عن الكتاب
في القرن الخامس الهجري، وفي قريةٍ من قرى خراسان بين هراة ومرو، نشأ إمامٌ لقّبه أهل العلم بـ«محيي السنة» لصدقه في نصرتها ونشرها. أراد أن يقدّم للناس تفسيرًا للقرآن يجمع خلاصة ما رُوي عن النبي وأصحابه والتابعين، نقيًّا من الموضوعات وأهواء المبتدعة، معتدلًا لا يُملّ بطوله ولا يُخلّ باختصاره. فعمد إلى تفسير الثعلبي الحافل، فهذّبه وشذّبه وصانه، وأخرج منه كتابًا صار عمدةً في التفسير بالمأثور تناقله طلاب العلم قرونًا. هذا هو «معالم التنزيل في تفسير القرآن»، المعروف بتفسير البغوي.

هو الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفرّاء البغوي، الملقّب بـ«محيي السنة» و«ركن الدين». نُسب إلى «بَغْ» أو «بَغْشُور»، وهي بلدةٌ من بلاد خراسان بين هراة ومرو الروذ، ووُلد بها في حدود سنة 433 هـ. أما لقب «الفرّاء» فلانتسابه إلى صنعة الفِراء وبيعها. نشأ في القرن الخامس الهجري، عصر ازدهار المدارس وكثرة الرحلة في طلب الحديث والفقه.
تفقّه البغوي على مذهب الإمام الشافعي، وأخذ عن شيخه القاضي حسين بن محمد المروروذي، أحد كبار فقهاء الشافعية في عصره. وبرع في التفسير والحديث والفقه معًا، حتى صار من أئمة السنة المشار إليهم، يُرحل إليه ويُنقل عنه. وكان مع سعة علمه معظّمًا عند أهل زمانه، مجمعًا على إمامته وجلالته.
عُرف البغوي بزهده وورعه وصلاحه، حتى ضُرب المثل بتقلّله من الدنيا؛ ويُذكر أنه كان لا يُلقي درسه إلا على طهارة. ولم يقتصر أثره على التفسير، بل ترك مصنّفاتٍ سائرة، منها «شرح السنة» في الحديث، و«مصابيح السنة» الذي بُني عليه «مشكاة المصابيح»، و«التهذيب» في فقه الشافعية. تُوفّي رحمه الله بمرو الروذ سنة 510 هـ على المشهور، وقيل 516 هـ، ودُفن إلى جوار شيخه القاضي حسين.
لم يبدأ البغوي تفسيره من فراغ، بل اتّكأ على كتابٍ سابقٍ حافل هو «الكشف والبيان» للإمام أبي إسحاق الثعلبي، وهو من أوسع تفاسير المأثور جمعًا للروايات والأخبار. غير أن الثعلبي كان قد أكثر في كتابه من الأحاديث الواهية والقصص الإسرائيلية والأقوال المنسوبة إلى أهل البدع، فرأى البغوي أن في المادة خيرًا كثيرًا يستحقّ أن يُصان ويُنقّى.
فعمد إلى ذلك التفسير الكبير، فاختصره وهذّبه، وحذف منه كثيرًا من الغثّ، وأبقى ما صحّ أو قوي من المأثور، وصانه عن الموضوعات وآراء المبتدعة. فجاء «معالم التنزيل» أنقى من أصله وأضبط، مع محافظته على روح التفسير بالرواية. ولهذا صار الكتاب مثالًا يُذكر في حسن الانتقاء والتهذيب، حتى أثنى عليه أئمة النقد.
وأما البغوي فتفسيره مختصرٌ من الثعلبي، لكنه صانَ تفسيرَه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة.
سلك البغوي في تفسيره طريقة أهل الأثر: يفسّر القرآن بالقرآن أولًا، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، ويسوق كثيرًا من ذلك بأسانيده على عادة المحدّثين. فهو تفسيرٌ بالمأثور في جوهره، يُعنى بالمنقول أكثر من عنايته بالرأي والاستنباط، وإن لم يخلُ من توجيهٍ للمعنى وترجيحٍ بين الأقوال.
وهو مع ذلك جامعٌ لفنون التفسير: يذكر أسباب النزول، ويعرض القراءات، ويتكلّم في الناسخ والمنسوخ، ويستنبط الأحكام الفقهية غالبًا على مذهب الشافعي مع الإشارة إلى الخلاف، ويُلمّ بغريب اللغة ومعاني الألفاظ بإيجاز. وفي مسائل الاعتقاد يجري على مذهب السلف في إثبات الصفات وإمرارها كما جاءت، فكان تفسيرًا سلفيّ النَّفَس في الجملة.
ومن إنصاف القول أن يُذكر أن الكتاب، على تنقيته، لم يسلم تمامًا من بعض الإسرائيليات والأخبار الضعيفة في مواضع القصص، وهو ما نبّه عليه العلماء، وإن كان أخفّ في ذلك من أصله بكثير. ويبقى من أبرز محاسنه اعتداله في الحجم؛ فهو وسطٌ بين المطوّلات التي يشقّ على القارئ استيعابها والمختصرات التي تُخلّ بالمقصود، مما جعله محبّبًا إلى طلبة العلم على اختلاف طبقاتهم.
تبوّأ «معالم التنزيل» مكانةً رفيعة بين تفاسير المأثور، حتى عدّه كثيرٌ من أهل العلم في الطبقة الأولى مع «جامع البيان» للطبري و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير. وظلّ قرونًا مرجعًا يعتمده المفسّرون والفقهاء والوعّاظ، يُنقل منه ويُحال عليه، لِما جمع بين صحة المنقول وحسن الترتيب واعتدال الحجم.
ومن أظهر آثاره أن الإمام الخازن اتخذه أصلًا لتفسيره «لباب التأويل في معاني التنزيل»، فاختصره وزاد عليه، حتى صار تفسير الخازن في كثيرٍ منه عيالًا على البغوي. ولذلك كثيرًا ما طُبع التفسيران متجاورَين، أو طُبع «معالم التنزيل» بهامش غيره، تقريبًا للقارئ بين المتن وما بُني عليه.
وقد طُبع الكتاب مرارًا وحُقّق تحقيقًا علميًا، ومن أشهر طبعاته المحققة طبعة دار طيبة في نحو ثمانية مجلدات. وما زال «تفسير البغوي» حاضرًا في مكتبة كل طالب علمٍ ومفسّر، يُدرّس ويُقرأ ويُحال عليه في بحوث التفسير حتى يومنا، شاهدًا على براعة صاحبه في الجمع والتهذيب.
لست بحاجة إلى مجلدات الكتاب الثمانية ولا إلى عناء البحث في فهارسها؛ افتح «معالم التنزيل» على رحلة، وتنقّل بين سوره وآياته كما تشاء، فيعرض لك القارئ تفسير كل آيةٍ بما رُوي فيها من مأثورٍ وأقوالٍ في يسرٍ ووضوح.
اجعله رفيقك في تدبّر القرآن: كلما وقفت عند آيةٍ أشكل عليك معناها أو أردت أن تعرف سبب نزولها أو ما قاله السلف فيها، عُد إلى تفسير البغوي لتقف على خلاصة المأثور منقّاةً محرّرة. النص كامل متاح للقراءة مجانًا على رحلة، فابدأ من الفاتحة أو من أي موضعٍ شئت.
النص الكامل بين يديك
تفسير البغوي كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
2123 فصلاً

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
1869 فصلاً

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
7819 فصلاً

محمد بن أحمد + عبدالرحمن بن أبي بكر المحلي + السيوطي
1 فصل

أبو عبد الله القرطبي
3375 فصلاً

العلامة أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي
1 فصل