عن الكتاب
لمّا فرغ أبو حامد الغزالي من رحلته الطويلة في طلب اليقين، ومرّ بعلوم الكلام والفلسفة والتصوّف، ورجع إلى بلده طوس بعد سياحةٍ وخلوةٍ امتدّت سنين، أراد أن يترك للسالكين خريطةً صافيةً موجزة تدلّهم على الطريق إلى الله من غير تطويلٍ ولا تعقيد. فرأى أنّ العبادة ليست خطوةً واحدة، بل طريقٌ ذو منازلَ وعقبات، لا يبلغ العابد جنّة ربّه حتى يقطعها واحدةً بعد أخرى. فرسم هذه العقبات السبع رسمًا محكمًا، وجعل كلَّ عقبةٍ بابًا يُعالج فيه ما يعترض العابد من علمٍ يجهله، أو ذنبٍ يعوقه، أو عائقٍ يصدّه، أو باعثٍ يحرّكه، أو آفةٍ تُفسد عمله. هذا هو كتاب «منهاج العابدين إلى جنّة ربّ العالمين»، الذي عدّه كثيرون خاتمة ما أملى الغزالي من الحكمة والنصيحة.

هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، الملقّب بحجة الإسلام، وُلد بمدينة طوس من بلاد خراسان نحو سنة خمسين وأربعمائة للهجرة، ونشأ يتيمًا فقيرًا نهمًا للعلم، حتى رحل إلى نيسابور فلازم إمام الحرمين أبا المعالي الجويني، وبرع في الفقه والأصول والكلام والمنطق والفلسفة براعةً قلّ نظيرها في زمانه. ثم اتصل بالوزير نظام الملك فولّاه التدريس في المدرسة النظامية ببغداد وهو دون الأربعين، فذاع صيته وازدحم عليه الطلاب، وصار إمام وقته بلا مُنازع.
ثم داهمته أزمةٌ روحيةٌ عاصفة تبيّن له فيها أنّ علمه صار مطيّةً للجاه لا خالصًا لوجه الله، فترك بغداد ومنصبه، وساح في الشام وبيت المقدس ومكة قرابة عشر سنين في خلوةٍ ومجاهدةٍ وتصفيةٍ للقلب، ثم عاد إلى طوس. وسجّل تلك الرحلة في كتابه البديع «المنقذ من الضلال». وله من المصنّفات ما ملأ الآفاق: «إحياء علوم الدين»، و«تهافت الفلاسفة»، و«المستصفى» في الأصول، و«بداية الهداية»، وكتب في العقيدة والمنطق والتصوّف، حتى صار من أوسع علماء الإسلام أثرًا وأبعدهم صيتًا.
وقد جمع الغزالي ما تفرّق في غيره: عمقُ الفيلسوف، ودقّةُ الأصوليّ، وذوقُ العارف، ووعظُ الزاهد. فلم يكن كلامه في العبادة كلامَ ناقلٍ يروي أقوال السابقين فحسب، بل كلامَ من خبر الطريق بنفسه وقاسى عقباته، فجاءت كتبه في السلوك ممزوجةً بحرارة التجربة وصدق المعاناة، ومن أنضج ثمار ذلك كتابه «منهاج العابدين».
كتب الغزالي «الإحياء» موسوعةً كبرى تستغرق حياة المسلم من ظاهرها إلى باطنها في أربعين كتابًا، لكنّه أدرك أنّ كثيرًا من العابدين يعجزون عن قطع تلك الموسوعة الضخمة، ويحتاجون إلى دليلٍ صغيرٍ يأخذ بأيديهم في الطريق خطوةً خطوة. فأراد أن يصوغ خلاصة ما وصل إليه في كتابٍ موجزٍ محكمٍ، يجعل العبادة فيه رحلةً منظّمةً لها بدايةٌ ونهاية، ومنازلُ لا بدّ من قطعها؛ فكان «منهاج العابدين».
