عن الكتاب
تخيّل سِفرًا واحدًا تنطق فيه القصيدة بلحنها الذي غُنّيت به، ويجلس إلى جانب كل بيتٍ شاعرُه ومغنّيه وحكايتُه، فتسمع العربَ في باديتها ومجالسِ خلفائها وأسواقِ غنائها كأنك بينهم. من هذا الحلم النادر وُلد أضخم كتابٍ جمع شعر العرب وغناءهم وأخبارهم في مكانٍ واحد، عكف عليه مؤلّفه نحو نصف قرنٍ ينتقي ويروي ويوثّق. فيه تجد الجاهليةَ والإسلامَ والدولتين الأمويةَ والعباسيةَ تتحدّث بألسنة أهلها: عاشقٌ وخليفةٌ ومغنيةٌ وصعلوكٌ وأمير. إنه «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني.

أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصفهاني (284–356 هـ)، أديبٌ وأخباريٌّ ونسّابةٌ عاش في بغداد في القرن الرابع الهجري، إبّان ازدهار الحضارة العربية الإسلامية وعصرها الذهبي. ومن مفارقات نسبه أنه أمويٌّ مروانيٌّ يتّصل نسبه بآخر خلفاء بني أمية، ومع ذلك عُرف بميله إلى آل البيت حتى أفرد لمصارعهم كتابه «مقاتل الطالبيين». جمع بين سعة الرواية ودقّة التوثيق وذوق الأديب، فكان أهلًا للعمل الجسيم الذي نذر له عمره.
كان الأصفهاني موسوعيَّ الثقافة، راويةً للشعر والأخبار والأنساب، عارفًا بالغناء وأنغامه ومذاهب المغنّين. عاصر أعلام زمانه ونادم الوزراء والأمراء ونهل من مجالسهم ومكتباتهم، فاجتمع له من سعة الاطّلاع ما لم يتيسّر لغيره. ويُقال إنه ظلّ يجمع مادة «الأغاني» ويحرّرها نحو خمسين عامًا، فجاء الكتاب خلاصة عمرٍ لا ثمرة موسمٍ عابر.
«كتاب الأغاني» موسوعةٌ أدبيةٌ ضخمة تدور حول الأغاني والأشعار التي لُحّنت وغُنّيت في العصور العربية المتعاقبة. بناها الأصفهاني على هيكلٍ بديع: يختار «الصوت» (الأغنية)، فيذكر مطلع القصيدة التي غُنّيت، ثم من نظمها من الشعراء ومن لحّنها من المغنّين وطريقةَ لحنها، ثم ينساب من ذلك إلى سيرة الشاعر وأخباره، والمغنّي وحكاياته، فيتّسع النصّ حتى يصير تاريخًا للناس والعصر لا مجرّد شرحٍ لأغنية.
ويُروى أنّ أصل الكتاب أصواتٌ مئةٌ مختارة كان قد انتُقي أجودها في زمن الخليفة هارون الرشيد، فجعلها الأصفهاني نواةً ثم توسّع حولها توسّعًا هائلًا، مضيفًا أصواتًا وأخبارًا وأشعارًا حتى فاض العمل عن أصله أضعافًا. وبهذا الترتيب الذي يجعل الأغنيةَ مدخلًا إلى الحياة صار الكتاب أشبه بشبكةٍ تتفرّع من كل بيتِ شعرٍ إلى دنيا من القصص والأنساب والأيام.
لا يكاد قارئ «الأغاني» يمرّ بصفحةٍ إلا لقي فيها وجهًا من وجوه الحياة العربية: مجالسَ الخلفاء والوزراء، وأسواقَ الغناء في مكة والمدينة، وبواديَ الجاهلية وحروبَها وأيامَها، ونساءً وقيانًا ومغنّين وعشّاقًا وشعراءَ صعاليكَ وأمراء. فهو معرضٌ حيٌّ للأخلاق والعادات واللباس والطعام والطرب والسياسة، ينقل صورة المجتمع العربي من داخله بلا تجميلٍ ولا وعظ.
ولأنّ الأصفهاني أخباريٌّ قبل أن يكون واعظًا، أورد ما حسُن وما لم يحسُن، ونقل المجونَ والغزلَ إلى جانب النُّبل والبطولة، غيرَ متحرّجٍ من تصوير الناس كما هم. لذلك صار الكتاب مصدرًا لا يُستغنى عنه لمؤرّخي الأدب والاجتماع والموسيقى، يغرفون منه أخبار الشعراء وتراجمهم وروايات القصائد ومذاهب الغناء التي لولا هذا الكتاب لضاع أكثرها.
احتلّ «كتاب الأغاني» منزلةً فريدةً في تراث العربية لم يبلغها كتابٌ في بابه؛ فقد جمع بين دفّتيه ما تفرّق في مئات الكتب من شعرٍ وخبرٍ ونسبٍ وأيام، حتى عدّه ابن خلدون في مقدّمته بمنزلة ديوان العرب، وجعله غايةَ الأديب ومنتهى ما يطمح إليه في فنّه. وما زال العلماء قديمًا وحديثًا يعوّلون عليه ويصدرون عنه في كل ما يكتبون عن الأدب العربي القديم.
ويُروى في شهرته أنّ الوزير الصاحب بن عبّاد كان يستصحب في أسفاره أحمالًا من الكتب على ظهور الجمال، فلمّا ظفر بكتاب «الأغاني» استغنى به عنها جميعًا واكتفى بحمله وحده. وسواءٌ صحّت الرواية أم بولغ فيها، فإنها تشي بالمكانة التي بلغها الكتاب في نفوس أهل العلم، وبأنه عندهم مكتبةٌ كاملةٌ في مجلّدات.
«كتاب الأغاني» زادٌ لكل محبٍّ للأدب العربي وتاريخه: لطالب العلم والباحث في الشعر والغناء والاجتماع، ولكل قارئٍ يطرب لأخبار العرب وحكاياتهم ويستمتع بلغةٍ رفيعةٍ ورواياتٍ مسلّية. وهو، لسعته وتشعّبه، كتابُ تنقّلٍ ومطالعةٍ متأنّية أكثر منه كتابَ قراءةٍ متّصلة؛ يفتحه القارئ على أيّ بابٍ فيجد فيه متعةً وفائدة. على أنّ فيه من صريح الأخبار ما يقتضي من القارئ تمييزًا ووعيًا بطبيعة الكتاب الأخبارية.
نقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يقرّب إليك عالم «كتاب الأغاني» ومكانته وطريقة تأليفه، دون أن نستضيف نصّه الكامل. والكتاب متوفّرٌ بطبعاته المحقّقة في المكتبات ودور النشر، ونحن هنا نضعك على أوّل الطريق إليه ونوجز لك خلاصته وأسباب خلوده.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون