عن الكتاب
في القرن السابع الهجري، وبينما كانت مدائن الإسلام تحفل بالعلماء والوزراء والشعراء والملوك، شغَل قاضٍ أديبٌ من أهل إربل نفسَه بسؤالٍ لطيف: من هؤلاء الأعيان الذين تُذكر أسماؤهم وتُروى أخبارهم، ومتى وُلدوا ومتى ماتوا، وكيف يُضبط اسمُ الواحد منهم ونسبُه؟ رأى أنّ كتب التاريخ تفرّق أخبارهم بين دفّاتها وتختلف في تواريخ وفياتهم، فعزم على أن يجمع لهم ديوانًا واحدًا مرتّبًا على حروف المعجم، يُحرّر فيه التواريخ ويضبط الأسماء ويُطرّزه بالنوادر والأشعار وطرائف الأخبار. جلس لذلك سنينَ في القاهرة ودمشق يُنقّب في الدواوين ويُسائل الرواة، حتى خرج من يده أجمعُ معجمٍ في تراجم أعيان الأمة وأجملُه أسلوبًا: «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان».

هو أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن خلكان، البرمكيُّ نسبًا في قول أهله، الإربليُّ مولدًا، الشافعيُّ مذهبًا. وُلد بمدينة إربل شماليَّ العراق سنة 608 هـ في بيت علمٍ وقضاء، فنشأ على طلب العلم منذ صِغره، وارتحل في طلبه بين إربل والموصل وحلب ودمشق ومصر، فسمع من كبار الشيوخ في الحديث والفقه والأدب والتاريخ، ونهل من مجالس الرواية والإسناد التي كانت تعمر بها تلك الحواضر.
جمع ابن خلكان إلى الفقه والقضاء أدبًا رفيعًا وذاكرةً حافلة بأخبار الناس وأشعارهم وأنسابهم؛ فتولّى القضاء نائبًا بمصر، ثم رُقّي إلى منصب قاضي القضاة للشافعية بدمشق فوليَه غير مرة، وكان في ذلك كله موصوفًا بالنزاهة وحُسن السيرة ولطف المعشر ودماثة الخُلق. لم يكن قاضيًا يُصدر الأحكام فحسب، بل كان عالمًا مؤرّخًا أديبًا تُشدّ إليه الرحال في العلم كما تُقصد أبوابُه في القضاء.
توفي ابن خلكان بدمشق سنة 681 هـ ودُفن بسفح قاسيون، بعد حياةٍ حافلة جمعت بين العلم والولاية والتأليف. وقد ذاع صيته في الآفاق بكتابٍ واحد طبّق شهرتُه المشرق والمغرب، حتى صار اسمه يُذكر بذكره ويُعرَّف به، وهو «وفيات الأعيان»، الذي جعله في مصافّ كبار المؤرخين وحفظ له مكانةً في تراث الأمة لا تزال قائمة إلى اليوم.
كان الباعثُ على الكتاب حاجةً علميةً محسوسة؛ فأخبار الأعيان من العلماء والملوك والأدباء كانت مبثوثةً في بطون كتب التاريخ العامّة، متفرّقةً بين حوادث السنين، مختلفةً في تواريخ المواليد والوفيات، يشقّ على الطالب أن يجمع سيرة رجلٍ واحد أو يتحقّق من سنة وفاته. فعزم ابن خلكان على أن يُفرد للأعيان معجمًا مستقلًّا يجمع شتاتهم، ويرتّبهم ترتيبًا يُيسّر الكشف عنهم، ويعتني بضبط أسمائهم وتحقيق وفياتهم عنايةً خاصة، حتى صارت الوفيات عنوانَ الكتاب ومحورَ همّه.
وقد شرع في تأليفه بالقاهرة، ثم واصل تحريره وتنقيحه بين مصر والشام سنينَ عددًا حتى استوى على سُوقه، فجاء ثمرةَ نحو عقدين من الجمع والتحرير. استمدّ مادته من الكتب المصنّفة قبله ومن أفواه الشيوخ والرواة الذين لقيهم في رحلاته، فاجتمع له بذلك ما لم يجتمع لغيره من سعة الاطّلاع وتنوّع المصادر، مكتوبها ومسموعها.
وجاء هذا العمل في زمنٍ مضطرب من تاريخ الإسلام؛ فقد عاصر ابن خلكان سقوط بغداد بيد التتار سنة 656 هـ وانطفاء الخلافة العباسية، وشهد انتقال السلطان في الشام ومصر إلى دولة المماليك. وفي خِضمّ هذه الأحداث الجسام كانت القاهرة ودمشق ملاذًا للعلم وأهله، فجاء «وفيات الأعيان» سِجلًّا يحفظ للأمة وجوهَ رجالها وذاكرةَ حضارتها في زمنٍ كان كثيرٌ من معالمها مهدَّدًا بالضياع.
أراد أن يحفظ للأمة وفيات أعيانها، فإذا التاريخ عنده ليس أرقامًا تُحصى، بل وجوهٌ تُذكر وسِيَرٌ تُروى.
رتّب ابن خلكان كتابه على حروف المعجم بأسماء أصحاب التراجم، فجعل الكشف عن الرجل يسيرًا لا يحتاج إلى تنقيبٍ في حوادث السنين كما في كتب التاريخ الحوليّة، ثم راعى مَن اشتُهروا بالكُنى أو الألقاب أو الأنساب فنبّه عليهم ليصل إليهم القاصد من أيّ باب. وبهذا الترتيب المعجمي المحكم صار الكتاب مرجعًا يُفتَح عند الحاجة، لا ديوانًا يُقرأ من أوله إلى آخره فحسب.
وكان من أخصّ مناهجه العنايةُ البالغة بضبط الأسماء والأنساب والمواليد والوفيات؛ فيُحرّر نطق الاسم وشكله ويردّ النسب إلى أصله، ويُثبت سنة الميلاد إن عرفها وسنة الوفاة بأكبر ما يقدر عليه من التحقيق، بل يذكر أحيانًا اختلاف المؤرخين في التاريخ ويرجّح. ومن أجل هذه العناية سمّى كتابه بـ«الوفيات»، إذ جعل تحقيق تاريخ الموت علامةً على دخول الرجل في كتابه، فلم يُترجم إلا لمن تحقّقت عنده وفاتُه.
أما مَن ترجم لهم فطبقاتٌ متنوّعة تمثّل نُخبة الحضارة الإسلامية: من الفقهاء والمحدّثين والمفسّرين، إلى النحويين واللغويين والأدباء والشعراء، إلى الخلفاء والملوك والوزراء والقُوّاد والأطباء والحكماء. وقد عمد إلى ترك الصحابة والخلفاء الراشدين وكبار الأئمة الذين اشتهرت أخبارهم واستفاضت سِيَرهم، لأنّ شهرتهم تُغني عن الترجمة لهم، فتفرّغ لمن تُطلَب أخبارهم ولا تُوجد مجموعةً في مكان.
ليست قيمة «وفيات الأعيان» في مادته التاريخية وحدها، بل في أسلوبه الأدبي البديع الذي رفعه فوق كتب التراجم الجافّة؛ فابن خلكان أديبٌ قبل أن يكون مؤرّخًا، ينسج الترجمة نسجًا يجمع إلى الخبر الموثّق ملحةً من النوادر، وطُرفةً من الأشعار، وإشارةً إلى اشتقاق الاسم أو معنى النسبة، فيقرأ القارئُ السيرة فيجد فيها متعة السَّمَر مع فائدة العلم. ولهذا كان الكتاب مما يُستمتَع بقراءته ويُطالَع للتسلية كما يُرجَع إليه للتحقيق.
وقد جعله تحرّيه للدقة وضبطُه للتواريخ مرجعًا موثوقًا اعتمده من جاء بعده من كبار المؤرخين والحفّاظ؛ فنقلوا عنه وعوّلوا على ما حقّقه، وصحّحوا به أوهام غيره. فاجتمع للكتاب بذلك وصفان قلّ أن يجتمعا: أمانةٌ في النقل ودقّةٌ في الضبط من جهة، وحلاوةٌ في العرض وجمالٌ في الأسلوب من جهة أخرى، فكان بحقٍّ من أنفس ما صُنّف في بابه.
كتابٌ تقرؤه فتحسبه ديوانَ سَمَرٍ من النوادر والأشعار، ثم تُغلقه فإذا هو سِجلُّ أمّةٍ محرَّرُ التواريخ مضبوطُ الأسماء.
يُعدّ «وفيات الأعيان» من أوائل معاجم التراجم العامة الجامعة التي لم تقتصر على طبقةٍ بعينها ولا على قرنٍ أو بلد، فصار نموذجًا يُحتذى في فنّ التراجم بعد ابن خلكان. وقد عوّل عليه المؤرخون من بعده ونقلوا عنه، كالذهبي والصفدي وابن كثير وابن تغري بردي، فبات مصدرًا أصيلًا لا يستغني عنه باحثٌ في تاريخ رجال تلك القرون.
ولمّا بلغ الكتاب هذه المنزلة، تصدّى العلماء لتكملته وذَيْله؛ فأشهر ذيوله «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (المتوفى 764 هـ)، جمع فيه تراجم من فاتوا ابن خلكان على منواله. وجاء بعده الصفدي فبنى على المشروع نفسه كتابه الضخم «الوافي بالوفيات»، فامتدّ أثر ابن خلكان في سلسلةٍ من المعاجم سارت على طريقته في الترتيب والعناية بالوفيات.
أما في العصر الحديث فأشهر طبعاته وأتقنُها تحقيقُ الدكتور إحسان عباس الصادر عن دار صادر ببيروت في ثمانية مجلدات، وهو المعتمد بين الباحثين لضبطه وتخريجه. وقد تجاوزت شهرة الكتاب حدود العربية، فتُرجم إلى الإنجليزية على يد المستشرق البارون دي سلان في القرن التاسع عشر، فكان من أوائل كتب التراث العربي الكبرى التي تعرّف إليها المستشرقون واتّخذوها مصدرًا في دراساتهم.
يمكنك أن تقرأ «وفيات الأعيان» على وجهين: أن تتنقّل فيه على حروف المعجم كما رتّبه ابن خلكان، فتمرّ على أعيان الأمة ترجمةً ترجمة كأنك تُطالع سِجلَّ حضارةٍ بأكملها؛ أو أن تقصد عَلَمًا بعينه من فقيهٍ أو شاعرٍ أو ملكٍ يعنيك أمرُه، فتفتح ترجمته وتقرأ خبرَه محرَّرًا مضبوطًا مطرَّزًا بالنوادر والأشعار.
افتح الفهرس وتنقّل بين التراجم بضغطةٍ واحدة، واقرأ النصّ كاملًا مجانًا على رحلة. ستجد في كل ترجمةٍ مادةً للعلم ومتعةً للقراءة معًا، فابدأ بمن شئت من الأعيان، ودَع أسلوب ابن خلكان يأخذ بيدك في رحلةٍ بين وجوه أمّةٍ وذاكرتها.
النص الكامل بين يديك
وفيات الأعيان كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
335 فصلاً

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
3806 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310ه)
71 فصلاً

أبي القاسم علي بن الحسن إبن هبة الله بن عبد الله الشافعي
1294 فصلاً

أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني
4390 فصلاً

أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
228 فصلاً