عن الكتاب
في خلوةٍ منقطعةٍ على تخوم الصحراء، اعتزل رجلٌ ذاق طعم الوزارة والسجن والمنفى ضجيجَ البلاطات ليكتب كتابًا يقلب النظر في التاريخ رأسًا على عقب. لم يَعُدِ التاريخ عنده مجرد أخبارٍ عن الملوك والوقائع، بل صار علمًا له قوانينُ تفسّر كيف تنشأ الدول وكيف تشيخ وتزول، وكيف يتحوّل البدو إلى حضرٍ ثم ينحلّ عمرانهم. من تلك الخلوة خرجت واحدةٌ من أعظم صفحات الفكر الإنساني، وأصلٌ يُبنى عليه علمٌ لم يكن قد وُلد بعد؛ إنها «مقدمة ابن خلدون».

هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، وُلد بتونس سنة 732 هـ / 1332 م لأسرةٍ أندلسية الأصل عريقةٍ في العلم والجاه. نشأ على القرآن والعربية والفقه المالكي، وأخذ عن كبار علماء عصره، ثم دخل معترك السياسة مبكرًا، فتنقّل في خدمة دول المغرب والأندلس: من الحفصيين في تونس، إلى المرينيين في فاس، إلى بني الأحمر في غرناطة. عرف الوزارة والسفارة والحظوة، كما عرف العزل والسجن والنفي، فامتلأت تجربته بما لا يمتلئ به كتاب.
وفي أواخر عمره رحل إلى مصر المملوكية، فاستقرّ بالقاهرة معلِّمًا وقاضيًا للمالكية، وذاع صيته حتى صار من أعلام عصره. ومن أشهر ما يُروى من سيرته لقاؤه الفاتح المغولي تيمورلنك خارج دمشق سنة 803 هـ، وقد حاوره فيه حوارًا طويلًا نقله في سيرته الذاتية. توفي بالقاهرة سنة 808 هـ / 1406 م، تاركًا وراءه تاريخًا حافلًا وكتابًا خالدًا.
هذه السيرة المتقلّبة ليست هامشًا على الكتاب، بل هي مفتاحه؛ فالرجل الذي رأى الدول تقوم وتسقط بعينه، وخالط أهل البادية وأهل الحاضرة، وذاق حلاوة السلطان ومرارة زواله، هو وحده من كان يملك أن يكتب في «طبائع العمران» كتابةَ العارف المجرِّب، لا كتابةَ الناقل عن الكتب.
لم يقصد ابن خلدون أول الأمر إلى تأليف كتابٍ قائمٍ بذاته اسمه «المقدمة»؛ فالكتاب في أصله مقدمةٌ نظريةٌ لمصنَّفه الكبير في التاريخ: «كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر». غير أن هذه «المقدمة» تضخّمت وتعمّقت حتى صارت علمًا مستقلًّا وكتابًا يفوق في شهرته وقيمته المتنَ الذي وُضع مدخلًا له.
كتب ابن خلدون مسودّتها الأولى في عزلةٍ اختارها بقلعة بني سلامة، في ناحيةٍ من بلاد المغرب الأوسط، بعد أن اعتزل مناصب السياسة. وفي تلك الخلوة تدفّقت أفكاره دفعةً واحدة، حتى إنه يذكر أنه أتمّ مسودّة المقدمة، فيما يُروى، في نحو خمسة أشهر من سنة 779 هـ، ثم ظلّ ينقّحها ويزيد عليها بعد انتقاله إلى مصر.
وهذا الأصل يفسّر شيئًا من طبيعة الكتاب: فهو نظريٌّ تأسيسيٌّ يبحث في «قوانين» التاريخ قبل أن يسرد وقائعه، إذ أراد صاحبه أن يضع للمؤرّخ ميزانًا يزن به صحّة الأخبار وبطلانها، ويميّز به الممكن من المستحيل في أحوال العمران.
الفكرة التي انبنى عليها الكتاب كله ثوريّةٌ في زمانها: أنّ التاريخ ليس مجرد سردٍ للأخبار، بل هو ظاهرةٌ لها أسبابٌ وقوانين يمكن دراستها. فالاجتماع الإنساني، أي «العمران»، له طبائع تحكمه كما تحكم الطبيعةَ قوانينُها، ومن ثمّ يمكن أن يقوم علمٌ مستقلٌّ يبحث في أحوال العمران وما يعرض له من بداوةٍ وحضارةٍ وعصبيةٍ ومُلكٍ وكسبٍ وعلوم. هذا العلم الذي أسّسه ابن خلدون وسمّاه «علم العمران البشري» هو ما يعدّه الدارسون اليوم بذرةَ علم الاجتماع.
وقد جعل ابن خلدون من هذا العلم أداةً نقدية؛ فبها يميّز المؤرّخ الأخبارَ الصحيحة من المكذوبة، لا بالنظر في الأسانيد وحدها، بل بعرضها على طبائع العمران: فما خالف طبيعةَ الاجتماع وسننَه رُدَّ وإن صحّ سنده. وبهذا نقل التاريخ من فنِّ روايةٍ إلى فنِّ نظرٍ وتعليلٍ وتمحيص.
وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليلٌ للكائنات ومبادئها دقيق، وعلمٌ بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيلٌ في الحكمة عريق، وجديرٌ بأن يُعدَّ في علومها وخليق.
من أشهر ما جاء به الكتاب مفهوم «العصبية»؛ وهي عنده تلك اللُّحمة والرابطة التي تجمع القوم فتدفعهم إلى التناصر والتغالب والطلب للمُلك. بالعصبية القوية يتغلّب البدو أهلُ الخشونة والبأس، فيؤسّسون الدول؛ وبضعفها وتفكّكها تسقط الدول وتؤول إلى غيرها. فالعصبية عنده محرّكٌ خفيٌّ لصعود السلطة وانهيارها.
وربط ابن خلدون بين العصبية وثنائيةٍ كبرى في كتابه: «البداوة» و«الحضارة». فالبدو أصلٌ للحضر، وفيهم من القوة والبأس ما يؤهّلهم للغَلَب وتأسيس المُلك؛ فإذا تحضّروا وأخلدوا إلى الترف والدَّعة، رقّت عصبيتهم وضعفت شوكتهم، فبدأ عمرانهم في الانحلال. وهكذا تدور رحى التاريخ عنده بين بداوةٍ ناشئة وحضارةٍ آفلة.
وعلى هذا الأساس بنى نظريّته في أعمار الدول؛ إذ رأى أنّ للدول أعمارًا طبيعيةً كأعمار الأشخاص، تمرّ بأطوارٍ من نشوءٍ وقوةٍ وترفٍ ثم هرمٍ وسقوط، وأنّها في الغالب لا تعدو ثلاثة أجيال. ولهذه النظرة أثرٌ عميقٌ في كل من جاء بعده ممن تأمّل صعود الحضارات وانهيارها.
لا تقف المقدمة عند السياسة والدول؛ بل تمتدّ في فصولها الستة لتطوف بمعظم ما يهمّ الاجتماع الإنساني. فتبحث في العمران البدوي والحضري، وفي الأمصار والمدن وشروط قيامها، وفي الصنائع والمعاش ووجوه الكسب والرزق، وفي العلوم وأصنافها وطرائق تعليمها وتحصيلها. إنها موسوعةٌ مصغّرةٌ في طبائع البشر ومناحي حياتهم.
وفي مباحث المعاش والكسب أفكارٌ اقتصاديةٌ سبقت زمانها؛ إذ تحدّث ابن خلدون عن قيمة العمل الإنساني وأنه أصل الكسب، وعن أثر تقسيم الأعمال والتعاون في نماء العمران، وعن العلاقة بين الجباية وازدهار الدولة أو خرابها. كما بسط القول في أصناف العلوم عقليّها ونقليّها، وفي مناهج التعليم وعِلَل ضعف التحصيل، بما يجعله مرجعًا في تاريخ الفكر والتربية أيضًا.
ظلّت المقدمة قرونًا كنزًا في المكتبة العربية، ثم لفتت أنظار العالم حين تُرجمت إلى الفرنسية ثم إلى الإنجليزية ولغاتٍ أخرى في العصر الحديث. وأجمع كثيرٌ من كبار المفكّرين والمؤرّخين في الشرق والغرب على أنها من أعظم ما أنتجه العقل البشري في فلسفة التاريخ، وعدّوا صاحبها رائدًا سبق أوروبا بقرونٍ إلى ما استقرّ عليه علم الاجتماع الحديث.
وأثرها لم ينقطع؛ فما زالت مادةً للدرس والبحث في الجامعات، ومنبعًا لا ينضب لمن يتأمّل أسباب نهوض الأمم وانحطاطها. وقيمتها أنها تجمع بين عمق النظر واتّساع التجربة، فهي فكرٌ نظريٌّ نبت من قلب معايشةٍ حيّةٍ للسياسة والعمران، لا من رفوف الكتب وحدها.
وهذا الكتاب متعةٌ وفائدةٌ لكل من شغلته أسئلة التاريخ الكبرى: لماذا تقوم الدول وتسقط؟ وكيف تنشأ الحضارات وتشيخ؟ يقرؤه المؤرّخ والباحث في الاجتماع والسياسة والاقتصاد، ويقرؤه المثقّف العام الباحث عن أصلٍ من أصول الفكر العربي والإنساني. وهذه الصفحة تعريفٌ موجزٌ بالكتاب ومكانته، لا نصُّه الكامل.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون