عن الكتاب
في واحةٍ نائيةٍ على أطراف الصحراء، حيث تجري الحياة بطيئةً هادئةً كما جرت منذ قرون، يظهر رجالٌ غرباء بلباسٍ غريبٍ وآلاتٍ لم يُرَ مثلها، يحفرون الأرض ويقيسونها ويسألون عمّا في باطنها. لا يفهم أهل الواحة ماذا يريد هؤلاء القادمون من وراء البحار، لكنّهم سيدركون بعد فوات الأوان أنّ حياتهم كلّها على وشك أن تُقتلع من جذورها؛ فتحت رمالهم يكمن النفط، وبالنفط ستُمحى قريتهم القديمة لتقوم مكانها مدنٌ من زجاجٍ وإسمنت، مدنٌ لا تلبث أن تنهار كما ينهار الملح في الماء. من هذا المشهد المؤسِّس تنطلق واحدةٌ من أعظم الملاحم الروائية العربية في القرن العشرين: «مدن الملح» للروائي عبد الرحمن منيف.

عبد الرحمن منيف (1933–2004) روائيٌّ عربيٌّ يُعدّ من أكبر أسماء الرواية العربية الحديثة. وُلد في عمّان لأبٍ من نجد وأمٍّ عراقية، وتنقّل في دراسته بين بغداد والقاهرة، ثم نال شهادة الدكتوراه في اقتصاد النفط من بلغراد. وهذا التكوين النادر، أديبٌ متمرّس واقتصاديٌّ خبيرٌ بشؤون النفط، هو ما جعله أقدر من غيره على أن يكتب الملحمة التي تحكي كيف قلب النفطُ حياةَ الجزيرة العربية رأسًا على عقب.
لم يكن منيف روائيًّا فحسب، بل كان صاحب مشروعٍ فكريٍّ وسياسيٍّ واضح؛ عُرف بمواقفه النقدية تجاه السلطة والاستبداد، حتى سُحبت منه الجنسية السعودية وعاش سنواتٍ طويلةً منفيًّا متنقّلًا بين العواصم. وقد صبّ هذا الوعي السياسي في رواياته، فجاءت أعماله شاهدةً على تحوّلات المنطقة العربية وأوجاعها في القرن العشرين.
إلى جانب «مدن الملح» ترك منيف أعمالًا مهمّةً رسّخت مكانته، من أشهرها «شرق المتوسط» عن عالم السجون السياسية، و«النهايات»، و«أرض السواد» عن العراق في القرن التاسع عشر، فضلًا عن كتاباته في السيرة والفكر. لكن «مدن الملح» تبقى عمله الأشهر والأضخم، والعمل الذي اقترن اسمه به في وجدان القرّاء العرب.
تدور «مدن الملح» في فضاءٍ روائيٍّ متخيَّل، لكنّه يستحضر بوضوحٍ الجزيرة العربية ودول الخليج في مرحلة اكتشاف النفط وما تلاها من تحوّلٍ عاصف. تبدأ الملحمة في واحةٍ اسمها «وادي العيون»، مجتمعٍ صغيرٍ متماسكٍ يعيش على إيقاع الصحراء وقوافلها وأعرافها القديمة، قبل أن يهبط عليه القادمون الأجانب بحثًا عن الثروة المدفونة تحت رماله.
ومع تدفّق النفط تتغيّر كلّ المعادلات: تُقتلع القرى القديمة، وتنشأ المدن الجديدة بموانئها وأحيائها وشركاتها، ويتبدّل ميزان القوة والثروة، ويتقاطر الناس من كلّ صوبٍ إلى العالم الجديد الذي ولد فجأة. من خلال أجيالٍ متعاقبةٍ من الشخصيات، بدوٌ ووافدون وحكّامٌ وتجّارٌ وعمّال، ترسم الرواية لوحةً واسعةً لمجتمعٍ يُولد من رحم آخرَ يُحتضر.
ونؤثر ألّا نفصّل مصائر الشخصيات كي لا نحرق للقارئ متعة التتبّع؛ فقيمة «مدن الملح» في مجراها الملحميّ الطويل الذي يتابع مصير أرضٍ وناسٍ عبر عقود، لا في حبكةٍ واحدةٍ مركزة. يكفي أن نقول إنّها روايةٌ عن مدينةٍ وأمّةٍ تُبنى وتنهار، لا عن بطلٍ فردٍ واحد.
«مدن الملح» ليست روايةً مفردةً، بل عملٌ ملحميٌّ ضخمٌ يمتدّ على خمسة أجزاء متتابعة، صدرت تباعًا خلال ثمانينيات القرن الماضي. وهي بمجموعها بناءٌ روائيٌّ واحدٌ متّصل، يتتبّع تحوّل المجتمع عبر أجيالٍ وحقبٍ متعاقبة، حتى غدت من أطول المشروعات الروائية العربية وأكثرها طموحًا.
أجزاء الخماسية بترتيبها هي: «التيه»، ثم «الأخدود»، ثم «تقاسيم الليل والنهار»، ثم «المنبت»، ثم «بادية الظلمات». يفتتح «التيه» الملحمة بمشهد الواحة واكتشاف النفط وبداية الاقتلاع، فيما تنتقل الأجزاء التالية بالقارئ إلى نشأة المدينة والسلطة والدولة الجديدة وصراعاتها.
هذا الامتداد الطويل هو سرّ قوّة العمل وسرّ صعوبته معًا: فهو يمنح القارئ لوحةً بانوراميةً نادرةً لتحوّلٍ تاريخيٍّ بأكمله، لكنّه يطلب منه في المقابل نَفَسًا طويلًا وصبرًا على إيقاعٍ متأنٍّ يليق بملحمةٍ لا بروايةٍ سريعة.
في قلب «مدن الملح» سؤالٌ كبير: ماذا يحدث لمجتمعٍ حين ينفجر تحت أقدامه كنزٌ يقلب حياته كلّها في سنواتٍ معدودة؟ ترصد الرواية اللحظة التي تحوّلت فيها مجتمعاتٌ رعويةٌ تقليدية إلى دولٍ نفطيةٍ حديثة، وتتأمّل ما رُبح وما فُقد في هذا التحوّل الهائل: ثروةٌ طائلةٌ تتدفّق، وفي المقابل نمطُ حياةٍ بأكمله وقيمٌ وروابطُ تُقتلع من جذورها.
واختيار العنوان نفسه بليغٌ ومقصود؛ فـ«مدن الملح» عبارةٌ عن مدنٍ نهضت فجأةً على ثروةٍ سريعة، لكنّها هشّةٌ في أساسها كالملح الذي يذوب أوّل ما يلامسه الماء. إنها استعارةٌ عن العمران الذي يقوم بلا جذورٍ راسخة، وعن مجدٍ ماديٍّ لامعٍ يخفي تحته اهتزازًا عميقًا في الهوية والاجتماع.
وتحضر في العمل ثيماتٌ متشابكة: صدمة اللقاء بين المحلّي والأجنبي، ونشوء السلطة المطلقة وعلاقتها بالثروة، ومصير الإنسان البسيط الذي تطحنه عجلة التغيير، والحنين إلى عالمٍ قديمٍ لن يعود. بهذا تتجاوز الرواية كونها حكايةً عن النفط إلى كونها تأمّلًا في معنى الحداثة حين تُفرض من الخارج دفعةً واحدة.
حازت «مدن الملح» مكانةً رفيعةً في تاريخ الرواية العربية، وصُنّفت من أبرز الأعمال الروائية العربية في القرن العشرين، وممّا يُعدّ من كلاسيكيّات الأدب العربي الحديث. أعجب بها كثيرٌ من النقّاد والقرّاء لجرأتها في مقاربة موضوعٍ لم تجرؤ الرواية العربية على مواجهته بهذا الاتّساع من قبل: أثر النفط والقوى الأجنبية والسلطة في مجتمعات الخليج.
وقد تُرجمت الرواية إلى الإنجليزية ولغاتٍ أخرى، فوصل صوت منيف إلى قرّاءٍ خارج العالم العربي، وأثارت اهتمام النقّاد في الغرب. وكان من أبرز المحتفين بها المفكّر إدوارد سعيد الذي أشاد بها بوصفها من الأعمال القليلة التي حاولت أن تصوّر أثر النفط والحداثة المفروضة على مجتمعات المنطقة تصويرًا جادًّا.
ولأنّها لامست موضوعًا شديد الحساسية، فقد أُحيطت الرواية بجدلٍ سياسيٍّ ومُنعت في عددٍ من البلدان، وهو ما زاد من شهرتها وأحاطها بهالةٍ من الالتفات. وبين الإشادة الواسعة وبعض التحفّظات النقدية على طولها وبنائها، تبقى «مدن الملح» علامةً فارقةً أثّرت في الرواية العربية اللاحقة وفتحت أمامها بابًا لمساءلة التاريخ الحديث للمنطقة.
أسلوب «مدن الملح» ملحميٌّ واسعُ النَّفَس، يميل إلى البناء البانورامي الذي يتابع الجماعة والمجتمع أكثر من فردٍ واحد، وإلى لغةٍ متينةٍ فيها نكهةٌ سرديةٌ تستلهم الحكاية الشعبية وإيقاع الصحراء. لا تسعى الرواية إلى تشويقٍ سريع، بل إلى بناءِ عالمٍ كاملٍ لبنةً لبنة، فتُقرأ على مهلٍ كما تُشاهد لوحةٌ كبيرةٌ مفصّلة.
وهي خيارٌ ممتاز لمحبّي الروايات الملحمية الطويلة والأدب الجادّ الذي يمزج السرد بالتاريخ والاجتماع، ولكلّ مهتمٍّ بتاريخ الجزيرة العربية والخليج وتحوّلات النفط، ولقارئٍ يبحث عن عملٍ يترك أثرًا يبقى بعد الفراغ منه. أما من يفضّل الحبكة السريعة والعمل القصير المركّز فقد يجد في طولها وإيقاعها المتأنّي تحدّيًا يحتاج إلى صبر.
وتجدر الإشارة إلى أنّ «مدن الملح» عملٌ عربيٌّ أصيلٌ كُتب بالعربية مباشرةً، وأنّ ما نقدّمه هنا تعريفٌ ونبذةٌ بالرواية وعالمها وخماسيّتها، لا نصّها الكامل. فمن أحبّ هذا التعريف فأمامه ملحمةٌ من خمسة أجزاءٍ تستحقّ أن تُقرأ في مصادرها.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون