عن الكتاب
صحيحُ البخاري بحرٌ لا تُدرَك أطرافه: آلافُ الأحاديث بمكرّراتها ومعلّقاتها وأبوابها المتشعّبة، تُبهر العالمَ الراسخ وتُثقل كاهل المبتدئ. فما إن رسخ الجامع الصحيح في قلوب الأمة حتى تطلّعت النفوس إلى مفاتيح تختصر الطريق إليه، فبرزت طائفةٌ من المختصرات تنتقي لبابه وتيسّر حفظه. وفي القرن السابع الهجري نهض عالمٌ أندلسيٌّ نزل مصر، جمع بين حفظ الحديث وصفاء السلوك، فانتقى من صحيح البخاري نحو ثلاثمئة حديثٍ مسندةٍ متصلةٍ غير مكرّرة، وجعلها زادًا للعامل قبل أن تكون متنًا للحافظ. هذا هو «مختصر صحيح البخاري» المعروف بـ«جمع النهاية في بدء الخير والغاية» للإمام ابن أبي جمرة الأزدي.

هو أبو محمد عبد الله بن سعد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، من أهل مرسية بالأندلس، ثم شدّ رحاله إلى المشرق فاستقرّ بمصر وسكن القاهرة، وبها ذاع صيته وانتشر علمه. عاش في القرن السابع الهجري، وهو عصرٌ عزّت فيه الأندلس وضاقت بأهل العلم، فكان ممّن حمل تراث المغرب والأندلس إلى ديار مصر، وجمع بين مدرستَي الحديث والتصوّف السنّي.
كان ابن أبي جمرة محدّثًا فقيهًا على مذهب مالك، عُرف بالورع وصدق الزهد وصفاء الطريقة، حتى صار يُشار إليه في السلوك كما يُشار إليه في الرواية. لم يكن ناقلًا للأخبار فحسب، بل كان يغوص على معانيها ويستنبط منها فوائد الإيمان والعمل، فاجتمع له من رقّة القلب ودقّة النظر ما جعل مجالسه عامرةً بطلبة العلم وأهل الإرادة على السواء.
ولم يشتهر اسمه بكتابٍ كما اشتهر بمختصره على صحيح البخاري وشرحِه له؛ فقد رزقه الله من القبول في هذين العملين ما خلّد ذكره، وصار يُعرف بهما في مشارق الأرض ومغاربها. توفي رحمه الله بمصر في نحو سنة تسعٍ وتسعين وستمئة، وترك أثرًا باقيًا في كتب أهل الحديث والسلوك جميعًا.
ما إن استقرّ صحيح البخاري في مكانة «أصحّ كتابٍ بعد كتاب الله» حتى انبرى العلماء لخدمته بألوانٍ من العمل: فمنهم من شرحه وبسط معانيه، ومنهم من رتّبه على الأبواب، ومنهم من اختصره لييسّر على الناس حفظه ومدارسته. فالجامع الصحيح على جلالته يضمّ آلاف الأحاديث بمكرّراتها ومعلّقاتها وتعليقاته الفقهية، وذلك ممّا يشقّ على المبتدئ والعامل أن يحيط به أو يستحضره.
وفي هذا السياق جاء صنيع ابن أبي جمرة، لكنّه لم يقصد مجرّد تخفيف الحجم؛ بل كان مقصده أرفعَ من ذلك: أن يجمع من الصحيح قدرًا يسيرًا محرّرًا يصلح أن يكون عمدةً للعامل المريد، يحفظه ويتدبّره ويستخرج منه هدي النبوّة في العقيدة والعبادة والأخلاق. فاختار أن يكون كتابه منتخَبًا صافيًا، خاليًا من التكرار والمعلّقات، تتفرّغ فيه النفس للفهم والعمل لا للاستيعاب والإحصاء.
ولأجل ذلك وضع لنفسه شرطًا واضحًا في الانتقاء، صرّح به في مقدّمة كتابه، فلم يُثبت إلا ما استوفى شروطه، حتى بلغ ما اختاره نحو ثلاثمئة حديث؛ عددٌ يسيرٌ في مبناه، عظيمٌ في معناه، سمّاه «جمع النهاية في بدء الخير والغاية» إشارةً إلى أنه بدايةٌ في طلب الخير وغايةٌ فيما تصلح به النفوس.
لم أُثبت في هذا المختصر إلا ما كان مسندًا متصلًا غير مكرّرٍ من أحاديث الجامع الصحيح، فبلغ ذلك نحو ثلاثمئة حديث.
قام اختيار ابن أبي جمرة على شروطٍ دقيقة: أن يكون الحديث مسندًا متصلًا موصولًا إلى النبي ﷺ، فأعرض عن المعلّقات التي حذف البخاري أوائل أسانيدها، وعن الموقوفات على الصحابة والتابعين. ثم اشترط ألّا يكون مكرّرًا، فحيثما ورد الحديث في الصحيح في مواضع، اكتفى منه بموضعٍ واحد. بهذا المنهج انحلّت عقدة التكرار التي تضاعف عدد أحاديث البخاري، وتجرّد للقارئ متنٌ واحدٌ صافٍ.
وبهذا الغربال المُحكَم تقلّص الجامع الصحيح من آلاف المواضع إلى نحو ثلاثمئة حديثٍ منتخبة، تمثّل خلاصةً جامعةً لأصول الدين: من الإيمان والتوحيد، إلى الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، إلى المعاملات والآداب والرقائق وأحوال الآخرة. فمَن حفظ هذا العدد اليسير ملك مفاتيح واسعةً من هدي النبوّة، وأمكنه أن يبني عليها فقهه وسلوكه.
ولم يكن همّ ابن أبي جمرة عند الانتخاب أن يجمع أحاديث الأحكام وحدها كما يصنع الفقيه، بل أن يجمع ما تحيا به القلوب وتستقيم به الجوارح؛ ولذلك غلب على اختياره الأحاديث الجامعة التي تُستنبط منها الفوائد الكثيرة في الاعتقاد والعمل والأدب. فجاء المختصر بابًا إلى الصحيح لطالب العلم، وزادًا للسالك في طريقه، ومتنًا صالحًا للحفظ والمدارسة في آنٍ واحد.
لم يترك ابن أبي جمرة مختصره متنًا مجرّدًا، بل خدمه بشرحٍ من قلمه هو، سمّاه «بهجة النفوس وتحلّيها بمعرفة ما لها وما عليها»، فصار المختصر وشرحه كتابًا واحدًا في نظر الناس، يُقرأ أحدهما بالآخر. وفي هذا الشرح تتجلّى شخصية المؤلف كاملةً: محدّثٌ يضبط المتن، وفقيهٌ يستخرج الأحكام، وعارفٌ يغوص على لطائف القلوب.
ليست «بهجة النفوس» شرحًا لفظيًّا يقف عند غريب الحديث وإعراب ألفاظه، بل هي كتاب فوائد وسلوك في المقام الأول: يستنبط من الحديث الواحد جملةً من العبر في التوحيد والعبادة والأخلاق، ويصل حديث النبوّة بأحوال القلب وأمراض النفس ودواء الآخرة. ولهذا وجد فيها العامّة والخاصّة بغيتهم، فالفقيه يجد فقهًا، والزاهد يجد رقائق، والمبتدئ يجد تربيةً ورفقًا.
وقد رُزق هذا الشرح من القبول والانتشار ما جعله من أحبّ الكتب إلى قلوب الناس في المغرب والمشرق، يُقرأ في المساجد وحلقات العلم والتربية جيلًا بعد جيل. وبه ارتفع ذكر مختصر ابن أبي جمرة، فلم يعد مجرّد انتقاءٍ من البخاري، بل مدرسةً تجمع علم الحديث إلى تزكية النفس في نَفَسٍ واحد.
صحيح البخاري من أكثر الكتب حظًّا من الاختصار، فتعدّدت مختصراته، ولعلّ أشهرها من حيث استيعاب المتن «التجريد الصريح» للزبيدي. أمّا مختصر ابن أبي جمرة فله وجهةٌ متميّزة: فهو أقلّها عددًا وأعلاها عنايةً بالانتخاب والسلوك، إذ لم يقصد استيعاب أحاديث الصحيح، بل اجتباء خلاصةٍ منها تصلح للحفظ والعمل والتدبّر. وبهذا احتلّ منزلةً خاصّة بين مختصرات البخاري لا تُزاحمه فيها غيره.
ولم ينقطع اعتناء العلماء بالكتاب وشرحه، فطُبع «مختصر صحيح البخاري» و«بهجة النفوس» مرارًا، وتناولته أيدي المحقّقين بالضبط والتخريج والعناية، ومن ذلك هذه النسخة بتحقيق الشيخ علي بن نايف الشحود التي تُيسّر متنه على القارئ المعاصر مضبوطًا موثّقًا. وبقيت هذه العناية المتّصلة شاهدةً على حيوية الكتاب في مكتبة الحديث.
ويبقى هذا المختصر إلى اليوم بابًا مباركًا يُدخل منه المبتدئ إلى صحيح البخاري، ومتنًا يحفظه طالب العلم ليجمع خلاصة الجامع الصحيح في صدره، وزادًا يقرؤه العامل ليصل هدي النبوّة بحياته اليومية. جمع بين قصر المبنى وسعة المعنى، فكان نعم الرفيق للمقبل على السنّة.
إن كنت تهاب دخول صحيح البخاري لسعته، فمختصر ابن أبي جمرة بابك اللطيف إليه: نحو ثلاثمئة حديثٍ منتخبة، صافيةٍ من التكرار، تقرؤها في مجالس معدودة، فتخرج بخلاصة الجامع الصحيح في العقيدة والعبادة والأخلاق والرقائق. اقرأه متدرّجًا حديثًا حديثًا، وقف عند كل حديثٍ متدبّرًا فوائده، تجد فيه زادًا لقلبك قبل أن يكون علمًا لذاكرتك.
وفي القارئ هنا تجد نصّ المختصر كاملًا مرتّبًا، مع فهرسٍ يوصلك إلى ما تريد بضغطةٍ واحدة، فابدأ من أوّله لتسير مع ترتيب المؤلف، أو اقصد بابًا بعينه يعنيك. اجعله ورد يومك من السنّة النبوية، واقرأ «مختصر صحيح البخاري» كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
مختصر صحيح البخاري كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

عبد الغني المقدسي :: تقي الدين أبو محمد عبد الغني
158 فصلاً

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل