عن الكتاب
في مزرعةٍ إنجليزيةٍ هادئة، يجمع خنزيرٌ عجوزٌ رفاقه من الحيوانات في جوف الليل ليحدّثهم عن حلمٍ يراوده: عالمٌ لا سيّد فيه ولا مستعبِد، تملك فيه الحيوانات أرضها وتجني ثمرة كدّها بيدها. وما إن يقضي نحبه حتى تشتعل الثورة، فتطرد الحيوانات مالكها الغافل وترفع شعار «كلّ الحيوانات متساوية». لكنّ الحلم النبيل لا يلبث أن ينحرف حين تقبض الخنازير على زمام السلطة، فتستحيل المزرعة الحرّة رويدًا رويدًا إلى مملكة طغيانٍ جديدة لا تكاد تختلف عمّا ثارت عليه. بهذه الخرافة الرمزية الصغيرة كتب الأديب الإنجليزيّ جورج أورويل واحدةً من أخلد روايات القرن العشرين: «مزرعة الحيوان».

تبدأ الحكاية حين يجمع خنزيرٌ مُسنٌّ يُدعى «الميجر العجوز» حيوانات المزرعة ليبثّهم رؤياه: أنّ الإنسان هو أصل شقائهم، وأنّ خلاصهم في أن يثوروا عليه ويحكموا أنفسهم بأنفسهم. لا يلبث الخنزير العجوز أن يموت، لكنّ كلماته تبقى بذرةً تنبت في الصدور، حتى تنفجر الثورة ذات يومٍ فتطرد الحيوانات مالكها المهمِل السيّد جونز، وتستولي على المزرعة، وتضع لها وصاياها السبع، وعلى رأسها أنّ «كلّ الحيوانات متساوية».
ينتقل زمام القيادة إلى الخنازير بوصفها أذكى الحيوانات، فيبرز منها زعيمان يتنازعان: «نابليون» الطموح الصامت، و«سنوبول» الحالم الخطيب. وبقوّةٍ من الكلاب التي ربّاها في الخفاء، ينفرد نابليون بالحكم ويطرد غريمه، ثم يمضي يُحكِم قبضته على المزرعة قبضةً بعد أخرى، فيما يبرّر له خنزيرُ الدعاية «صرّاخ» كلَّ خطوةٍ بلسانٍ معسول.
وفي خلفية المشهد يعمل الحصان الوفيّ «بوكسر» حتى الإنهاك تحت شعاره الذي لا يفارقه: «سأعمل بجهدٍ أكبر». وشيئًا فشيئًا تُعاد كتابة الوصايا المعلّقة على الجدار في جُنح الليل، وتضيق دائرة المساواة الموعودة، حتى تكاد تُمحى الحدود بين الطغاة الجدد والطغاة القدامى، وهي عقدةٌ لن نكشف تفاصيلها هنا لنترك للقارئ متعة اكتشافها.
جورج أورويل اسمٌ مستعارٌ للكاتب الإنجليزيّ إريك آرثر بلير، المولود عام 1903 في الهند إبّان الحكم البريطانيّ. عاش حياةً حافلةً بالتجارب التي شحذت وعيه السياسيّ: خدم في الشرطة الاستعمارية في بورما فمقت الاستعمار، وذاق مرارة الفقر في باريس ولندن، وشارك مقاتلًا في الحرب الأهلية الإسبانية. من هذه التجارب خرج أورويل عدوًّا لدودًا لكلّ استبدادٍ وتزييف، ومدافعًا شرسًا عن الحرية وقول الحقيقة.
يقوم أدب أورويل على وضوحٍ نادرٍ في اللغة وصدقٍ في الموقف، حتى صار مثالًا يُحتذى في النثر الإنجليزيّ الرصين. وهو وإن عُرف بميوله الاشتراكية الديمقراطية، فقد وجّه أقسى سهامه إلى الأنظمة الشمولية التي تلبس ثوب الثورة وتخون شعاراتها، ورأى أنّ أخطر ما يهدّد الإنسان هو أن تُصادَر حريته ويُزيَّف وعيه باسم مبادئ برّاقة.
ذاعت شهرة أورويل قبل كلّ شيء بعملين خالدين: «مزرعة الحيوان» (1945) ورواية «1984» (1949)، وكلاهما تحذيرٌ من الاستبداد والرقابة وتزوير الحقائق. وقد وافته المنية شابًّا عام 1950 بداء السلّ، لكنّ أثره لم يخبُ؛ حتى صار اسمه صفةً تُطلَق على عوالم القمع والمراقبة والدعاية الكاذبة، فيقال «عالمٌ أورويليّ».
«مزرعة الحيوان» ليست حكاية حيواناتٍ للتسلية، بل رمزٌ سياسيٌّ محكم؛ فالمزرعة دولة، والحيوانات شعبٌ مقهور، والخنازير نخبةٌ حاكمة تبدأ محرِّرةً وتنتهي مستبِدّة. وقد قُرئت الرواية على نطاقٍ واسع بوصفها تصويرًا رمزيًّا للثورة الروسية عام 1917 وما آلت إليه من طغيان، فرأى كثيرون في «الميجر العجوز» ملهم الثورة، وفي «نابليون» صورةً للحاكم المستبدّ الذي يقصي رفاقه، وفي «سنوبول» صورةً للثائر المطارَد.
غير أنّ عبقرية الرواية في أنّ معناها يتجاوز حادثةً بعينها. فهي في جوهرها تأمّلٌ في كيف تنحرف المبادئ النبيلة حين تلامس السلطة، وكيف تُخان الشعارات، وكيف يُعاد تشكيل وعي الجماهير بالدعاية وتزوير التاريخ والتلاعب بالكلمات. إنّها حكاية كلّ ثورةٍ آمنت بالمساواة ثم استيقظت على طبقةٍ جديدةٍ من السادة.
ولعلّ أشهر ما بقي منها تلك المفارقة الجارحة التي تختصر مأساتها كلّها، حين تنقلب وصية المساواة الأولى إلى صيغةٍ ساخرةٍ تفضح زيف كلّ استبدادٍ يتقنّع بالعدل.
كلّ الحيوانات متساوية، لكنّ بعض الحيوانات أكثر مساواةً من غيرها.
اختار أورويل لرسالته الثقيلة أخفَّ القوالب وأقربها إلى القلوب: الخرافة على ألسنة الحيوانات، على منوال حكايات إيسوب و«كليلة ودمنة». فجاءت الرواية قصيرةً بلغةٍ صافيةٍ يفهمها الصغير والكبير، وهذا البساطة الظاهرة هي عين مكرها؛ إذ يحمل سطحُها الطفوليُّ الوديعُ أمضى نقدٍ سياسيٍّ عرفه القرن العشرون.
ومن هنا وسم أورويل كتابه بعنوانٍ فرعيٍّ لافت: «حكاية خرافية». فالقارئ قد يقرؤها في جلسةٍ واحدةٍ كأنها قصةٌ للأطفال، ثم يكتشف أنّها مرآةٌ لعالمه هو، وأنّ وراء كلّ خنزيرٍ وحصانٍ وكلبٍ رمزًا لا يخطئه اللبيب. هذا المزج بين خفّة الشكل وعمق المضمون هو سرّ خلودها وقدرتها على مخاطبة كلّ جيلٍ من جديد.
كُتبت الرواية في سنوات الحرب العالمية الثانية حين كان الاتحاد السوفيتيّ حليفًا للغرب، فترددت دور نشرٍ عدّة في نشرها خشية إغضاب الحليف، حتى صدرت أخيرًا عام 1945 قُبيل نهاية الحرب. وما لبثت أن حقّقت نجاحًا باهرًا، وتُرجمت إلى عشرات اللغات، وقُرئت في كلّ مكان بوصفها صرخةً ضدّ الاستبداد، حتى إنّها مُنعت في بعض البلدان التي رأت في مرآتها ما يزعجها.
ولم يكن رواجها شعبيًّا فحسب؛ فقد رسّختها الأوساط النقدية في مصافّ أعظم الروايات المكتوبة بالإنجليزية، وأدرجتها قوائمُ أدبيةٌ مرموقة ضمن كلاسيكيات القرن العشرين. وهي مع رفيقتها «1984» جعلت أورويل من أكثر الكتّاب تأثيرًا في الفكر السياسيّ الحديث، وأدخلت عباراته ومصطلحاته إلى لغة الحياة اليومية.
واليوم تُدرَّس «مزرعة الحيوان» في المدارس والجامعات حول العالم، وتظلّ مرجعًا يُستدعى كلّما دار حديثٌ عن ثورةٍ خُذلت أو سلطةٍ فسدت أو دعايةٍ زوّرت الحقائق. إنّها من تلك الكتب النادرة التي لا يقادمها الزمن، بل يزيدها كلّ حدثٍ جديدٍ حضورًا وراهنيّة.
هذه رواية لكلّ قارئٍ يحبّ الأدب الذي يحمل فكرةً كبيرة في قالبٍ ممتع، ولمن يهتمّ بالسياسة والتاريخ وطبائع السلطة والنفس البشرية. وهي لقصرها ولغتها الصافية بابٌ مثاليٌّ للدخول إلى الأدب العالميّ الجادّ، يقرؤها المبتدئ فيستمتع بالحكاية، ويقرؤها المتمرّس فيتأمّل رموزها. ولأنها تُقرأ على أكثر من مستوى، فإنّ كلّ قراءةٍ لها تكشف طبقةً جديدة.
ونضع على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يقرّبك من عالم الرواية وأفكارها وسرّ خلودها، لا نسخةً كاملةً من نصّها. والرواية متوفّرةٌ في ترجماتها العربية المتعددة لمن أراد أن يقرأها كاملةً، ونحن هنا نوجز لك خلاصتها ومكانتها ونضعك على أوّل الطريق إليها.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون