عن الكتاب
في مجلس علمٍ بمرو سنة 615 هـ اختلف ياقوت الحموي مع أحد المحدّثين في ضبط اسم «حُباشة»، سوقٍ من أسواق العرب في الجاهلية، فلم يجد في مكتبات مرو الواسعة ما يحسم الخلاف إلا بعد عناء. من تلك الحادثة الصغيرة وُلد مشروعٌ عظيم: معجمٌ يضبط أسماء البلدان والجبال والأودية والقرى والمياه، ويذكر موقعها واشتقاقها وتاريخها ومن نُسب إليها وما قيل فيها من الشعر. هذا هو «معجم البلدان»، أوسع معجم جغرافي في التراث العربي، ومرجع المؤرّخين والمحدّثين والأدباء في كل ما يتصل بالمكان.
وُلد ياقوت بن عبد الله ببلاد الروم سنة 574 هـ، وقيل 575 هـ، ثم أُسر صغيرًا وحُمل إلى بغداد، فاشتراه تاجرٌ يُدعى عسكر بن أبي نصر إبراهيم الحموي، وإليه نُسب فقيل «الحموي». وتعلّم في كنفه، ثم أعتقه مولاه، فاشتغل بنسخ الكتب بالأجرة، ثم بالتجارة، فرحل في البلاد شرقًا وغربًا.
وأقام مدةً بمرو وانتفع بخزائن كتبها، ثم انتقل إلى خوارزم، فلمّا اجتاحها التتار سنة 616 هـ نجا بنفسه، ونزل الموصل ثم حلب، وفيها لقي رعاية القاضي الأكرم جمال الدين علي بن يوسف القفطي، صاحب «إنباه الرواة»، فأهدى إليه نسخة معجمه. وتوفي بحلب في العشرين من رمضان سنة 626 هـ. ومن كتبه الأخرى «معجم الأدباء» المسمّى «إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب»، و«المشترك وضعًا والمفترق صقعًا».
يصرّح ياقوت في مقدمته بأن أول البواعث على تأليف الكتاب سؤالٌ وُجّه إليه بمرو الشاهجان سنة 615 هـ، في مجلس شيخه فخر الدين عبد الرحيم بن أبي سعد السمعاني، عن موضعٍ اسمه «حباشة» ورد في الحديث، فرأى أنه بضم الحاء وخالفه محدّثٌ أصرّ على الفتح، ولم يظفر بالنقل الذي يحسم المسألة إلا بعد انقضاء المجلس. فأدرك حاجة العلماء إلى كتابٍ مضبوطٍ في أسماء الأماكن.
ثم بيّن حاجة كل طائفة إلى هذا العلم: الفقهاء لمعرفة ما فُتح صلحًا أو عنوة وأحكام الخراج والجزية، وأهل السير والحديث والتاريخ لأنّ أسماء الأماكن لا تكاد تخلو منها صفحةٌ من كتبهم، والأطباء والمنجّمون لمعرفة أهوية البلاد، والأدباء والشعراء لأنّ الشعر يذكر حاجرًا وزرود والدهناء ورضوى. وساق أمثلةً لعلماء كبار أخطؤوا في مواضع البلدان، منها أغلاطٌ في شرحٍ لمقامات الحريري جعل فيه الشارح تبريز من عواصم الشام وهي قصبة أذربيجان.
أما بعد، فهذا كتاب في أسماء البلدان، والجبال، والأودية، والقيعان، والقرى، والمحال، والأوطان، والبحار، والأنهار، والغدران، والأصنام، والأنداد، والأوثان.
قدّم ياقوت بين يدي المعجم خمسة أبواب: الأول في صورة الأرض وما قاله المتقدّمون في هيئتها، والثاني في الأقاليم السبعة واختلافهم فيها، والثالث في تفسير الألفاظ التي يكثر ورودها كالبريد والفرسخ والميل والكورة والمخلاف والرستاق، والرابع في أحكام الأرضين المفتتحة في الإسلام وقسمة الفيء والخراج، والخامس في جملٍ من أخبار البلدان.
ثم قسّم المعجم ثمانية وعشرين كتابًا على عدد حروف الهجاء، وقسّم كل كتابٍ أبوابًا على الحرف الثاني، والتزم الترتيب في الحرف الثالث والرابع وما بعده، معتبرًا صورة الاسم كما يُنطق لا أصله الاشتقاقي، لأن أكثر هذه الأسماء أعلامٌ أعجمية أو مرتجلة.
وأما المادة الواحدة فقد اشترط لها في البلدان المشهورة أن يضبط حروف الاسم بالحركات، ويذكر اشتقاقه إن كان عربيًّا ومعناه إن كان أعجميًّا، وإقليمه، ومن بناه، وما يجاوره، والمسافات بينه وبين ما يقاربه، وعجائبه، ومن دُفن فيه من الأعيان والصحابة والتابعين، وما قيل فيه من الشعر، ومتى فتحه المسلمون أصلحًا أم عنوة، ومن ملكه في زمانه. وقد نبّه على أنّ هذه الشروط لا تجتمع إلا في البلدان الكبرى.
جمع ياقوت مادته من كتب الجغرافيين كابن خرداذبه والإصطخري وابن حوقل والمقدسي البشاري، ومن كتب أهل الأدب في مواضع العرب كالأصمعي والهمداني صاحب «صفة جزيرة العرب» والسكوني، ومن دواوين الشعر وكتب التاريخ، ثم مما شاهده في أسفاره وسمعه من أفواه الرواة. وحرص على نسبة ما ينقله إلى أصحابه، كما صرّح بذلك في نقوله عن كتاب نصر الإسكندري في الأماكن.
وتحلّى بأمانةٍ لافتة في نقل الغرائب؛ فقد أورد أخبارًا عجيبة لا تقبلها العقول، وصرّح بأنه مرتابٌ فيها متبرّئٌ من صحتها، وأنه نقلها كما وجدها ليعرف القارئ ما قيل. وفي آخر مقدمته رجا ألّا يُختصر كتابه، وشبّه من يختصر كتابًا بمن يقطع أطراف صورةٍ سوية، ومع ذلك اختصره بعده صفي الدين عبد المؤمن البغدادي في «مراصد الاطلاع».
صار «معجم البلدان» منذ تأليفه المرجعَ الأول لمن أراد ضبط اسم موضع أو معرفة موقعه وتاريخه، ونقل عنه المؤرّخون والجغرافيون والمحدّثون من بعده. وتكمن قيمته اليوم في أنه حفظ صورة العالم الإسلامي عشية الاجتياح المغولي، ونقل عن كتبٍ ضاعت أصولها، وجمع شواهد شعرية قلّ أن توجد في غيره.
وقد عُني به المستشرقون، فنشره الألماني فرديناند فستنفلد في القرن التاسع عشر، ثم توالت طبعاته في العالم العربي. ويفيد منه اليوم دارسو التاريخ والأدب والحديث، وكل من يقرأ تراجم العلماء المنسوبين إلى بلدانهم.
الكتاب معجمٌ يُرجع إليه عند الحاجة: ابحث عن الموضع بحسب حروف اسمه كما يُنطق، ثم اقرأ مادته من ضبطها إلى أشعارها. ومن أراد المتعة فليقرأ مواد المدن الكبرى كبغداد ودمشق ومكة والمدينة ومصر، فهي أشبه بمقالاتٍ تاريخية جامعة، ثم الأبواب الخمسة الأولى ليعرف تصوّر القدماء للأرض والأقاليم.
ونصّ «معجم البلدان» كاملًا متاحٌ للقراءة مجانًا على رحلة، لمن يبحث عن «كتاب معجم البلدان» ليقرأه.
النص الكامل بين يديك
معجم البلدان كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

محمد بن عبد الوهاب
1 فصل

محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)
700 فصلاً

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
335 فصلاً