عن الكتاب
في عصرٍ عصفت به فتنة القول بخلق القرآن، وقف رجلٌ واحدٌ في وجه سلطان الدنيا كلّه، فسُجن وضُرب بالسياط ولم يتراجع، حتى صار عَلَمًا لأهل السنة يُشار إليه بالبنان. لكنّ هذا الإمام لم يكن بطل محنةٍ فحسب، بل كان بحرًا في حفظ حديث رسول الله ﷺ، جمع منه ما يزيد على سبعمائة ألف حديث، ثم انتقى صفوتها وأودعها كتابًا جعله للأمة مرجعًا وحُجّة. رتّبه على أسماء الصحابة لا على أبواب الفقه، فصار خزانةً تحفظ لكلّ صحابيٍّ ما روى. إنه «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، أضخم دواوين السنة وأجمعها.

هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وُلد ببغداد سنة أربعٍ وستين ومائة للهجرة، ونشأ يتيمًا في كنف أمّه، فطلب الحديث صغيرًا ورحل في تحصيله إلى الحجاز والكوفة والبصرة واليمن والشام، حتى صار من كبار حفّاظ الأمة. أدرك جِلّة المحدّثين وأخذ عنهم، وكان الإمام الشافعي من أبرز شيوخه الذين لازمهم، فجمع بين فقه المتون وعلم الأسانيد، وصار أحد الأئمة الأربعة الذين تُنسب إليهم المذاهب الفقهية، وإليه يُنسب المذهب الحنبلي.
ولم تكن إمامته في الحديث وحدها هي التي رفعت ذكره، بل قُرن بها ورعٌ وزهدٌ وصلابةٌ في الحقّ جعلته مثالًا يُحتذى في زمانه وبعده. روى عنه أكابر أهل العلم، وأخذ عنه من بعده أصحاب الكتب الستة أو أكثرهم، فكان أستاذًا لجيلٍ من أئمة الرواية. وقد أجمع معاصروه على تقديمه، حتى شهد له شيخه الشافعي بما يشهد به العالم للعالم، فبقيت كلمته فيه سائرةً على الألسنة.
خرجتُ من بغداد فما خلّفتُ بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه من أحمد بن حنبل.
في خلافة المأمون تبنّت الدولة مقالة القول بخلق القرآن التي روّج لها بعض المتكلّمين، وامتحن الخليفةُ العلماءَ عليها، فمن أقرّ نجا ومن أبى نُكِّل به. وامتدّت هذه المحنة إلى عهد المعتصم ثم الواثق، فصمد أحمد حيث تراجع كثيرون، وأصرّ على أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، فسُجن وقُيِّد وضُرب بالسياط ضربًا شديدًا، وهو ثابتٌ لا يزيده البلاء إلا يقينًا.
وبثباته في تلك المحنة استحقّ أحمد لقبه الذي لازمه: «إمام أهل السنة». فلمّا آلت الخلافة إلى المتوكّل ورُفعت المحنة، ظهر قوله وعلا صوت أهل الحديث، وصار موقفه رمزًا للاعتصام بالنصّ في وجه سطوة الكلام والسلطان. وهذه الهامة نفسها التي احتملت العذاب في سبيل كلمةٍ من كلمات الدين هي التي عكفت على جمع حديث النبي ﷺ وتنقيته، فخرج منه هذا المسند العظيم.
لم يجمع الإمام أحمد مسنده جمعَ من يحشد كلّ ما سمع، بل جمعَ من يمحّص ويختار؛ فقد كان محفوظه من الحديث يزيد على سبعمائة ألفٍ بأسانيدها وطرقها، فانتقى منها ما رآه أهلًا لأن يكون مرجعًا للأمة عند التنازع. وقد صرّح بهذا المقصد لبنيه، وأوصاهم بحفظ الكتاب والعناية به، لأنه أراده حُجّةً يُرجع إليها لا مجرّد مجموعٍ للأخبار.
ثم كان لهذا الكتاب طريقٌ في وصوله إلينا: فقد رواه عن الإمام أحمد ابنُه عبد الله، وأضاف إليه زياداتٍ من مسموعاته سُمّيت «زوائد عبد الله»، ثم رواه عن عبد الله أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي وألحق به بعض ما عنده. فالكتاب في جوهره من انتقاء أحمد وترتيبه، وما زِيد عليه معلومٌ متميَّز، يعرفه أهل الصنعة ويميّزونه عن أصل الإمام.
هذا الكتاب جمعتُه وانتقيتُه من أكثر من سبعمائة ألفٍ وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه.
يختلف المسند في بنائه عن الصحيحين وكتب السنن؛ فتلك رُتِّبت على أبواب الفقه، تجمع في الباب الواحد ما ورد فيه من الأحاديث، أمّا المسند فرُتّب على أسماء الصحابة رواة الحديث. فتحت اسم كلّ صحابيٍّ يُجمع ما رواه من أحاديث على اختلاف أبوابها، فيصير الكتاب سجلًّا يحفظ لكلّ صحابيٍّ مرويّاته مجتمعةً في موضعٍ واحد.
وقد رتّب أحمد المسانيد ترتيبًا يعكس المكانة والسابقة: فبدأ بالعشرة المبشَّرين بالجنة، مقدِّمًا أبا بكرٍ فعمر فعثمان فعليًّا رضي الله عنهم، ثم أهل البيت وبني هاشم، ثم مسانيد أهل الأمصار من المكيّين والمدنيّين والكوفيّين والبصريّين والشاميّين، ثم أفرد مسانيد النساء وفيها حديث أمّهات المؤمنين. وبهذا الترتيب صار الكتاب مرجعًا لمن أراد أن يعرف ما روى صحابيٌّ بعينه.
وهذا المنهج جعل المسند خزانةً واسعة، لكنّه صعّب على الفقيه أن يهتدي إلى أحاديث بابٍ واحدٍ متفرّقةً بين المسانيد. ولذلك عُني العلماء من بعدُ بإعادة ترتيبه على الأبواب لتيسير تناوله، كما فعل الساعاتي في «الفتح الرباني»، فجمعوا بين غزارة المادة وسهولة الوصول إليها.
يُعدّ مسند أحمد أضخم كتب المسانيد وأجمعها، وأحد أعظم دواوين السنة على الإطلاق؛ فهو كنزٌ يحفظ للأمّة قدرًا هائلًا من حديث نبيّها بأسانيده. وأحاديثه تتفاوت في الدرجة بين صحيحٍ وحسن، وفيها ضعيفٌ يسير، وهو مع ذلك محلُّ إجلالٍ عند المحقّقين؛ أثنى عليه ابن تيمية والذهبي وابن كثير وغيرهم، وعدّوه من أنفس ما صُنّف في بابه.
وقد أُثيرت حوله مسألة وجود أحاديث شديدة الضعف أو موضوعة، إذ أدرج ابن الجوزي بعض أحاديثه في موضوعاته، فانبرى الحافظ ابن حجر للذبّ عنه في كتابه «القول المسدَّد في الذبّ عن مسند أحمد»، وبيّن أنّ ما يُنتقد منه قليلٌ لا يقدح في جملة الكتاب ومكانته. فبقي المسند عند أهل العلم ديوانًا معتمدًا يُرجع إليه ويُحتجّ بما صحّ منه.
وقد خُدم الكتاب بالتحقيق والترتيب والشرح؛ فمن أشهر ترتيباته «الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد» لأحمد عبد الرحمن الساعاتي (البنّا)، ورتّبه على الأبواب وشرح غريبه. وشرع أحمد شاكر في تحقيقه وترقيم أحاديثه فلم يُتمّه، ثم كان تاجُ طبعاته المحقَّقة طبعةَ مؤسسة الرسالة في نحو خمسين مجلدًا بإشراف شعيب الأرناؤوط ومن معه، مع تخريج الأحاديث والحكم عليها، فصارت عمدة الباحثين.
خيرُ ما يُدخَل به هذا الكتاب أن تبدأ من مسانيد كبار الصحابة، فتقرأ ما روى أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليٌّ رضي الله عنهم، ثم تنتقل إلى مسانيد أهل الأمصار ومسانيد النساء. وإن شئت تتبّعت صحابيًّا بعينه لتعرف ما حمله من حديث رسول الله ﷺ مجموعًا في مكانٍ واحد، وهذا أخصّ ما يمتاز به المسند.
وعلى رحلة تجد نصّ المسند كاملًا مرتّبًا على مسانيده كما وضعه الإمام أحمد، مع فهرسٍ يوصلك إلى مسند أيّ صحابيٍّ بضغطة واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. افتح مسند العشرة المبشَّرين بالجنة، ثم امضِ في هذا الديوان العظيم حيث شئت.
النص الكامل بين يديك
مسند أحمد كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل