عن الكتاب

مدارج السالكين

في تفسير آيةٍ واحدةٍ من فاتحة الكتاب، «إياك نعبد وإياك نستعين»، عقد ابن القيّم رحلةً كاملةً في منازل القلوب ودرجات السالكين إلى الله. أخذ متنًا صغيرًا لشيخ الإسلام الهروي في «منازل السائرين»، فشرحه ونقده وأضاء غامضه، حتى استحال الكتاب موسوعةً في التوبة والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والرضا، وفي كل ما يعرض للعبد في طريقه إلى ربه. جمع فيه بين حرارة أهل السلوك ودقّة أهل الحديث، فلم يُفرّط في ذوقٍ صادق ولا أطلق العنان لشطحٍ مخالف. هذا هو «مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين».

غلاف مدارج السالكين
المؤلف
محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية، أبو عبد الله
وفاة المؤلف
751 هـ
النوع
السلوك وتزكية النفوس وفقه القلوب
أصل الكتاب
شرحٌ على «منازل السائرين» لأبي إسماعيل الهروي الأنصاري (ت 481 هـ)
بناؤه
على درجات «إياك نعبد وإياك نستعين» ومائة منزلة من منازل السير
أشهر طبعاته
تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، وطبعاتٌ محقّقة في ثلاثة أجزاء

من هو ابن قيّم الجوزية؟

هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي ثم الدمشقي، المعروف بابن قيّم الجوزية؛ نُسب إلى «قيّم الجوزية» لأن أباه كان قيّمًا على المدرسة الجوزية بدمشق. وُلد سنة 691 هـ ونشأ في بيت علمٍ وصلاح، فطلب العلم على كبار شيوخ عصره، وبرع في التفسير والحديث والفقه وأصوله والعربية وعلم الكلام والسلوك، حتى صار من أوسع أهل زمانه اطّلاعًا وأغزرهم تصنيفًا.

وكان ابن القيّم من أخصّ تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وألزمهم له؛ لازمه سنين طوالًا حتى وفاته، فنشر علمه وحرّره وذبّ عنه، حتى سُجن معه في قلعة دمشق وأوذي في سبيل ما يعتقد. لكنه لم يكن ناقلًا مقلّدًا، بل صاحب نفَسٍ خاص في التصنيف: يجمع الأدلة، ويستقصي المسائل، ويمزج تحقيق الفقيه بذوق العارف ووعظ المربّي.

ترك ابن القيّم مصنفاتٍ سارت بها الركبان، منها «زاد المعاد» و«إعلام الموقّعين» و«الصواعق المرسلة» و«طريق الهجرتين» و«مفتاح دار السعادة»؛ وكان «مدارج السالكين» من أنضج ثمار قلمه في علم القلوب. تُوفّي بدمشق سنة 751 هـ وقد ملأ الآفاق علمًا وتربية، رحمه الله رحمةً واسعة.

أصل الكتاب: شرحٌ لمنازل السائرين

لم يضع ابن القيّم «مدارج السالكين» ابتداءً، بل بناه على متنٍ سابق شديد الإيجاز اسمه «منازل السائرين إلى الحق المبين»، صنّفه شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (ت 481 هـ)، أحد أئمة السلوك وأعلام السنة في هراة. رتّب الهروي كتابه على مائة منزلة من منازل السير إلى الله، من التوبة إلى نهايات التوحيد، وأودعها عباراتٍ مركّزةً غامضة تحتاج إلى شرحٍ يجلوها.

وجد ابن القيّم في هذا المتن مادةً نفيسة، لكنه رأى فيه أيضًا عباراتٍ أطلقها الهروي على طريقة القوم قد يُساء فهمها أو تُوهم ما لا يليق بجناب التوحيد كالفناء والاتحاد. فعزم على أن يشرحه شرحًا يُبرز حكمته ويجلو غامضه، وأن ينبّه في الوقت نفسه على ما زلّ فيه القدم أو جانب الصواب، فيُبقي على لبّ السلوك الصحيح ويردّ ما خالف الكتاب والسنة، مع حفظه أدب المُريد لشيخه.

وكان ذلك في القرن الثامن الهجري، عصرٍ امتزجت فيه طرق الصوفية بمقالات المتكلمين والفلاسفة، وكثر فيه من يرفع «الحقيقة» على «الشريعة». فجاء «مدارج السالكين» ليعيد بناء طريق التزكية على أساسٍ من نصوص الوحي لا على الأذواق والمواجيد المرسلة، من غير أن يجحد ما في تجربة أهل السلوك الصادقين من نورٍ وصدق.

منهجه: الدين كله في آية

مدار الكتاب كله على آيةٍ واحدة: «إياك نعبد وإياك نستعين»؛ إذ يرى ابن القيّم أن الدين كله يدور على هاتين الكلمتين، فـ«إياك نعبد» تجمع مقامات العبودية، و«إياك نستعين» تجمع مقامات التوكل والافتقار. وبين هذين القطبين تتنزّل منازل السائرين كلها؛ فكل منزلةٍ من توبةٍ ومحبةٍ وخوفٍ ورجاءٍ ورضًا إنما هي درجةٌ في تحقيق العبودية والاستعانة.

وطريقته في كل منزلة أن يسوق كلام الهروي أولًا، ثم يشرح مراده ويبيّن درجاته الثلاث كما جرى عليه صاحب المنازل، ثم يُتبع ذلك بالبسط والتحقيق من الكتاب والسنة وآثار السلف. فإذا مرّ بعبارةٍ موهمة وقف عندها ناقدًا مبيّنًا، يعتذر لصاحبها ما وجد إلى الاعتذار سبيلًا، ويردّ ما لا يحتمل التأويل. وهذه الحرية العلمية مع حفظ الأدب لشيخ الإسلام الهروي من أبرز ما يميّز الكتاب.

وقد اتّسعت هذه المنازل في قلم ابن القيّم حتى صارت فصولًا مطوّلة، بعضها كتابٌ قائم بنفسه؛ فمبحث المحبة وحده من أعظم ما كُتب في بابه، وكذلك فصول التوبة والصبر والشكر والتوكل والفرق بين المقامات. حتى إن القارئ ليكاد ينسى أنه يقرأ شرح متنٍ صغير، من سعة ما استطرد إليه المصنّف من دقائق أحوال القلوب.

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
سورة الفاتحة، وعليها بنى ابن القيّم كتابه كله

ما الذي يميّز الكتاب؟

يمتاز «مدارج السالكين» بأنه أنصف السلوك السنّي أعظم إنصاف: لم يشنّ عليه حملةً عمياء كما فعل بعض المتشددين، ولم يسلّم له تسليم المفتونين، بل ميّز بين سلوك أهل الاستقامة القائم على الكتاب والسنة، وشطحات أهل الوحدة والإباحة. فردّ «وحدة الوجود» وأبطلها، ووقف عند مقولات «الفناء» يفصّل حقّها من باطلها، ويردّ ذلك كله إلى ميزان النبوة.

ومن أجلّ ما في الكتاب أنه علّم القارئ فقه القلب: كيف تتفاوت مقامات العباد في العبودية، وكيف يكون الرضا والتسليم، وما الفرق بين الخوف والخشية والرهبة، وبين المحبة والعشق والشوق والأنس، وبين التوكل والتفويض والثقة. فهو يفكّك المعاني الدقيقة التي تختلط على الناس، ويضع لكل حالٍ حدّها وموضعها من الطريق.

ولهذا صار الكتاب مدرسةً في التربية الإيمانية لا مجرد شرحٍ لمتن؛ يقرؤه المريد ليعرف طريقه، ويقرؤه العالم ليحرّر مصطلحات القوم، ويقرؤه الواعظ ليأخذ منه حرارة الموعظة ودقة التحقيق معًا. وقلّ أن تجد كتابًا جمع بين هذه الوجوه كما جمعها «مدارج السالكين».

مكانته وأثره وطبعاته

احتلّ «مدارج السالكين» مكانةً رفيعة في مكتبة السلوك والتزكية، حتى عُدّ من أعظم ما كُتب في بابه، وامتاز بالتزامه بالأثر واحترازه من الضعيف والموضوع، وبجمعه بين تحقيق العقيدة وتربية القلب. وصار مرجعًا لا يستغني عنه الباحث في التصوّف السنّي، ولا الدارس لمنهج ابن تيمية وابن القيّم في تزكية النفوس.

وقد اعتنى العلماء بالكتاب طبعًا وتحقيقًا واختصارًا؛ فمن أشهر طبعاته تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، ثم توالت الطبعات المحقّقة عن دور النشر المعتبرة في ثلاثة أجزاء. كما هذّبه جماعةٌ من المتأخرين واختصروه ليقرّبوه لعامة القرّاء، وأفردوا بعض مباحثه، كفصل المحبة، برسائل مستقلة تُتداول وحدها.

وما زال الكتاب حاضرًا في دروس العلم ومجالس التربية إلى اليوم، تُشرح مسائله وينقل منه الوعّاظ والمصنّفون في الرقائق. وهو من الكتب التي إذا قرأها المرء مرةً لم يكتفِ بها، بل عاد إليها كلما أراد أن يجدّد إيمانه ويصحّح سيره إلى ربه.

كيف تقرؤه على رحلة؟

لا يلزمك أن تقرأ «مدارج السالكين» من أوله إلى آخره لتنتفع به؛ فهو كتابٌ يُفتح على أي منزلة، فتجد في كل فصلٍ بحثًا مستقلًا في حالٍ من أحوال القلب. ابدأ بمنزلةٍ تعنيك، كالتوبة أو الخوف أو الرجاء أو الرضا أو المحبة، واقرأ ما كتبه ابن القيّم فيها، فستجدها تُحرّك القلب وتفتح للبصيرة أبوابًا.

النص كامل متاح للقراءة مجانًا على رحلة، مرتّبًا مبوّبًا يسهل التنقّل فيه والبحث في منازله. اجعله رفيق طريقك إلى الله: اقرأ منه كل يومٍ يسيرًا، وتأمّل ما فيه من فقه القلوب، فإنه من الكتب التي تُقرأ للعمل والتزكية قبل أن تُقرأ للعلم وحده.

أسئلة شائعة

من مؤلف كتاب مدارج السالكين؟
مؤلفه شمس الدين محمد بن أبي بكر، المعروف بابن قيّم الجوزية، المتوفى سنة 751 هـ، وهو من أشهر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وأغزرهم تصنيفًا في التفسير والحديث والفقه والسلوك.
على أي كتابٍ بُني مدارج السالكين؟
هو في أصله شرحٌ وتعليقٌ على «منازل السائرين إلى الحق المبين» لأبي إسماعيل الهروي الأنصاري (ت 481 هـ)، بسطه ابن القيّم وحقّقه، ونبّه على ما رآه من عباراتٍ موهمة فيه.
لماذا سُمّي الكتاب بهذا الاسم وما موضوعه؟
موضوعه منازل السير إلى الله ودرجات تزكية القلب، وبناه ابن القيّم كله على قوله تعالى «إياك نعبد وإياك نستعين»؛ فمنازل السالكين تتنزّل بين تحقيق العبودية في «إياك نعبد» وتحقيق التوكل في «إياك نستعين».
ما موقف الكتاب من التصوّف؟ وهل ينتقد ابن القيّم صاحب المنازل؟
يميّز الكتاب بين السلوك السنّي القائم على الكتاب والسنة، وبين شطحات الفناء ووحدة الوجود التي يردّها ويبطلها. ومع تعظيمه للهروي فإنه ينقده حين يمرّ بعبارةٍ موهمة، فيعتذر له ما أمكن ويردّ ما لا يحتمل التأويل.
هل يمكن قراءة مدارج السالكين كاملًا مجانًا؟
نعم، النص الكامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، مرتّبًا مبوّبًا يسهل التنقّل بين منازله والوقوف على ما تريد من مباحث القلوب.

النص الكامل بين يديك

مدارج السالكين كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن