عن الكتاب
من بين معاجم العربية الكبرى يقف معجمٌ لا يكتفي بأن يشرح لك اللفظة، بل يأخذ بيدك إلى جذرها، فيريك كيف تنبت المعاني من أصلٍ واحدٍ كما تنبت الأغصان من ساقٍ واحدة. تفتح مادةً من موادّه فتقرأ عبارته المعهودة: «أصلٌ واحدٌ يدلُّ على كذا»، ثم تراه يردّ إليها كلماتٍ ظننتَها متفرّقةً لا رابط بينها، فإذا هي أخواتٌ من رحمٍ واحد. إنه ليس مجرّد قائمةٍ للألفاظ ومعانيها، بل نظريةٌ في اللغة تُقرأ في صورة معجم، أرسى بها صاحبها أنّ لكلام العرب مقاييس وأصولًا لا تتخبّط فيها المعاني اعتباطًا. هذا هو «معجم مقاييس اللغة» للإمام أبي الحسين أحمد بن فارس، أحد أعمدة فقه اللغة العربية وأصول الدلالة فيها.

هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي، من أئمة اللغة والأدب في القرن الرابع الهجري. أصله من قزوين، ونشأ ودرس في همذان على علمائها، ثم استقرّ به المقام في مدينة الرَّي حيث أقام وعلّم ومات. جمع إلى إمامته في اللغة فقهًا ونحوًا وأدبًا، حتى صار مقصد طلّاب العربية في زمانه، وواحدًا من الذين يُشار إليهم إذا ذُكر فقه اللغة وأسرار المفردات.
ومن أبرز ما يُذكر في ترجمته أنه كان أستاذًا لبديع الزمان الهمذاني صاحب «المقامات»، فتلمذ عليه هذا الأديب النابغة وأخذ عنه. واتصل ابن فارس ببلاط بني بويه وأهل الوزارة، وأهدى أحد كتبه «الصاحبي» إلى الصاحب بن عبّاد وزير الدولة البويهية وعالمها، ويُذكر أنه أدّب بعض أمرائهم. فكان بهذا في قلب الحركة العلمية والأدبية التي ازدهرت في الرَّي وهمذان تحت رعاية البويهيين.
ولم يكن «المقاييس» وحده ثمرة قلمه؛ فله «مجمل اللغة» وهو معجمٌ آخر أوجز وأيسر تناولًا، وله «الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها» وهو من أوائل ما صُنّف في فقه اللغة مستقلًّا، وله «متخيَّر الألفاظ» و«أوجز السِّيَر لخير البشر» وغيرها. ويُذكر أنه كان شافعيّ المذهب ثم انتقل إلى مذهب مالك، وكان مع سعة علمه رجلًا كريمًا سخيّ النفس، عُرف بالورع والزهد في أعراض الدنيا، حتى توفي بالرَّي سنة 395 هـ فخلّف تراثًا لا يزال يُنهل منه.
أُلّف «المقاييس» في القرن الرابع الهجري، وهو عصرٌ بلغت فيه صناعة المعجم العربي ذروتها. فبعد أن فتح الخليل بن أحمد الفراهيدي الباب بكتاب «العين»، تتابعت المعاجم الكبرى في هذا القرن نفسه: «تهذيب اللغة» للأزهري، و«جمهرة اللغة» لابن دريد، و«المحيط» للصاحب بن عبّاد، و«الصحاح» للجوهري. وكان ابن فارس شاهدًا على هذا النضج، مطّلعًا على ما بين يديه من هذه الأصول، فجاء عمله ثمرةً لهذا التراكم لا انقطاعًا عنه.
ولم يشأ ابن فارس أن يجمع الألفاظ جمعًا مجرّدًا كما يصنع أصحاب المعاجم الجامعة، بل بنى كتابه على أصولٍ موثوقةٍ اختارها، وصرّح في مقدمته بأنه اعتمد على جملةٍ من أمّهات كتب اللغة، أبرزها «كتاب العين» للخليل، و«الغريب المصنّف» لأبي عبيد القاسم بن سلّام، و«جمهرة اللغة» لابن دريد، و«إصلاح المنطق» لابن السكيت. فكان يستخلص منها موادّ اللغة، ثم يعيد ترتيبها على منهجه الخاص الذي يبحث عن الأصل الجامع لا عن مجرّد المعنى.
وقد صنع ابن فارس معجمين متكاملين: «مجمل اللغة» جعله سهل المأخذ قريب المتناول لمن أراد المعنى سريعًا، و«مقاييس اللغة» جعله ميدان نظريّته في أصول المعاني والاشتقاق. فمن قرأهما معًا أدرك أنه كان يكتب بعقلين: عقل المعجميّ الذي يخدم طالب اللفظ، وعقل فقيه اللغة الذي يفتّش عن سرّ ائتلاف المعاني تحت الجذر الواحد.
جوهر الكتاب فكرةٌ بسيطة العبارة عميقة الأثر: أنّ لكل مادةٍ من موادّ العربية أصلًا واحدًا يجمع معانيها، فترجع فروع اللفظة كلها إلى ذلك الأصل مهما تباعدت في الظاهر. وقد تكون للمادة أصلان أو ثلاثة إذا لم يجمعها معنًى واحد، فيبيّن ذلك ويفصّل. وهذه هي «المقاييس» التي سُمّي بها الكتاب: مقاييس المعاني التي يُردّ إليها كلام العرب فلا يبقى مبعثرًا بلا ناظم.
وطريقته في المادة مطّردةٌ تكاد تألفها من أول الكتاب: يذكر حروف الأصل، ثم يقول عبارته المعروفة «أصلٌ واحدٌ يدلُّ على كذا»، ثم يسوق الكلمات المتفرّعة عنه واحدةً واحدة، ويكشف عن الخيط الدلاليّ الذي يشدّها إلى ذلك الأصل. وإذا ورد ما لا ينتظم في القياس نبّه عليه وقال إنه شاذٌّ أو دخيلٌ أو منحوت، فلم يتكلّف ردّ كل شيء قسرًا، بل اعترف بما يخرج عن الباب.
وبهذا الصنيع يُعدّ ابن فارس من أوائل من أسّسوا لما يُسمّى اليوم علم الدلالة وفقه المعنى؛ إذ لم يقف عند حدّ الشرح، بل بحث في العلاقة بين اللفظ والمعنى وفي وحدة الجذر. ولهذا بقي «المقاييس» مرجعًا للباحث في أسرار العربية قبل أن يكون معجمًا يُستخرج منه معنى كلمة، فهو أقرب إلى كتابٍ في فلسفة المفردة منه إلى قائمةٍ للألفاظ.
أصلٌ واحدٌ يدلُّ على...
رتّب ابن فارس معجمه على حروف الهجاء بحسب الحرف الأول من أصل الكلمة، ثم قسّم موادّ كل حرفٍ بعدد حروف المادة: الثنائيّ ثم الثلاثيّ ثم الرباعيّ فالخماسيّ. وهذا ترتيبٌ يسير على الطالب قريبٌ من متناوله، إذا عرف أصل الكلمة اهتدى إلى موضعها في يُسر. وهو بذلك يفارق طريقة الخليل في «العين» التي بُنيت على مخارج الحروف ونظام التقاليب، وهو نظامٌ دقيقٌ لكنه عسيرٌ على غير المتمرّس.
وليس «المقاييس» معجمًا يقصد استيعاب كل لفظةٍ في العربية كما تصنع المعاجم الجامعة الضخمة؛ فهو منتقًى مختار، غايته كشف الأصول لا حصر الألفاظ. ولذلك تجده يفصل الصحيح من المعتلّ والمضاعف، ويعتني بترتيب الأبواب على نحوٍ يخدم فكرته، ويطوي ما لا حاجة له به في مقصده. فمن جاءه يطلب حشد الشواهد والنوادر فقد يجد بعضها عند غيره، لكنه لن يجد عند غيره هذا النظر في وحدة المعنى.
وهذا الاختيار في البناء هو سرّ تميّز الكتاب: فالمعاجم كثيرة، لكن الذي يريك اللغة شجرةً ذات جذورٍ وأغصان قليل. جعل ابن فارس من الترتيب خادمًا لنظريّته، فصار القارئ لا يقف عند معنى الكلمة، بل يرى كيف اجتمعت أخواتها حولها، وكيف صدرت جميعًا عن معنًى جامعٍ واحد.
ترك «المقاييس» أثرًا بعيدًا في الدرس اللغوي؛ فصار أصلًا من أصول فقه اللغة، يرجع إليه الباحثون في دلالة الجذور والعلاقة بين الألفاظ ومعانيها. ولم يقتصر أثره على القدماء، بل وجد فيه المحدثون من دارسي اللغة مادةً خصبة، إذ يلتقي حدسه في وحدة أصل المادة مع كثيرٍ مما توصّل إليه علم اللغة المقارن في دراسة الجذور السامية. فبقي الكتاب حيًّا يُقرأ ويُستشهد به بعد أكثر من عشرة قرون.
وقد عُني به المحققون، فأشهر طبعاته وأجودها تحقيق العلّامة عبد السلام محمد هارون، الذي أخرجه في نحو ستة أجزاء بضبطٍ وفهرسةٍ خدمت الكتاب أيّما خدمة، وصارت هي المعتمدة عند أهل العلم. وتُقرأ إلى جانبه عادةً مقدّمة ابن فارس نفسه التي بيّن فيها منهجه ومصادره، فهي مفتاح الكتاب الذي لا يُفهم مقصده تمامًا إلا بها.
ومع علوّ منزلته لم يخلُ من نظر أهل العلم؛ فقد رأى بعضهم أنّ ابن فارس ربما تكلّف أحيانًا في ردّ معانٍ متباعدةٍ إلى أصلٍ واحد، فحمّل الجذر ما لا يحتمل من وحدة الدلالة. لكن هذا لا يغضّ من ريادته، فالفكرة في جملتها صحيحةٌ مثمرة، والاستثناء لا يُبطل القاعدة، وقد ظلّ «المقاييس» بابًا فريدًا في المكتبة العربية لا يُستغنى عنه.
أنسب طرق قراءة «المقاييس» أن تجعله رفيقًا لقراءتك؛ فإذا استوقفتك كلمةٌ في آيةٍ أو حديثٍ أو بيت شعرٍ وأردت أن تعرف سرّها لا مجرّد معناها، ارجع إلى أصلها في الكتاب، واقرأ ما جعله ابن فارس أصلًا لها، ثم تأمّل كيف تتفرّع عنه أخواتها. بهذا تنتقل من حفظ المعنى إلى فهم منطق اللغة، وهو أبقى وأنفع.
وهو كنزٌ خاصٌّ لطلّاب العلم من المفسّرين والمحدّثين والأدباء والشعراء وأصحاب البلاغة، ولكل من يريد أن يكتب العربية عن بصيرةٍ بأصولها. وعلى رحلة تجد «معجم مقاييس اللغة» كاملًا مرتّبًا، يوصلك الفهرس والبحث إلى أيّ مادةٍ تريدها في لحظة، فابدأ بمادّةٍ من الكلمات التي تحبّها أو تحيّرك، واقرأه كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
مقاييس اللغة كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)
700 فصلاً

محمد مرتضى الحسيني الزبيدي
1 فصل

محمد بن يعقوب الفيروزآبادي
1 فصل

اسماعيل بن حماد الجوهري
664 فصلاً

محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً