عن الكتاب
يعود شابٌّ سودانيٌّ إلى قريته على ضفاف النيل بعد سنواتٍ قضاها طالبًا في إنجلترا، مشتاقًا إلى أهله ونخيله وحكاياته القديمة، فيجد بين الوجوه المألوفة وجهًا غريبًا لا يعرف أحدٌ حقيقته: رجلٌ صموتٌ اسمه مصطفى سعيد يُخفي وراء سكونه ماضيًا عاصفًا في الشمال البعيد. وفي ليلةٍ يفلت فيها لسانه، يبوح للراوي بحكايته المذهلة؛ نبوغٌ باكرٌ حمله من السودان إلى لندن، ثم سلسلةٌ من العلاقات المدمّرة انتهت بمأساةٍ وسجن. ومن تلك الليلة يتشابك مصير الراوي بظلّ هذا الرجل الغامض وأسراره، في رحلةٍ إلى أعماق الذات والتاريخ والصراع بين الشرق والغرب. إنها «موسم الهجرة إلى الشمال»، رائعةُ الأديب السوداني الطيب صالح.

يفتتح الطيب صالح روايته بعودة راوٍ سودانيٍّ شابٍّ، لا نعرف اسمه، إلى قريته الصغيرة على النيل، شماليّ السودان، بعد سنواتٍ من الدراسة في إنجلترا. يعود ممتلئًا بالحنين إلى الأهل والنخيل ومجالس القرية، مطمئنًّا إلى أنه ما يزال جزءًا من هذا العالم الأليف. لكنّ وجهًا واحدًا يقلق سكينته؛ رجلٌ غريبٌ استقرّ في القرية في غيابه اسمه مصطفى سعيد، هادئٌ متحفّظٌ لا يكاد يبوح بشيءٍ عن ماضيه.
وفي ليلةٍ سكِرٍ يتهاوى فيها حجاب الصمت، يكشف مصطفى للراوي عن سرٍّ مذهل: أنه هو الآخر ابن هذه البلاد، نبغَ باكرًا فحمله ذكاؤه من الخرطوم إلى القاهرة ثم إلى لندن، حيث صار أكاديميًّا لامعًا وعاش سنواتٍ صاخبةً من العلاقات المضطربة مع نساءٍ إنجليزيات، انتهت بفاجعةٍ ومحاكمةٍ وسجن. ثم عاد ليدفن اسمه وحكايته في قريةٍ نائيةٍ لا يعرفه فيها أحد.
ولا يلبث مصطفى أن يختفي في فيضان النيل تاركًا وراءه غموضًا وأمانةً ثقيلة، فيجد الراوي نفسه محاصَرًا بظلّ الرجل وأسراره وميراثه في القرية. ومن هنا تنساب الأحداث نحو مواجهاتٍ إنسانيةٍ موجعة تكشف ما تحت سطح الحياة القرويّة الوادعة من عنفٍ ورغبةٍ ومصائر مأساوية، وهي عُقدٌ نتركها للقارئ يكتشفها بنفسه.
وُلد الطيب صالح سنة 1929م في شمال السودان، في بيئةٍ ريفيةٍ على ضفاف النيل ظلّت حاضرةً في وجدانه وأدبه طوال حياته. تلقّى تعليمه في السودان ثم غادر إلى إنجلترا، وعمل سنواتٍ طويلةً في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في لندن، كما تنقّل لاحقًا بين مؤسّساتٍ ثقافيةٍ ودولية. وقد أتاحت له هذه الحياة بين ضفّتين، قريةِ الطفولة وعواصمِ الغرب، أن يكتب عن لقاء العالمَين من الداخل.
لم يكن الطيب صالح غزير الإنتاج، لكنّ قلّة أعماله لم تنقص من عظيم أثرها. فإلى جانب «موسم الهجرة إلى الشمال» كتب رواية «عرس الزين» ومجموعة «دومة ود حامد» وثلاثية «بندرشاه» بجزأيها «ضو البيت» و«مريود»، ونسج فيها جميعًا عالمًا قرويًّا متخيّلًا هو «ود حامد» صار علامةً على أدبه، تختلط فيه الحكاية الشعبية بالبناء الروائيّ الحديث.
بهذه الأعمال القليلة العميقة تبوّأ الطيب صالح مكانةً رفيعةً في المشهد العربيّ، حتى لُقّب بـ«عبقريّ الرواية العربية». وحين رحل في لندن سنة 2009م، نُعِي بوصفه واحدًا من أكبر روائيّي العربية في القرن العشرين، وظلّ اسمه مقترنًا قبل كل شيء بروايته التي حملت السودان والأدب العربيّ إلى العالم.
في قلب الرواية يقف سؤال اللقاء بين الشرق والغرب، لكنه هنا لقاءٌ جريحٌ تسكنه ظلال الاستعمار. فمصطفى سعيد ليس ضحيةً ساذجة، بل يخوض في الغرب نوعًا من «الغزو المعكوس»؛ يقلب أدوات المستعمِر عليه، ويجعل من علاقاته بالنساء ساحةَ ثأرٍ رمزيٍّ من تاريخٍ طويلٍ من الهيمنة. وبهذا تتحوّل الحكاية الفردية إلى استعارةٍ عن جراح الاستعمار وما يخلّفه في نفوس أبناء المستعمَرات.
