عن الكتاب
في مصرَ العثمانية، وقد صارت القاهرة مثابةً للعلم يقصدها طلاب المذاهب، برز فقيهٌ حنبليٌّ انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه حتى صار يُشار إليه بـ«شيخ الحنابلة». لم يكن مكثِرًا من التأليف بقدر ما كان محرِّرًا مُنقِّحًا، عكف على متون المذهب المعتمدة يشرحها ويجلو غامضها ويضبط راجحها، فترك للأمة شروحًا صارت هي الأصل الذي يُدرَّس ويُفتى به بعده. ومن أجلّ ما خلّف شرحُه الموسوعيُّ الحافل الذي بسط فيه مسائل المذهب وأدلّتها ونقولها حتى غدا من أوسع دواوين الفقه الحنبلي وأكثرها اعتمادًا. هذا هو كتاب «كشاف القناع عن متن الإقناع» للإمام منصور البهوتي.

هو الإمام الفقيه منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن إدريس البهوتي الحنبلي، نسبةً إلى «بهوت» من قرى مصر بإقليم الغربية. نشأ بمصر في القرن الحادي عشر الهجري، وقد صارت القاهرة يومئذٍ من أعظم حواضر العلم، تُدرَّس فيها المذاهب الأربعة وتُقصَد من الآفاق، فأقبل على الفقه الحنبلي حفظًا وتحصيلًا حتى برز فيه وتصدّر للتدريس والإفتاء.
بلغ البهوتي في المذهب منزلةً رفيعة حتى انتهت إليه رئاسة الحنابلة بمصر، فصار المرجعَ الذي يُقصَد في النوازل والفتاوى، ولُقّب بـ«شيخ الحنابلة» في زمانه. وامتاز عن كثيرٍ من أقرانه بأنه لم يكن مكثِرًا من التصنيف بقدر ما كان محرِّرًا مُنقِّحًا لِما استقرّ عليه المذهب، يجمع أطرافه ويجلو غوامضه ويضبط الراجح من أقواله.
توفّي رحمه الله سنة إحدى وخمسين وألفٍ للهجرة بالقاهرة، فكان من أواخر كبار محرِّري المذهب الحنبلي؛ إذ صارت كتبه هي المعتمد الذي يُدرَّس ويُفتى به من بعده، حتى قلّ أن تجد حنبليًّا متأخّرًا لا يدور في تحصيله على شروح البهوتي وحواشيها.
قبل البهوتي بنحو قرنٍ من الزمان كان الشيخ شرف الدين موسى بن أحمد الحجاوي المقدسي ثم الدمشقي (ت نحو 968 هـ) قد صنّف متنه «الإقناع لطالب الانتفاع»، فقصد فيه أن يجمع المعتمد من مسائل المذهب الحنبلي في كتابٍ واحد، مستمدًّا من أمّهات المذهب ومحرِّراته. فجاء «الإقناع» متنًا حافلًا واسع المسائل، جامعًا لفروع المذهب على وجهٍ يُغني طالبه، حتى صار من المتون الكبرى التي يُعتمد عليها في التمذهب.
وعلى هذا المتن عكف البهوتي يشرحه ويبسط عباراته ويحلّ مشكِله؛ فالمتن لِسعته واختصاره قد يستغلق على القارئ، فجاء الشرح ليكشف عنه القناع ويجلو ما وراء ألفاظه من المسائل والأدلة والنقول. ومن هنا كان اسمه «كشاف القناع عن متن الإقناع»؛ إذ «القناع» هو الغطاء والستر، وكأنّ الشارح يرفع الستر عن معاني المتن ويكشف مكنونه لطالب الفقه.
وقد جاء هذا الصنيع في عصرٍ استقرّ فيه الفقه الحنبلي على متونٍ معدودة تحرّر عليها المذهب، فعُني علماؤه بشرحها وتنقيحها أكثر من عنايتهم بابتداء التصنيف. وكان البهوتي في طليعة هؤلاء المحرِّرين، فلم يقتصر على شرح «الإقناع» وحده، بل شرح أيضًا «منتهى الإرادات»، فاجتمع في شخصه ما تفرّق في غيره من خدمة المتنين اللذين انبنى عليهما معتمد المذهب.
يمشي «كشاف القناع» على ترتيب متن «الإقناع» نفسِه؛ فيستوعب أبواب الفقه كلها بادئًا بالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم البيوع وسائر المعاملات، فالنكاح والطلاق، فالجنايات والحدود والقضاء وما يتّصل بها، حتى يجيء الكتاب موسوعةً فقهيةً تدور على أبواب المذهب من أوّلها إلى آخرها على نسقٍ واحد.
وطريقته أن يسوق كلام «الإقناع» ثم يشرحه شرحًا ممزوجًا؛ فيوضّح الألفاظ، ويفصّل ما أجمله المتن، ويقيّد ما أطلقه، ويبسط المسائل التي طواها الاختصار. ولا يكتفي في كثيرٍ من المواضع بذكر الحكم مجرّدًا، بل يذكر دليله من الكتاب والسنّة وأقوال أئمة المذهب، ويحكي النقول عن كتب الحنابلة المتقدّمة، فيجتمع للقارئ مع الحكم مأخذُه ومستنده.
وامتاز البهوتي في شرحه بالتحرير والضبط؛ فينبّه على الراجح من المرجوح في المسألة، ويوضّح ما وقع في المتن من مواضع الإشكال أو ما جرى فيه الخلاف، ويوازن بين النقول ليخرج القارئ على بيّنةٍ من قول المذهب المعتمد. فهو بهذا لا يشرح لفظًا فحسب، بل يُهذّب المسائل ويجمع شتاتها ويضعها في نصابها.
استقرّ أمر المذهب الحنبلي عند المتأخّرين على متنين كبيرين هما «الإقناع» للحجاوي و«منتهى الإرادات» لابن النجّار الفتوحي، فصارا العُمدة في معرفة القول المعتمد. وقد جرت عند فقهاء المذهب قاعدةٌ مشهورة في التعامل مع هذين المتنين حين يتّفقان أو يختلفان، جعلت مدار المعتمد عليهما.
ولمّا كان البهوتي هو الذي شرح المتنين جميعًا، فشرح «الإقناع» في «كشاف القناع»، وشرح «المنتهى» في كتابٍ آخر، صارت شروحه هي المفتاح الذي يُدخَل به إلى معتمد المذهب. فقلّ أن تجد مسألةً في الفقه الحنبلي المتأخّر إلا ولها بـ«الكشّاف» صلة، إمّا بتقرير حكمها أو بيان دليلها أو تحرير الراجح فيها، حتى صار الكتاب مرجعًا للمفتين والقضاة والدارسين على السواء.
ولهذا عُدّ «كشاف القناع» من أنفع كتب المذهب وأوسعها؛ فهو يجمع بين سعة الاستيعاب لمسائل الفقه، ودقّة التحرير لِما اعتمده الحنابلة، ووضوح العبارة التي تقرّب المتن الحافل إلى طالبه. وبذلك تبوّأ مكانةً لا تكاد تدانيها إلا شروح البهوتي الأخرى.
فما اتّفق عليه صاحبا «المنتهى» و«الإقناع» فهو المعتمد، وما اختلفا فيه فالعمل على ما في «المنتهى» غالبًا.
تبوّأ «كشاف القناع» منزلةً رفيعة بين مصنّفات الحنابلة حتى عُدّ من أمّهات كتب المذهب المعتمدة ومطوّلاته الجامعة، يرجع إليه العلماء والمفتون في تحرير المسائل ومعرفة أدلّتها ونقولها. وهو مع «شرح منتهى الإرادات» للبهوتي نفسه بمنزلة الجناحين اللذين يطير بهما طالب الفقه الحنبلي المتأخّر إلى معرفة معتمد مذهبه.
ولم تكن شروح البهوتي في المذهب مقصورةً على «الكشّاف»؛ فله «الروض المربع» شرح «زاد المستقنع» وهو من أشهر ما يُبتدأ به في تعليم الفقه الحنبلي، وله شرح «منتهى الإرادات»، فاجتمع له من خدمة متون المذهب ما جعل اسمه مقرونًا بتحرير الفقه الحنبلي في طوره الأخير. وكثيرًا ما تُبنى على «الكشّاف» الحواشي والتعليقات لِما فيه من المادة الغزيرة.
وقد عرف العالَم الكتاب في العصر الحديث حين طُبع فتتابعت طبعاته وتحقيقاته، وهو يقع في نحو ستة مجلداتٍ في كثيرٍ من طبعاته، فانتشر بين طلبة العلم انتشارًا واسعًا حتى صار من الكتب التي لا تخلو منها خزانةٌ فقهية تُعنى بالمذهب الحنبلي.
يمكنك أن تقرأ «كشاف القناع» هنا على ترتيب مؤلّفه، فتبدأ من كتاب الطهارة والصلاة وتتدرّج في أبواب العبادات، ثم تنتقل إلى البيوع والمعاملات فالنكاح فالجنايات وسائر الأبواب. وننصحك أن تقرأ عبارة المتن أولًا ثم تتبعها بشرح البهوتي، فبهذا التتابع تُدرك كيف يجلو الشارح مكنون «الإقناع» ويفصّل مجمله.
واقرأه قراءة المتفقّه لا قراءة المتصفّح؛ فلا تكتفِ بالحكم حتى تنظر في دليله ونقله وما نبّه عليه البهوتي من الراجح والمرجوح، فذاك موضع الفائدة الكبرى في الكتاب. والنصّ كامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أوّله أو انتقل إلى الباب الذي يعنيك، واقرأ في ديوانٍ من أوسع ما صنّفه الحنابلة في الفقه وأكثره اعتمادًا.
النص الكامل بين يديك
كشاف القناع كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن