عن الكتاب
كتب الإمام الغزالي «إحياء علوم الدين» فملأ الدنيا علمًا وحكمةً وموعظة، لكنه حمّله من الأحاديث الواهية وبعض غلوّ المتصوفة ما جعل العلماء يتحفّظون عليه. فقام ابن الجوزي فنقّاه وهذّبه في «منهاج القاصدين»، ثم جاء عالمٌ زاهدٌ من بيت آل قدامة بدمشق فاختصره وقرّبه وصفّاه للقارئ، حتى صار من أجمع ما كُتب في تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس في أوجزِ عبارةٍ وأصفى مادة. هذا هو «مختصر منهاج القاصدين».

مؤلف الكتاب هو نجم الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي، أحد أعلام آل قدامة المقادسة، تلك الأسرة الحنبلية العريقة التي هاجرت من جمّاعيل بنابلس فرارًا من الاحتلال الصليبي، فاستقرّت في سفح جبل قاسيون بدمشق، وأنشأت حيّ الصالحية الذي صار منارةً للعلم والفقه والزهد. ومن هذا البيت خرج فحول الحنابلة، كموفَّق الدين ابن قدامة صاحب «المغني»، فكان مؤلفنا وريثَ هذه المدرسة في علمها وعبادتها.
اشتُهر نجم الدين بالزهد والورع وكثرة العبادة، مع رسوخٍ في الفقه والحديث، فجمع بين علم الظاهر وعمل الباطن، وهو الجمع الذي تحتاجه كتب الأخلاق أشدَّ الحاجة؛ إذ لا يُحسن الكلامَ في أمراض القلوب ودوائها إلا من عالجها في نفسه أولًا. وتوفي رحمه الله سنة تسعٍ وثمانين وستمائة للهجرة، تاركًا هذا المختصر الذي طبّق شهرتُه الآفاق، حتى صار أشهر آثاره وأبقاها ذكرًا.
لا يُفهم هذا الكتاب إلا في سلسلته الثلاثية. فأصله الأول «إحياء علوم الدين» لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت 505 هـ)، وهو من أعظم ما صُنّف في علوم القلوب والسلوك، جمع فيه الغزالي الفقه والعقيدة والآداب والرقائق في نسقٍ واحد بديع. غير أن العلماء أخذوا عليه أنه أورد فيه أحاديث كثيرةً ضعيفةً بل موضوعة، ومال في مواضع إلى ما يُنكَر من كلام المتصوفة، فبقي الكتاب عظيم النفع محتاجًا إلى تنقيةٍ وتمحيص.
فانبرى لذلك الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي البغدادي الحنبلي (ت 597 هـ)، فاختصر «الإحياء» وهذّبه في كتابه «منهاج القاصدين ومفيد الصادقين»، ونقّى مادته من كثيرٍ من الأحاديث الواهية، وقوّم ما رآه من الغلوّ. ثم جاء نجم الدين ابن قدامة بعد قرنٍ تقريبًا، فرأى «المنهاج» لا يزال مبسوطًا، فاختصره اختصارًا محكمًا، وحرّره وصفّاه، فأخرج «مختصر منهاج القاصدين»؛ خلاصةً ثالثةً اجتمع فيها نفعُ الغزالي وتنقيةُ ابن الجوزي ووجازةُ ابن قدامة.
قام منهج المؤلف على ثلاثة أسسٍ متضافرة: الاختصار الذي يحذف التطويل والاستطراد ويُبقي جوهر المعنى، والتنقية التي تتحرّى مجانبة الأحاديث الواهية ما أمكن والاقتصار على ما يُعتمد، والتصفية التي تجنّب القارئ ما قد يشكل من عبارات القوم أو يُساء فهمه. فخرج الكتاب سهل المأخذ، قريب العبارة، يقرؤه العالم فيجد بغيته، ويقرؤه المبتدئ فلا يُرهقه، وهو سرّ ذيوعه بين طلاب العلم والعامة على السواء.
ولم يكن هذا الاختصار إخلالًا بالمقصود، بل هو تركيزٌ له؛ فقد حافظ المؤلف على روح «الإحياء» في وصف أدواء القلوب وسبل علاجها، وعلى ترتيبه الجامع الذي يسير بالقارئ من إصلاح ظاهر العبادات إلى إصلاح باطن القلوب. وبهذا صار الكتاب مدخلًا أمينًا إلى علم التزكية لمن أراد ثمرة «الإحياء» دون أن يخوض في مطوّلاته أو يقع في مآخذه.
قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا
جرى المؤلف على تقسيم أصله في أربعة أرباعٍ كبرى، تندرج تحتها نحو أربعين كتابًا في أبوابٍ وفصول. فالربع الأول ربع العبادات، وفيه العلم وقواعد العقائد وأسرار الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج وتلاوة القرآن والأذكار والأوراد، فيبدأ بإصلاح الصلة بين العبد وربه. والربع الثاني ربع العادات، وفيه آداب الأكل والنكاح والكسب والصحبة والعزلة والسفر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأخلاق النبوة، فيصلح صلة العبد بمن حوله.
ثم يبلغ الكتاب لبَّه في الربعين الأخيرين. فالربع الثالث ربع المهلكات، وفيه تشريح أمراض القلب القاتلة: الكبر والعُجب والرياء والحسد والغضب وحبّ المال والجاه وآفات اللسان، مع بيان دوائها. والربع الرابع ربع المنجيات، وفيه مقامات السالكين: التوبة والصبر والشكر والخوف والرجاء والزهد والتوكل والمحبة والإخلاص والمراقبة والمحاسبة وذكر الموت. وبهذا الترتيب يأخذ الكتابُ القارئ من إصلاح العمل إلى تطهير القلب إلى ذوق حلاوة القرب.
أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا
احتلّ «مختصر منهاج القاصدين» مكانةً رفيعةً بين كتب الأخلاق والرقائق، حتى صار من أكثرها تداولًا في حِلَق العلم ومجالس الوعظ ومناهج التزكية. وميزته الكبرى أنه يقدّم زبدة «إحياء علوم الدين» بعد تنقيتين متتاليتين، فيثق به من كان يتحرّج من مطوّلات «الإحياء» ومآخذها، ويجد فيه القارئ العام موعظةً بليغةً في أسلوبٍ رائقٍ لا تكلّف فيه ولا غموض.
وقد خدم العلماء المعاصرون هذا الكتاب بالتحقيق والعناية، ومن أشهر طبعاته وأوثقها الطبعة التي حقّقها الشيخان شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، وقد اعتنيا بتخريج أحاديثه وضبط نصّه، فصارت مرجعًا لقرّائه. ولا يزال الكتاب يُطبع ويُقرأ ويُدرَّس إلى اليوم، شاهدًا على أن الحاجة إلى تهذيب النفس وإصلاح القلب لا تنقطع بتعاقب العصور.
خير ما يُقرأ به هذا الكتاب أن تتدرّج فيه على ترتيب أرباعه: تبدأ بربع العبادات فتُصلح عملك الظاهر، ثم تمرّ بربع العادات فتُقوّم معاملتك للناس، ثم تتأمّل ربع المهلكات فتعرف أدواء قلبك، وتُختم بربع المنجيات فتسلك سبيل النجاة. وإن شئت فافتح الفهرس واقصد ما يعالج حالك: بابَ الكِبر أو الحسد أو الرياء، أو بابَ الصبر أو التوبة أو الإخلاص.
وعلى رحلة تجد النصّ كاملًا مقسّمًا على أرباعه وكتبه وأبوابه كما رتّبه المؤلف، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي موضعٍ بضغطة واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. اجعله ورد قراءةٍ يوميًّا تقرأ منه بابًا أو فصلًا، فهو من الكتب التي يُقصد بها العملُ لا مجرّد العلم.
النص الكامل بين يديك
مختصر منهاج القاصدين كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى : 597هـ)
1 فصل

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)
85 فصلاً

محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
1 فصل

محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً