عن الكتاب
تخيّل أنّك تدخل غرفةً مليئةً بالغرباء، فتخرج منها وقد كسبت ودّهم وثقتهم دون أن ترفع صوتًا أو تُجادل أحدًا. هذه هي الفكرة التي بنى عليها ديل كارنيجي كتابه، يوم أدرك أنّ نجاح المرء في حياته ومهنته لا يتوقّف على ذكائه وعلمه وحدهما، بل على قدرته على التعامل مع الناس وكسب قلوبهم. جمع كارنيجي خلاصة سنواتٍ من تدريب آلاف الرجال والنساء في مبادئ بسيطةٍ عمليّةٍ في فنّ مخاطبة النفوس والتأثير في السلوك، فجاء كتابه دليلًا في العلاقات الإنسانية يخاطب كلّ من أراد أن يُحسن صحبة الناس ويؤثّر فيهم بلا قهرٍ ولا مداهنة. إنّه «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس».

«كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس» كتابٌ عمليٌّ في فنّ العلاقات الإنسانية، يقوم على فكرةٍ محوريةٍ واحدة: أنّ أكبر ما يعوق الإنسان في حياته وعمله ليس نقصًا في المعرفة أو المهارة، بل عجزًا عن حسن التعامل مع من حوله. ومن هنا انطلق كارنيجي ليقدّم مجموعةً من المبادئ التي تعين المرء على أن يكسب ثقة الناس، ويحبّبهم إليه، ويقنعهم بوجهة نظره، ويقودهم دون أن يجرح مشاعرهم أو يثير ضغائنهم.
ليس الكتاب مؤلَّفًا نظريًّا في علم النفس، بل هو أقرب إلى دليلٍ تطبيقيّ مشحونٍ بالأمثلة والقصص من حياة أناسٍ حقيقيين، رجال أعمالٍ وباعةٍ وموظفين وآباءٍ وأزواج، يريهم كيف حوّلت مبادئ بسيطة علاقاتهم من التوتر إلى الودّ، ومن الفشل إلى النجاح. وكارنيجي يصرّ في كلّ صفحةٍ على أنّ سرّ التأثير الحقيقيّ ليس الحيلة ولا التملّق، بل الاهتمام الصادق بالآخرين وتقديرهم حقّ قدرهم.
وقد بنى كارنيجي الكتاب على أربعة أقسامٍ كبرى تتدرّج من الأساس إلى القمّة: فنون التعامل مع الناس عمومًا، ثم الطرائق التي تجعلهم يحبّونك، ثم أساليب إقناعهم بوجهة نظرك دون خصام، وأخيرًا كيف تقودهم وتغيّر سلوكهم دون أن تُثير عداوةً أو استياء. وبهذا التدرّج جعل كتابه رحلةً متكاملةً في بناء العلاقة الإنسانية من أوّلها إلى آخرها.
وُلد ديل كارنيجي سنة 1888 في مزرعةٍ فقيرةٍ بولاية ميزوري الأمريكية، ونشأ في عوزٍ لم يُنسِه طموحه. جرّب بعد تخرّجه مهنًا شتّى، من بيع المنتجات إلى محاولة احتراف التمثيل، قبل أن يهتدي إلى ما سيصبح رسالة حياته: تعليم الناس فنّ الخطابة والثقة بالنفس والتعامل مع الآخرين. بدأ بإلقاء دوراتٍ مسائيةٍ في هذا الفنّ، فلاقت رواجًا واسعًا حتى صارت «دورة ديل كارنيجي» مؤسسةً قائمةً بذاتها انتشرت في أنحاء العالم.
من رحم هذه الدورات وُلد الكتاب. فقد لاحظ كارنيجي أنّ ما يتعطّش إليه طلّابه ليس مهارة الكلام أمام الجمهور فحسب، بل فنّ كسب الناس والتأثير فيهم في حياتهم اليومية. جمع خلاصة تجاربه معهم، وقرأ في سِيَر العظماء وأقوال الحكماء، وصاغ من ذلك كلّه مبادئ عمليّةً جرّبها على آلاف المتدرّبين قبل أن يودعها كتابه سنة 1936.
لم يكن الكتاب عمل كارنيجي الوحيد؛ فقد سبقه ولحقه بمؤلفاتٍ أخرى في التطوير الذاتيّ، أشهرها «دع القلق وابدأ الحياة». لكنّ «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس» ظلّ درّته الكبرى والأثر الذي خلّد اسمه. وحين وافته المنية سنة 1955، كان قد رسّخ لنفسه مكانةً بوصفه أحد آباء حركة التنمية الذاتية الحديثة، ومعلّمًا ما يزال ملايين القرّاء يتتلمذون على صفحاته إلى اليوم.
يستهلّ كارنيجي كتابه بمبادئ في أصل التعامل مع الناس، لعلّ أشهرها وأصعبها على النفس: لا تنتقد ولا تُدِن ولا تشتكِ. فالنقد، كما يرى، نادرًا ما يُصلح، وكثيرًا ما يجرح الكبرياء ويولّد العناد. ويدعو بدلًا من ذلك إلى منح الناس تقديرًا صادقًا لا تملّقًا كاذبًا، وإلى أن تنظر إلى الأمور بعين صاحبك فتُثير في نفسه رغبةً صادقةً في فعل ما تريد، بدل أن تُملي عليه إملاءً.
ثم يقدّم ستّ طرائق تجعل الناس يحبّونك، تبدو كلّها بديهيةً لكنّها قليلًا ما تُمارَس: أن تهتمّ اهتمامًا صادقًا بالآخرين، وأن تبتسم، وأن تتذكّر أنّ اسم المرء أحبّ الأصوات وأحلاها إلى مسامعه، وأن تكون مُنصتًا بارعًا تشجّع غيرك على الحديث عن نفسه، وأن تتكلّم فيما يهمّه هو، وأن تُشعره بأهميته إشعارًا صادقًا. بهذه البساطة يفتح كارنيجي أبواب القلوب.
وفي القسم الأعمق ينتقل إلى فنّ الإقناع دون خصام، فيرى أنّ الرابح الوحيد في الجدال هو من يتجنّبه، ويحذّر من أن تقول لأحدٍ «أنت مخطئ»، ويدعو إلى احترام رأي الآخر، وإلى المبادرة بالاعتراف بخطئك متى أخطأت، وإلى أن تبدأ حديثك بودٍّ وأن تدع صاحبك يظنّ الفكرة فكرته. ويختم بفنّ القيادة: كيف تُنبّه على الخطأ وتصلح السلوك وتحفّز الناس دون أن تُهدر ماء وجوههم أو تُوغِر صدورهم.
صدر الكتاب سنة 1936 في قلب سنوات الكساد الكبير، حين كان ملايين الناس يبحثون عن أيّ سبيلٍ لتحسين أحوالهم وفرصهم في عملٍ نادر. فجاء كتابٌ يَعِد كلّ قارئٍ بأن يصبح أقدر على كسب الناس والتأثير فيهم، بلا رأس مالٍ ولا شهادةٍ عليا، فوقع من النفوس موقعًا عظيمًا. نفدت طبعاته تِباعًا، وتحوّل في أشهرٍ قليلةٍ إلى ظاهرةٍ رائجة تتناقلها الألسن.
وسرّ هذا الرواج أنّ الكتاب يخاطب حاجةً إنسانيةً لا تشيخ: رغبة كلّ إنسانٍ في أن يُحَبّ ويُقدَّر وينجح في علاقاته. ولأنّ كارنيجي صاغ مبادئه بلغةٍ سهلةٍ وأمثلةٍ حيّةٍ يمكن لأيّ قارئٍ أن يجرّبها في يومه، شعر الملايين أنّ الكتاب يكلّمهم هم بالذات ويحلّ مشكلاتهم هم. فتجاوزت شهرته حدود بلده ولغته، وتُرجم إلى عشراتٍ من اللغات، وبيعت منه عشرات الملايين من النسخ عبر العقود.
وهكذا لم يعد الكتاب مجرّد نجاحٍ تجاريٍّ عابر، بل صار أحد الكتب المؤسِّسة لصناعةٍ كاملةٍ هي أدب التنمية الذاتية. فما من مؤلَّفٍ لاحقٍ في فنّ التعامل مع الناس أو النجاح الشخصيّ إلّا وهو مَدينٌ في شيءٍ منه لكارنيجي، حتى غدا كتابه مرجعًا يُستشهد به ونقطةً يُقاس عليها.
ظلّ أثر الكتاب ممتدًّا لأكثر من ثمانين عامًا، فما يزال يتصدّر قوائم الأكثر مبيعًا في بابه، ويُنصَح به في أوساط الأعمال والإدارة والتدريب. وقد أدرجته مجلة «تايم» في قائمتها لأكثر الكتب تأثيرًا، ويُذكر أنّ رجل الأعمال الشهير وارن بافيت من بين من أثنوا على دورة كارنيجي وعدّوا ما تعلّموه فيها من أنفع ما اكتسبوه في حياتهم العملية.
ولم يخلُ الكتاب من نقد. فقد رأى بعض النقّاد أنّ نصائحه قد تُقرأ على أنّها دعوةٌ إلى المجاملة النفعية أو التعامل مع الناس بوصفهم أدواتٍ للمنفعة. غير أنّ قرّاءه المنصفين يردّون بأنّ كارنيجي نفسه سبق إلى هذا الاعتراض، وشدّد مرارًا على أنّ التقدير لا بدّ أن يكون صادقًا لا متكلّفًا، وأنّ الاهتمام المصطنع سرعان ما ينكشف، وأنّ جوهر منهجه هو أن تنظر بعينٍ صادقةٍ إلى ما في الآخرين من خيرٍ يستحقّ التقدير.
وربّما كان أصدق دليلٍ على حيويته أنّ أفكاره تسرّبت إلى لغة الناس وسلوكهم حتى صارت من البدهيّات التي ننساها: أن نبتسم، وأن نتذكّر الأسماء، وأن نُنصت أكثر ممّا نتكلّم، وأن نمدح بصدقٍ قبل أن ننتقد. تلك بساطةٌ خادعة، لأنّ تطبيقها الدائم هو التحدّي الذي يجعل الكتاب يستحقّ أن يُقرأ ويُعاد في كلّ جيل.
هذا الكتاب لكلّ من يتعامل مع البشر، أي لكلّ إنسان. يجد فيه صاحب العمل والباع دليلًا في كسب العملاء والزملاء، ويجد فيه المدير والقائد أسلوبًا في التحفيز دون قهر، ويجد فيه الأب والأم والزوجان مفاتيح لبيتٍ أهدأ وأدفأ. وهو خاصةً بابٌ مثاليٌّ لمن يشعر بالتردّد في المواقف الاجتماعية، أو يريد أن يبني حضوره وثقته في التعامل مع الآخرين خطوةً خطوة.
ونضع على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يقرّبك من روح الكتاب وأفكاره ومبادئه وسرّ ذيوعه، لا نسخةً كاملةً من نصّه. والكتاب متوفّرٌ في ترجماتٍ عربيةٍ متعددةٍ لمن أراد أن يقرأه كاملًا، ونحن هنا نوجز لك خلاصته ومكانته ونضعك على أوّل الطريق إليه.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون