

أبو عبد الله القرطبي
3375 فصلاً

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ)
2279 فصلاً