وتحت هذا الصراع تجري أسئلةٌ أعمق عن الهُويّة والانتماء والاغتراب: من نحن حين نعبر بين ثقافتين؟ وهل يمكن العودةُ حقًّا إلى الجذور بعد أن غيّرنا الشمال؟ الراوي ومصطفى سعيد وجهان لتجربةٍ واحدة، يتماهيان ويفترقان، حتى يصير مصطفى مرآةً مقلقةً يخشى الراوي أن يرى فيها مصيره. وتتردّد في النصّ إشاراتٌ إلى عطيل الشكسبيريّ، فينفي مصطفى عن نفسه تلك الصورة النمطية عن «الشرقيّ» في المخيّلة الغربية.
وكثيرًا ما تُقرأ الرواية بوصفها ردًّا معكوسًا على أدب الرحلة الاستعماريّ، وخاصةً رواية «قلب الظلام» لجوزيف كونراد؛ فبدل الرحلة من الشمال إلى «ظلام» الجنوب، ها هي رحلةٌ من الجنوب إلى الشمال. كما تفتح الرواية بابًا موجعًا على واقع المرأة والتقاليد في القرية، فتكشف عبر مصائر بعض شخصياتها عن عنفٍ كامنٍ تحت سكون الحياة الوادعة، من غير أن تصدر أحكامًا جاهزة.
ظهرت الرواية أول مرة سنة 1966م منشورةً في مجلة «حوار» البيروتية، ثم صدرت كتابًا، فأحدثت أثرًا فوريًّا في الأوساط الأدبية العربية بجرأتها الفنية والفكرية. ولم يخلُ طريقها من عثرات؛ إذ مُنعت فترةً في السودان بسبب صراحة بعض مشاهدها، شأن كثيرٍ من الأعمال التي سبقت زمنها، قبل أن يُعاد الاعتبار إليها ويُحتفى بها بوصفها فخرًا وطنيًّا وأدبيًّا.
أما نقديًّا فقد تبوّأت الرواية مكانةً نادرة؛ فعُدّت من أهمّ الروايات العربية في القرن العشرين، بل رأى فيها كثيرٌ من النقّاد أهمَّها على الإطلاق، واختيرت ضمن قوائم أفضل الروايات العربية. وتجاوز صداها العربية إلى العالم؛ فتُرجمت إلى أكثر من عشرين لغة، وصدرت بالإنجليزية سنة 1969م بترجمة دنيس جونسون ديفيز، ودخلت المناهج الجامعية وصارت نصًّا مرجعيًّا في دراسات ما بعد الاستعمار.
بهذا الجمع بين العمق الفنيّ والحضور العالميّ، صارت «موسم الهجرة إلى الشمال» من أكثر الروايات العربية تأثيرًا ودراسةً وترجمة، ونموذجًا يُستشهد به على قدرة الأدب العربيّ الحديث على مخاطبة أسئلةٍ إنسانيةٍ كونية دون أن يفارق تربته وهُويّته.
يمتاز أسلوب الطيب صالح بلغةٍ شعريةٍ صافية تنساب كماء النيل الذي يحضر في الرواية حضورًا رمزيًّا ملحًّا؛ فالنهر شريانُ الحياة والموت، ومسرحُ العودة والاختفاء والمصير. ويمزج الكاتب بين نبرة الحكاية الشعبية السودانية بأمثالها وطرائفها ومجالس رجالها، وبين تقنيات السرد الحديث، فيصنع نصًّا يجمع أصالة المكان إلى وعيٍ فنيٍّ رفيع.
أما بناء الرواية فمُحكمٌ مركّب؛ إذ تتداخل الأصوات والأزمنة، وتتقدّم الحكاية وتتراجع عبر استرجاعاتٍ تكشف ماضي مصطفى سعيد على دفعات. وتقوم بنيتها على ازدواجٍ لافتٍ بين الراوي وبطله، وعلى قدرٍ محسوبٍ من الغموض يبقي أبواب التأويل مفتوحة. هذا الاقتصاد اللغويّ مع الكثافة الدلالية جعل الرواية قصيرةً في حجمها، عميقةً بعيدة الغور في أثرها.
هذه رواية لمحبّي الأدب الرفيع الذي يجمع المتعة إلى الفكر، ولمن يستهويه التأمّل في أسئلة الهُويّة والاغتراب وصراع الشرق والغرب وميراث الاستعمار. من يقدّر السرد الشعريّ المكثّف والبناء المركّب سيجد فيها عملًا يُقرأ أكثر من مرّة ويكشف في كل قراءةٍ عن طبقةٍ جديدة. غير أنّ بعض مشاهدها الصريحة وأجواءها القاتمة قد لا تناسب كل قارئ.
نقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يعينك على معرفة عالم الرواية وثيماتها وسرّ مكانتها قبل أن تقتنيها، دون أن نستضيف نصّها الكامل. والرواية متوفّرةٌ في طبعاتها ودُور نشرها وفي المكتبات ومنصّات البيع، ونحن هنا نضعك على أوّل الطريق إليها ونوجز لك خلاصتها وأسباب خلودها.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون