عن الكتاب
متنٌ صغيرٌ في حجمه، عظيمٌ في أثره: أبوابٌ متتابعة، يفتتح كل بابٍ منها بآياتٍ من كتاب الله، ثم أحاديث وآثار، ثم «مسائل» تُستخرج من النصوص استخراج الماء من الحجر. لم يشأ مؤلفه أن يُثقله بكلامه، بل تركه للوحيَين ينطقان، فصار كتابًا يُحفظ في الصدور قبل أن يُقرأ في السطور. هذا هو «كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد» للإمام محمد بن عبد الوهاب، أشهر متون العقيدة في تقرير توحيد العبادة وبيان ما يناقضه.

وُلد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي سنة 1115 هـ في بلدة العُيينة من إقليم نجد، في بيت علمٍ وقضاء؛ فأبوه كان قاضيًا فقيهًا على مذهب الإمام أحمد، وجدُّه من علماء نجد المعدودين. حفظ القرآن صغيرًا قبل أن يبلغ العاشرة، ونشأ على الفقه الحنبلي في بيئة أبيه، ثم لم تقنعه بيئته المحلية، فشدّ الرحال في طلب العلم.
رحل إلى مكة والمدينة، وأخذ بالمدينة عن جماعة من علمائها، ومنهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف والشيخ محمد حياة السندي، ثم قصد البصرة فمكث فيها مدةً يقرأ الحديث والفقه والعربية. وفي هذه الرحلات نضج عنده مشروعه: الرجوع بالناس إلى صفاء التوحيد الأول، وتخليص العبادة من كل ما علق بها من البدع والشركيات.
ولما عاد إلى نجد، ورأى ما رأى من انحرافٍ في التوحيد، رفع صوت الدعوة، فلقي ما يلقاه المصلحون من مقاومة، حتى آواه أميرُ الدِّرعية محمد بن سعود سنة 1157 هـ، فقامت بينهما مبايعةٌ على نصرة الدعوة، كانت نواةَ الدولة السعودية الأولى. وترك الشيخ رسائل صارت أصولًا يُدرّسها طلاب العلم، منها «كشف الشبهات» و«الأصول الثلاثة» و«القواعد الأربع»، وعلى رأسها هذا «كتاب التوحيد». توفي سنة 1206 هـ بالدِّرعية عن عمرٍ ناهز التسعين.
كُتب هذا المتن في القرن الثاني عشر الهجري، وكانت نجد يومئذٍ قد شاعت فيها ممارساتٌ عدّها الشيخ نقضًا لأصل التوحيد: تعظيم القبور والأضرحة والأشجار، ودعاءُ الأموات وطلبُ الحوائج منهم، وشيءٌ من السحر والكهانة والتعلق بغير الله. فرأى أن أصل الدين، وهو إفراد الله بالعبادة، قد أصابه غبشٌ يحتاج إلى جلاء.
فلم يكن الكتاب تصنيفًا مدرسيًا يُضاف إلى المكتبة، بل كان بيانَ دعوةٍ ووثيقةَ إصلاح: أراد أن يعيد تعريف «لا إله إلا الله» تعريفًا عمليًا، فيبيّن أنها ليست كلمةً تُقال باللسان فحسب، بل حقيقةٌ تقتضي صرف العبادة كلها، الدعاء والذبح والنذر والخوف والرجاء والتوكل، لله وحده، وتجريدَ ذلك من كل شريك.
ولهذا جعل مادته من الوحيَين مباشرةً: آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ وآثار السلف، حتى يحتكم القارئ إلى النص لا إلى قول قائل. وهذا الاختيار المنهجي هو روح الكتاب: أن يقف بين يدي الدليل صريحًا، فلا يجد بينه وبين تقرير التوحيد واسطةً من رأيٍ أو جدل.
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
بُني الكتاب على نظامٍ واحدٍ يتكرر في نحو ستة وستين بابًا، فصار كالقالب الذي يتعلم القارئ الاستنباط من خلاله. يفتتح المؤلف كل بابٍ بعنوانٍ يحمل مقصوده، كـ«باب فضل التوحيد» و«باب من الشرك لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء» و«باب ما جاء في السحر»، فالعنوان نفسه دعوى، وما بعده أدلتها.
ثم يسوق تحت العنوان آياتٍ من كتاب الله، يتبعها بأحاديث النبي ﷺ وآثار الصحابة والتابعين، من غير أن يُثقل النص بشرحٍ مطوّل؛ فطريقته أن يترك النصوص تنطق بنفسها. وهذا الإيجاز الشديد هو سرّ صلاحيته للحفظ والتدريس، إذ يقع المتن كله في كرّاسٍ صغير يستوعبه المبتدئ ولا يستغني عنه المنتهي.
وأبدعُ ما في صنعته خاتمةُ كل باب: قوله «فيه مسائل»، ثم يعدّد المسائل المستنبطة عدًّا مرقّمًا، فيدرّب القارئ على تحويل النص إلى فقهٍ وعقيدة. فكأن كل بابٍ درسٌ في طريقة الاستدلال قبل أن يكون درسًا في مضمونه، ولهذا قيل: علّم الشيخ الناسَ كيف يفكرون في التوحيد لا ماذا يحفظون عنه فحسب.
محور الكتاب هو توحيد الألوهية، أي إفراد الله بأفعال العباد من العبادة، وهو النوع الذي وقعت فيه خصومة الأنبياء مع أممهم. فالكتاب لا يطيل في إثبات وجود الخالق، إذ أقرّ به المشركون أنفسهم، بل يوجّه همّه إلى إخلاص العبادة له وحده، وإلى بيان الشرك الخفي والجلي الذي يقدح في هذا الإخلاص.
ولهذا تتوالى أبوابه في نقض ما يناقض التوحيد أو يخدشه: الشرك في الدعاء، والذبح والنذر لغير الله، والتعلق بالقبور والغلو في الصالحين، والتمائم والرُّقى الشركية، والسحر والكهانة والطِّيَرة والتنجيم والاستسقاء بالأنواء، والحلف بغير الله، وسوء الأدب في أسمائه وصفاته. وفي مقابل ذلك يقرّر فضائل التوحيد وما يدخل به العبد الجنة بغير حساب.
وقد بنى الشيخ عنوان كتابه على حديث معاذ بن جبل الذي فيه أن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، فسمّاه «كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد». فالعنوان نفسه تلخيصٌ لرسالة الكتاب: أن التوحيد ليس فضلًا يتطوّع به العبد، بل هو الحق الأول الذي لله على خلقه.
حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا.
قلّ متنٌ في العقيدة نال من العناية ما ناله «كتاب التوحيد»: صار من أوائل ما يُحفّظ لطالب العلم في مدارس نجد وما تأثّر بها، ثم انتشر في العالم الإسلامي شرقًا وغربًا حتى تُرجم إلى لغاتٍ عدة. وما زال يُقرأ في الحلقات ويُشرح في الدروس بوصفه بابًا أوليًا إلى علم التوحيد.
وتوالت عليه الشروح، وأكثرها من ذرية المؤلف وأحفاده: فشرحه حفيده سليمان بن عبد الله بن محمد بشرحٍ سمّاه «تيسير العزيز الحميد»، وشرحه حفيده الآخر عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» وهو أشهرها وأوسعها انتشارًا. ثم تتابع العلماء، فكتب عليه الشيخ عبد الرحمن السعدي «القول السديد»، والشيخ محمد بن صالح العثيمين «القول المفيد»، وله حاشيةٌ نافعة لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم.
ومكانة الكتاب أنه جعل مسائل التوحيد في متناول العامة والمبتدئين بلغةٍ من الوحي لا من الاصطلاح الكلامي، فأخرج العقيدة من دائرة المتخصصين إلى ساحة كل مسلم. ولهذا بقي، بعد أكثر من قرنين، عنوانًا على مدرسةٍ في تقرير التوحيد، يُدرّس ويُحفظ ويُشرح جيلًا بعد جيل.
لصغر حجم المتن ووضوح بنائه، يمكنك أن تقرأه في جلساتٍ يسيرة: خذ كل يومٍ بابًا واحدًا، اقرأ عنوانه أولًا لتعرف مقصوده، ثم تأمّل الآيات والأحاديث تحته، ثم اختم بـ«المسائل» المرقّمة لتربط النص بالحكم. بهذا تتحول القراءة إلى تدريبٍ على الاستنباط لا إلى مرورٍ عابر.
وفي القارئ هنا تجد المتن كاملًا مرتبًا على أبوابه كما وضعه المؤلف، مع فهرسٍ يوصلك إلى أي بابٍ بضغطة واحدة. ابدأ من باب فضل التوحيد، ثم امضِ في الأبواب على ترتيبها، أو انتقِ ما يمسّ حاجتك، كباب التمائم أو باب السحر أو باب الحلف بغير الله، واقرأه كاملًا مجانًا على رحلة.
النص الكامل بين يديك
كتاب التوحيد كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
1 فصل

محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
1 فصل

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
1 فصل

ابن أبي العز الحنفي
1 فصل

تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية
1 فصل

أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري
1 فصل