ويُعدّ الكتاب في تراث الغزالي من أواخر ما أملى، حتى جرى في كتب التراجم وصفُه بأنه من خاتمة مصنّفاته وعصارة تجربته في العبادة والسلوك. وسواءٌ كان آخرها على التحقيق أو من أواخرها، فإنّ روحه روحُ رجلٍ طوى شوطًا طويلًا في طلب النجاة، ثم جلس يلخّص للناس ما تعلّمه من أنّ العبادة عملٌ لا يصحّ إلا على علمٍ، وأنّ بين العبد وربّه عقباتٍ لا يبلغ الجنّة حتى يجاوزها.
وكان زمانه زمان اضطرابٍ فكريٍّ وسياسيّ: دولة السلاجقة في أوجها، والمدارس النظامية تُخرِّج الفقهاء، والفقه قد استحال عند كثيرين صناعةً للفتوى والمناظرة أكثر منه طريقًا للنجاة. فجاء «المنهاج» يذكّر العابد بأنّ غاية العلم العمل، وأنّ غاية العمل صلاحُ القلب والفوز بجنّة ربّ العالمين.
جعل الغزالي طريق العابد إلى ربّه سبع عقباتٍ متتاليات، لا تصحّ عبادةٌ إلا بقطعها على ترتيبها. فأولها «عقبة العلم والمعرفة»؛ إذ لا عبادة على جهل، فيلزم العابد أن يعلم ما يعبد الله به قبل أن يشرع فيه. وثانيها «عقبة التوبة»؛ فإنّ القلب المثقل بالذنوب لا ينهض إلى الطاعة حتى ينخلع من معاصيه ويتطهّر بالإنابة والرجوع إلى الله.
ثم «عقبة العوائق» وهي أربعةٌ تصدّ العابد عن ربّه: الدنيا بزينتها، والخلق بأهوائهم، والشيطان بوساوسه، والنفس بشهواتها؛ فيعالج كلَّ عائقٍ بضدّه: الزهد في الدنيا، والحذر من الخلق، وعداوة الشيطان، ومخالفة الهوى. ثم «عقبة العوارض» وهي ما يعرض للعابد في طريقه فيقلقه: همُّ الرزق، والمخاوف والأخطار، والقضاء والقدر، والمصائب؛ وعلاجها بأربعٍ يستقيم بها القلب: التوكل، والتفويض، والتسليم، والصبر.
ثم «عقبة البواعث» وهما الخوف والرجاء اللذان يحملان العابد على مواصلة السير: خوفٌ يزجره عن التقصير، ورجاءٌ يبعثه على المزيد، كجناحين لا يطير الطائر إلا بهما. ثم «عقبة القوادح» وهما آفتان تُفسدان العمل بعد تمامه: الرياء الذي يطلب ثناء الخلق، والعُجب الذي يرى العابد فيه عمله ويُدلّ به. وآخرها «عقبة الحمد والشكر»؛ فإذا جاوز العابد ما قبلها لم يبقَ له إلا أن يرى العبادة كلَّها منّةً من الله وتوفيقًا منه، فيحمده على أن جعله من أهلها، ويشكره شكرًا يستوجب المزيد. فالكتاب في جملته سُلّمٌ محكم ينقل القارئ من أول خطوةٍ في الطريق إلى منزلة الرضا والحمد.
يمتاز «المنهاج» بأنه يحوّل التصوّف والأخلاق من مسائلَ متفرقةٍ إلى طريقٍ واحدٍ متدرّج؛ فبدل أن يعالج كلَّ فضيلةٍ ورذيلةٍ على حدة كما في «الإحياء»، رتّب المقصود كلَّه على صورة رحلةٍ ذات عقباتٍ متسلسلة، تعرف فيها أين أنت من الطريق، وما الذي يعترضك في كلّ منزل، وبأيّ سلاحٍ تجاوزه. وهذا البناء المتدرّج هو سرُّ سهولته ورسوخه في الأذهان.
ومن سماته أنه عمليٌّ واعظٌ لا يكتفي بالتقرير النظري؛ فهو يصف الداء ويشخّصه ثم يصف الدواء بلغةٍ مؤثرةٍ حانية، يستشهد فيها بالآيات والأحاديث وآثار الصالحين وحِكَم العارفين، ويخاطب القلب قبل العقل. وقد جاء موجزًا مركّزًا يصلح للعامّة والخاصّة معًا، حتى صار من الكتب التي يُنصح المبتدئ في طريق العبادة بقراءتها أولًا، ثم يترقّى منها إلى موسوعات الغزالي الكبار.
وكثيرًا ما وُصف بأنه كالخلاصة السالكة لـ«الإحياء»؛ ففيه روحه ومقاصده مصفّاةً في قالبٍ صغير، من غير ما في «الإحياء» من تفصيلٍ واستطراد. ولذلك يجد فيه القارئ ثمرة تجربة الغزالي كلّها في العبادة والمجاهدة، مجموعةً في كتابٍ يُقرأ في أيام.
منهاج العابدين آخر ما صنّف الغزالي، وفيه خلاصة تجربته في العبادة والسلوك.
نال «منهاج العابدين» قبولًا واسعًا بين طلاب طريق الآخرة على مرّ القرون؛ لصغر حجمه ووضوح ترتيبه وصدق موعظته، فصار من الكتب المتداولة في مجالس التربية والسلوك، يُقرأ ويُقرَّر ويُوصى به المريدون والمبتدئون. وقد طُبع مرارًا في مصر والشام والهند وغيرها، وتناقلته المطابع قديمًا وحديثًا، ونُقلت معانيه إلى غير العربية، فبلغ من الانتشار ما يليق بكتابٍ يحمل اسم الغزالي وخلاصة تجربته.
وقد ذكر أهل العلم أنّ من الكتب ما أُخذ عليه اشتمالُه على أحاديث ضعيفةٍ في أبواب الترغيب والترهيب، شأن كثيرٍ من كتب الرقائق والوعظ؛ فينبغي لقارئه أن يأخذ منه هديه في السلوك ويلتمس تحقيق ما يُروى فيه من الأخبار في مظانّه. ومع ذلك بقيت مكانته راسخةً بوصفه دليلًا عمليًّا صافيًا يأخذ بيد العابد إلى ربّه، وامتدادًا لأثر الغزالي الذي طبع وجدان الأمة في علوم القلوب.
أفضل ما يُقرأ به «المنهاج» أن تأخذه على ترتيب عقباته السبع، لا تتجاوز عقبةً حتى تتأمّل ما فيها وتصلح ما يعنيك منها؛ فتبدأ بعقبة العلم لتعرف كيف تعبد الله على بصيرة، ثم التوبة لتطهّر القلب، ثم العوائق والعوارض لتزيل ما يصدّك ويقلقك، ثم البواعث لتحرّك همّتك بالخوف والرجاء، ثم القوادح لتحرس عملك من الرياء والعُجب، وتُختم بالحمد والشكر لتردّ الفضل كلَّه إلى الله.
وعلى رحلة تجد نصّ الكتاب كاملًا مرتّبًا على عقباته وأبوابه كما وضعه الغزالي، مع فهرسٍ يوصلك إلى أيّ عقبةٍ أو باب بضغطةٍ واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. اقرأه على مهلٍ متأمّلًا، فإنه كتاب سلوكٍ وعمل، والمقصود منه أن تقطع به الطريق حقًّا، لا أن تُقلَّب صفحاته فحسب.
النص الكامل بين يديك
منهاج العابدين كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن عبد الوهاب
1 فصل

محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
1 فصل

محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
1 فصل

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
1 فصل

ابن أبي العز الحنفي
1 فصل

تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية
1 فصل