عن الكتاب
ليست الحيلة أن يخاطبك الحكيمُ فتُصغي، بل أن يضع لسانَ الحكمة في فمِ أسدٍ وثورٍ وابنَي آوى، فتضحك من القصّة وأنت لا تدري أنها تعلّمك كيف تحكم وكيف تصادق وكيف تحذر بطانةَ السوء. هذا هو سرُّ هذا الكتاب الذي رحل من أدغال الهند إلى بلاط كسرى ثم إلى العربية، فصار على ألسنة الأمم قرونًا؛ حكاياتٌ على ألسنة الوحوش والطير، تحتها فلسفةٌ في تدبير الملك وأخلاق الناس، صاغها بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ أديبٌ من أعاجيب البيان. إنه «كليلة ودمنة» بترجمة عبد الله بن المقفع.

هو أبو محمد عبد الله بن المقفع، من أهل فارس، وُلد مجوسيًّا واسمه رُوزبه ثم أسلم فتسمّى بعبد الله. نشأ على أدب الفرس وحكمتهم، ثم أتقن العربية حتى صار عَلَمًا من أعلام البيان وكاتبًا مرموقًا في دواوين الولاة، فجمع بين ثقافتين وبراعةٍ في اللسانين. وله في الأدب آثارٌ خالدة سوى «كليلة ودمنة»، منها «الأدب الكبير» و«الأدب الصغير»، وهي رسائل في السياسة والأخلاق وسياسة النفس تشهد بعمق نظره وحصافة عقله.
وقد عُرف ابن المقفع بأنه من روّاد النثر العربي المصنوع، الذي يجمع بين وضوح المعنى وجمال المبنى في غير تكلّف، حتى ضُرب المثل بأسلوبه في «السهل الممتنع». وكان أهلًا لنقل حكمة الأمم إلى العربية لأنه استوعب تراث الفرس ونقل عن الفهلوية عدة كتب، فأدّى المعاني بلسانٍ عربيٍّ فصيح دون أن يفقدها روحها.
ولم تطل به الحياة؛ فقد قُتل شابًّا نحو سنة اثنتين وأربعين ومائة للهجرة قتلةً بشعة، على يد بعض ولاة الدولة في خصومةٍ سياسية. فذهب في ريعان نبوغه، لكنه ترك من الأثر ما جعله من أخلد كتّاب العربية، وظلّ اسمه مقرونًا بهذا الكتاب الذي عرّبه فصار من عيون الأدب.
لهذا الكتاب رحلةٌ عجيبة عبر الأمم واللغات. أصله هنديٌّ قديم، تنسبه الروايات إلى الفيلسوف الحكيم بيدبا، الذي وضعه، كما تقول مقدّمة الكتاب، نصيحةً للملك دبشليم، فصاغ له حكمته في تدبير المُلك على صورة حكاياتٍ على ألسنة الحيوان لتخفَّ على السامع وترسخ في نفسه. وتُرجعه الدراسات إلى أصولٍ هندية قديمة، من أشهرها كتاب «بنجا تنترا».
ثم بلغ خبرُه كسرى أنوشروان ملك الفرس، فبعث طبيبه الحكيم برزويه إلى بلاد الهند يلتمس هذا الكتاب ونظائره، فرحل واحتال حتى ظفر به ونقله إلى الفهلوية، لغة الفرس يومئذ. ولهذا بقي في الكتاب بابٌ باسم «برزويه الطبيب» يحكي رحلته وسيرته، وهو من أنفس أبوابه في التأمّل والزهد.
فلما جاء العصر العباسي عرّب ابنُ المقفع النسخة الفهلوية، فأخرجه في حُلّةٍ عربيةٍ بديعة، وزاد عليه مقدّمةً من إنشائه، وباب «الفحص عن أمر دمنة» ليتمّ به الجزاء ويستقيم مغزى القصّة الأولى. فكان هذا التعريب هو الجسر الذي عبر منه الكتاب إلى سائر لغات العالم، إذ نُقل عن العربية إلى لغاتٍ كثيرة فيما بعد.
الكتاب سلسلةٌ من الحكايات المتداخلة، يرويها الفيلسوف بيدبا للملك دبشليم جوابًا عن مسائل في الحكم والأخلاق والعلاقات؛ فيسأله الملك عن حالٍ من أحوال الناس، فيجيبه الحكيم بمثلٍ وقصّةٍ على ألسنة الحيوان، وقد تتوالد من القصّة قصّةٌ أخرى في نسقٍ بديع يشدّ القارئ ويعلّمه من حيث يُمتعه.
ويأخذ اسمَه من بابه الأول، حكاية الأسد والثور، وفيها ابنا آوى «كليلة» و«دِمنة»؛ فأمّا دمنة فطموحٌ ماكرٌ يسعى للحظوة عند الأسد ملك الوحوش ولو بالوقيعة والدسّ، وأمّا كليلة فأحكمُ وأرزنُ يحذّره عاقبة المكر. وفي هذا الباب دروسٌ بليغة في خطر البطانة الفاسدة وأثر الوشاية بين الملوك والأصحاب.
ثم تتوالى أبوابه في مشاهد شتّى: الحمامة المطوّقة وما فيها من وفاء الأصدقاء وحُسن التعاون على الشدائد، والبوم والغربان وما بينهما من مكرٍ وحربٍ وخداع، والقرد والغَيلم في الغدر والحيلة، وغيرها من أبوابٍ يجمع كلٌّ منها حكمةً بعينها في صورةٍ قصصيةٍ لا تُنسى، من غير أن يُفصح الكتاب عن عِظته إفصاحًا مباشرًا.
ليست حكايات الحيوان في الكتاب لهوًا، بل قناعٌ رقيقٌ لأعمق ما يشغل الإنسان: كيف يُساس الناس، ومتى يُقدَم ومتى يُحجم، وكيف يُختار الصاحب والوزير، وكيف يُتّقى الكذوب والحسود والواشي. ولهذا عُدّ من جنس «مرآة الأمراء»، الكتب التي تُهدى إلى الملوك لتقويم سياستهم، لكنه يخاطب كلَّ عاقلٍ في تدبير أمره ومعاشرته للناس.
ومن أبرز معانيه الحضُّ على التبصّر قبل الإقدام، والتحذير من العجلة والاغترار، والدعوةُ إلى الوفاء وحفظ العهد وشكر الصنيعة، والتنبيهُ إلى خطر الطمع وسوء العاقبة لمن سلك سبيل المكر. فهو في ظاهره تسليةٌ، وفي باطنه أدبٌ في السلوك وفلسفةٌ في الحياة صاغها الأولون خبرةً مجرَّبة.
يُعدّ «كليلة ودمنة» في العربية من أوائل نماذج النثر الفني الناضج وأبدعها؛ إذ نقله ابن المقفع بأسلوبٍ رصينٍ سهلٍ رقيقٍ، تجري فيه الحكمة في ثنايا الحكاية دون تكلّف، حتى صار الكتاب مدرسةً في البيان يتخرّج بها الأدباء والكتّاب، ونموذجًا يُحتذى في الجمع بين الإمتاع والتعليم.
ولم يبقَ أثره في العربية وحدها؛ فقد نُقل عنها إلى لغاتٍ كثيرة عبر القرون، فترجمه الناس إلى السريانية والفارسية والعبرية واليونانية واللاتينية والإسبانية وغيرها، حتى صار من أوسع كتب التراث انتشارًا في العالم. ويُذكر أن حكاياته تسرّبت إلى آداب أوروبا وقصصها على ألسنة الحيوان، ونُسب إليه، عبر «الحكيم الهندي بيدبا»، أثرٌ في كتّاب الأمثال والخرافات في العصور المتأخرة.
وقد عُني به الورّاقون والمصوّرون قديمًا فزيّنوا نسخه بالمنمنمات البديعة تصويرًا لمشاهد حيواناته، فصار من أجمل ما خُطّ وزُوّق من كتب التراث، ومن أكثرها حضورًا في مخطوطات المكتبات ومعارضها إلى اليوم.
هذا كتابٌ لكلّ محبٍّ للأدب والحكمة: لطالب البلاغة يتذوّق فيه أنموذجًا رفيعًا من النثر العربي، ولمن يعنيه فقه التعامل مع الناس وتدبير الأمور، ولمن يهوى القصص الرمزية التي تُقرأ للمتعة وتُعاد للتأمّل. وهو مما يصلح لكلّ سنٍّ؛ يقرؤه الصغير حكايةً مسلّية، ويقرؤه الكبير حكمةً بالغة.
وعلى رحلة تجد نصّ «كليلة ودمنة» كاملًا مرتّبًا على أبوابه كما وضعه المعرِّب، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي بابٍ بضغطةٍ واحدة، تقرؤه كاملًا مجانًا. ابدأ من مقدّمته وباب الأسد والثور لتقف على سرّ التسمية، أو تخيّر البابَ الذي يحلو لك، وتنقّل في حكاياته كيف شئت.
النص الكامل بين يديك
كليلة ودمنة كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)
2373 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

محمد بن عبد الوهاب
1 فصل

محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)
700 فصلاً

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)
335 فصلاً