عن الكتاب
ما مفتاح السعادة التي يطلبها كل حيّ؟ يجيب ابن القيّم بأنها لا تُنال بالمال ولا بالجاه، بل بشيئين اثنين: علمٍ نافعٍ يهدي إلى الحق، وإرادةٍ صالحةٍ تحمل على العمل به. على هذا الأصل بنى كتابًا فسيحًا احتجّ فيه لشرف العلم وذبّ عنه، وكسر فيه أوهام المنجّمين الذين علّقوا مصائر الناس بالنجوم، وساح في آيات الله في السماوات والأرض والأنفس يستخرج منها دلائل الحكمة والرحمة والتوحيد. جمع بين حرارة الموعظة ودقّة البرهان وسعة الاطّلاع، حتى صار من أمتع ما كتبه في تقرير أن العلم والعمل هما طريق النجاة. هذا هو «مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة».

هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي ثم الدمشقي، المعروف بابن قيّم الجوزية؛ نُسب إلى «قيّم الجوزية» لأن أباه كان قيّمًا على المدرسة الجوزية بدمشق. وُلد سنة 691 هـ ونشأ في بيت علمٍ وصلاح، فأقبل على العلم صغيرًا، وأخذ عن كبار شيوخ عصره في التفسير والحديث والفقه وأصوله والعربية والكلام والسلوك، حتى صار من أوسع أهل زمانه اطّلاعًا وأغزرهم تصنيفًا وأحسنهم بيانًا.
وكان ابن القيّم من أخصّ تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وألزمهم له؛ لازمه سنين طوالًا حتى وفاته، فنشر علمه وحرّره وذبّ عنه، حتى سُجن معه في قلعة دمشق وأوذي في سبيل ما يعتقد. لكنه لم يكن ناقلًا مقلّدًا، بل صاحب نفَسٍ خاص في التأليف: يجمع الأدلة، ويستقصي المسائل، ويمزج تحقيق الفقيه بذوق العارف وحرارة المربّي، فطبع كتبه بطابعٍ لا يُخطئه القارئ.
ترك ابن القيّم مصنفاتٍ سارت بها الركبان، منها «زاد المعاد» و«إعلام الموقّعين» و«مدارج السالكين» و«الصواعق المرسلة» و«طريق الهجرتين»؛ وكان «مفتاح دار السعادة» من أنفس ما جادت به قريحته في الاحتجاج للعلم وتقرير حكمة الله في خلقه. تُوفّي بدمشق سنة 751 هـ وقد ملأ الآفاق علمًا وتربية، رحمه الله رحمةً واسعة.
في عنوان الكتاب تكمن خلاصته؛ فـ«مفتاح دار السعادة» يعني: أن للسعادة دارًا، وأن لبابها مفتاحًا لا يُفتح إلا به. أما «منشور ولاية العلم والإرادة» فهو كالمرسوم الذي يُعلَن به تولية والٍ على أمرٍ من الأمور؛ فكأن ابن القيّم يصدر منشورًا يُثبت أن الوالي على طريق السعادة إنما هو العلم النافع والإرادة الصالحة، فبهما وحدهما يبلغ العبد كمالَه وفوزه.
وعلى هذا الأصل قام الكتاب كله: أن سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة معلّقة بشيئين لا ثالث لهما؛ علمٍ يكشف الحق ويميّز النافع من الضار، وإرادةٍ تنبعث للعمل بما علمت. فمن جمع العلم الصحيح والعمل الصالح فقد ملك المفتاح، ومن فاته أحدهما بقي عن باب السعادة محجوبًا وإن ملك الدنيا كلها. وهذا المعنى هو الذي يشدّ مباحث الكتاب المتنوّعة بعضها إلى بعض.
وقد كتبه ابن القيّم في القرن الثامن الهجري، في عصرٍ راجت فيه أحكام النجوم وتعلّقت به قلوبٌ كثيرة، وكثر فيه من ينكر أن تكون لأفعال الله حكمةٌ وغاية. فجاء الكتاب ليجمع بين الاحتجاج لشرف العلم، وكسر أوهام المنجّمين، وإثبات حكمة الله البالغة في خلقه وأمره؛ فاتّسع حتى صار موسوعةً في العلم والتوحيد والتأمّل، يستطرد فيها المصنّف من باب إلى باب بقلمٍ لا يعرف الكلال.
أفرد ابن القيّم شطرًا واسعًا من الكتاب للاحتجاج لفضل العلم والحثّ على طلبه، وردّ من هوّن من شأنه أو قدّم عليه المال والجاه. فساق من الكتاب والسنة وآثار السلف ما يقرّر أن العلم أشرف ما يُطلب، وأن العالم وارث النبيّ، وأن فضل العلم على العبادة القاصرة كفضل النهار على الليل. وبيّن أن العلم الذي يريده هو العلم النافع الذي يورث خشية الله والعمل، لا مجرد حفظٍ أو جدال.
ثم فصّل القول في تفاوت العلوم وشرفها بشرف معلومها، فأعلاها العلم بالله وأسمائه وصفاته وأمره، إذ به تحصل السعادة وتُنال الهداية. وردّ على من زعم أن الغنى خيرٌ من العلم، فبيّن أن العلم يحرس صاحبه والمالُ يحرسه صاحبه، وأن العلم يزكو على الإنفاق والمال ينقص، وأن العالم حيٌّ بعلمه وإن مات وجاهلُ الأغنياء ميتٌ وإن عاش.
وقلم ابن القيّم في هذا المبحث يجمع بين حجّة العالم وحرارة الواعظ؛ فلا تكاد تقرأ صفحةً حتى تشتاق نفسك إلى العلم وتزهد فيما سواه. وهو مبحثٌ صار بنفسه مرجعًا يُنقل منه في فضل العلم وأهله، ويقتبس منه الخطباء والمصنّفون في آداب طلب العلم إلى اليوم.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
من أشهر ما امتاز به «مفتاح دار السعادة» ردّه المطوّل البديع على المنجّمين وأصحاب أحكام النجوم، الذين يزعمون أن الكواكب تدبّر أحوال العالم وتقضي بالسعد والنحس، ويستدلّون بمطالعها على ما سيكون. فنقض ابن القيّم دعواهم من أصلها بالحجج العقلية والنقلية، وبيّن أنها ظنونٌ وأوهامٌ لا تقوم على برهان، وأنها بابٌ من التعلّق بغير الله يخدش التوحيد.
ومن أنفس ما قرّره في هذا الباب تفريقه بين «علم التسيير» و«علم التأثير»؛ فالأول معرفة سير الكواكب ومنازلها وحساب أوقاتها، وهو علمٌ نافعٌ تُعرف به القبلة والأوقات والفصول، لا حرج فيه. وأما الثاني فادّعاء أن للنجوم تأثيرًا في الحوادث وقضاءً على الأقدار، وهو الباطل الذي حرّمه الشرع وأبطله العقل، إذ لا مدبّر للكون إلا الله وحده.
وقد جاء هذا الردّ في وقتٍ كانت فيه صناعة التنجيم رائجةً يتكسّب بها قومٌ ويصدّق بها آخرون، فكان الكتاب حصنًا يحمي عقيدة القارئ من هذا التعلّق. وما زال هذا الفصل يُعدّ من أجود ما كُتب في نقض التنجيم، يرجع إليه من أراد أن يعرف حكم الشرع في النجوم وحدود ما يجوز من علومها.
يفتح ابن القيّم في الكتاب بابًا واسعًا للتفكّر في آيات الله في الكون؛ فيسوح في خلق السماوات والأرض، والليل والنهار، والبحار والجبال، والحيوان والنبات، وعجائب بدن الإنسان ونشأته، مستخرجًا من كل ذلك دلائل قدرة الخالق وحكمته ورحمته. فيتحوّل النظر في المخلوق إلى برهانٍ على الخالق، والتأمّل في الصنعة إلى دليلٍ على الصانع الحكيم.
ويجعل من هذا التأمّل سلّمًا إلى مسألةٍ كبرى شغلت المتكلمين: هل لأفعال الله وخلقه حكمةٌ وغاية؟ فينتصر ابن القيّم لمذهب أهل السنة في إثبات الحكمة والتعليل، ويردّ على من أنكر أن يخلق الله شيئًا لحكمة أو يأمر بأمرٍ لعلة. فيبيّن أن كل ما في الوجود ناطقٌ بحكمة بالغة، وأن الشرّ لم يُخلق عبثًا بل لحكمٍ عظيمةٍ يعجز العقل عن إحصائها.
وبهذا يمتزج في الكتاب علم التوحيد بالنظر في الطبيعة والوجود؛ فلا هو تأمّلٌ خالٍ من العقيدة، ولا هي عقيدةٌ جافّةٌ عن التدبّر. وهو من أنفع ما يُقرأ في تربية العين على أن ترى في كل مخلوقٍ آيةً، وفي كل آيةٍ دلالةً على أن لهذا الكون ربًّا حكيمًا رحيمًا لم يخلقه سدى.
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
احتلّ «مفتاح دار السعادة» مكانةً عالية بين كتب ابن القيّم؛ فهو من أجمعها لفنون العلم، إذ يلتقي فيه الوعظ بالبرهان، والأدب بالعقيدة، والاحتجاج للعلم بالتأمّل في الكون. صار مرجعًا لمن أراد النظر في فضل العلم، أو نقض أحكام النجوم، أو تقرير حكمة الله في خلقه، وينقل منه العلماء والوعّاظ والباحثون في مباحثه المتنوّعة إلى اليوم.
وقد اعتنى الناشرون بالكتاب طبعًا وتحقيقًا؛ فطُبع قديمًا وحديثًا، ويقع غالبًا في جزأين، وصدرت له طبعاتٌ محقّقةٌ معتنى بها، منها ما نُشر ضمن آثار ابن القيّم عن دار عالم الفوائد بمكة، فضلًا عن الطبعات المتداولة عند دور النشر المعروفة. وهو من الكتب التي لا تزال تُتداول وتُقرأ ويُقتبس منها في مجالس العلم.
وعلى رحلة يمكنك قراءة «مفتاح دار السعادة» كاملًا ومجانًا، مرتّبًا مبوّبًا يسهل التنقّل في مباحثه والبحث فيها. لا يلزمك أن تقرأه من أوله إلى آخره؛ فابدأ بما يعنيك، فضل العلم، أو الردّ على المنجّمين، أو آيات الله في خلقه، واقرأ ما كتبه ابن القيّم فيه، فستجده يغذّي العقل ويحرّك القلب ويشدّك إلى العلم والعمل، وهما مفتاح السعادة الذي بُني عليه الكتاب.
النص الكامل بين يديك
مفتاح دار السعادة كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى : 597هـ)
1 فصل

نجم الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي (المتوفى: 689هـ)
235 فصلاً

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)
85 فصلاً

محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً