عن الكتاب
ماذا لو أنّ أكثر ما يُثقل حياتك ليس ما يجري حولك، بل ما لا يكفّ عقلك عن اجتراره من ماضٍ فات ومستقبلٍ لم يأتِ بعد؟ من هذا السؤال ينطلق إيكهارت تول ليقول إنّ اللحظة الحاضرة، «الآن»، هي وحدها موطن الحياة الحقيقيّة، وإنّ كثيرًا من قلقنا ليس إلّا صدى تفكيرٍ لا يهدأ. يدعو الكتاب قارئه إلى أن ينفصل قليلًا عن ضجيج عقله، فيكفّ عن أن يكون أسير أفكاره، ويعود إلى حضورٍ صافٍ يعيش فيه لحظته كما هي. تلك هي دعوة «قوة الآن».

تدور فكرة الكتاب كلّها حول كلمةٍ واحدة: «الآن». يرى تول أنّ الحياة لا تجري إلّا في اللحظة الحاضرة، وأنّ الماضي والمستقبل ليسا في حقيقتهما إلّا صورًا يصنعها العقل ونعيش فيهما بأذهاننا لا بوجودنا. فحين نغرق في اجترار ما فات أو القلق ممّا سيأتي، نفوّت اللحظة الوحيدة التي نملكها فعلًا، وهي هذه اللحظة القائمة بين يدينا.
ورسالة الكتاب أنّ كثيرًا من معاناتنا النفسية ليست وليدة الأحداث نفسها بقدر ما هي وليدة تفكيرنا الدائم فيها؛ عقلٌ لا يهدأ يعيد ويزيد في الحسرات والمخاوف. والعلاج عند تول أن يتعلّم المرء أن يلاحظ أفكاره من غير أن يذوب فيها، فيكتشف أنّ وراء صخب العقل حضورًا هادئًا هو جوهره الحقيقيّ.
وبهذا يقدّم الكتاب نفسه لا نظريةً فلسفيةً مجرّدة، بل دعوةً عمليةً إلى تجربةٍ داخلية: أن تعود إلى حاضرك، وتصغي إلى صمتٍ تحت الضجيج، وتعيش يومك بوعيٍ أعمق. وهو يخاطب كلّ من أثقله القلق والتفكير الزائد، ويبحث عن سكينةٍ لا تأتي من تغيّر الظروف، بل من تغيّر علاقته بلحظته.
إيكهارت تول معلّمٌ روحيٌّ وكاتبٌ من مواليد ألمانيا عام 1948م، درس في بريطانيا ثمّ استقرّ في كندا التي يقيم فيها. لم يأتِ إلى الشهرة من طريقٍ أكاديميٍّ أو مؤسّسيّ، بل من تجربةٍ شخصيةٍ عميقة صارت هي منطلق فكره كلّه.
يروي تول في مقدّمة كتابه أنّه عاش سنواتٍ من القلق والاكتئاب الشديد، حتى بلغ به الحال ليلةً حدًّا لا يُطاق، فوقعت له تجربةٌ داخليةٌ فارقة انقلب بها وعيه؛ إذ شعر أنّه لم يعد ذلك «الأنا» المعذَّب الذي كان، بل حضورٌ صافٍ يشهد أفكاره من بعيد. ومن تلك اللحظة، كما يحكي، بدأت رحلته الروحية التي أثمرت هذا الكتاب لاحقًا.
بعد ذيوع «قوة الآن» صار تول من أشهر وجوه الروحانية الحديثة في العالم، يُلقي المحاضرات ويقدّم البرامج، وأتبع كتابه بمؤلّفاتٍ أخرى أشهرها «أرضٌ جديدة» (A New Earth) الذي زادت شهرته حين خصّصت له أوبرا وينفري سلسلةً تعليميةً عبر الإنترنت. وبهذا ترسّخ اسمه معلّمًا يخاطب جمهورًا واسعًا عابرًا للثقافات.
من أبرز ما يبني عليه تول تمييزُه بين الإنسان وعقله؛ فهو يرى أنّ أكثرنا يظنّ أنّه هو أفكاره، بينما الأفكار في حقيقتها تيّارٌ يجري في الوعي لا يمثّل جوهر صاحبه. ومن هنا يدعو إلى «الحضور»: أن تلاحظ عقلك وهو يفكّر، فتنفصل عن سطوته، وتكتشف مساحةً من الصفاء وراء الأفكار.
ويقف الكتاب طويلًا عند «الأنا» (الإيجو)، تلك الصورة الذهنية التي يصنعها العقل عن الذات ويتشبّث بها، فتدفعنا إلى المقارنة والتملّك والخصام والحاجة الدائمة إلى إثبات النفس. ويرى تول أنّ كثيرًا من صراعاتنا الداخلية والخارجية إنّما ينبع من هذه الأنا التي تعيش في الماضي والمستقبل ولا تطمئنّ إلى الحاضر.
ومن أشهر مصطلحاته «جسد الألم» (pain-body)؛ وهو ما يصفه بأنّه تراكمٌ من الأحزان والجراح القديمة يسكن داخل الإنسان ويستيقظ بين حينٍ وآخر ليغذّي معاناته. والخلاص عنده أن يشهد المرء هذا الألم بوعيٍ وحضورٍ بدل أن ينساق معه، فيذوب سلطانه شيئًا فشيئًا. وهذه الصور البسيطة هي التي جعلت أفكار الكتاب سهلة الحفظ واسعة التداول.
صدر «قوة الآن» عام 1997م بدايةً في دائرةٍ محدودة، ثمّ أخذ صيته يتّسع حتى صار من أكثر كتب الروحانية الحديثة مبيعًا، فبِيعت منه ملايين النسخ وتُرجم إلى عشرات اللغات، وتصدّر قوائم الأكثر مبيعًا سنواتٍ عدّة. وكان لإشادة أوبرا وينفري به وترويجها له أثرٌ بالغٌ في انتشاره على نطاقٍ واسع.
يعود جانبٌ من هذا الرواج إلى بساطة فكرته المركزية وقابليّتها للتلخيص في كلمةٍ واحدةٍ يسهل تذكّرها، وإلى أنّه لامس همًّا إنسانيًّا مشتركًا: القلق والتفكير الزائد وثقل الماضي والمستقبل على النفس. فقدّم للقارئ مدخلًا يعده براحةٍ داخليةٍ لا تتوقّف على تبدّل ظروفه الخارجية.
كما استفاد الكتاب من موجةٍ واسعةٍ من الاهتمام بالروحانية وتطوير الذات في العالم منذ نهاية القرن العشرين، فوجد جمهورًا متعطّشًا لخطابٍ يجمع بين لغةٍ سهلةٍ ونبرةٍ تأمّلية. وبنجاحه صار تول اسمًا قائمًا بذاته، وأتبعه بكتبٍ وبرامج رسّخت مكانته معلّمًا لا مؤلّف كتابٍ واحد.
وجد كثيرٌ من القرّاء في الكتاب عونًا حقيقيًّا؛ إذ منحهم لغةً بسيطةً يخفّفون بها من وطأة القلق والتفكير الزائد، ودرّبهم على العودة إلى لحظتهم الحاضرة والإصغاء إلى سكينةٍ داخلية. ولهذا يعدّه أنصاره مدخلًا مُلهِمًا إلى حياةٍ أهدأ ووعيٍ أصفى.
في المقابل تحفّظ عليه نقّادٌ وقرّاء؛ فرأى بعضهم أنّ لغته تكثر فيها العمومية والتكرار، وأنّ أفكاره تُعرَض بوصفها حقائق قاطعة من غير سندٍ يمكن التحقّق منه. كما لاحظ آخرون أنّه يمزج بين إشاراتٍ من تقاليد روحيةٍ وتأمّليةٍ متعدّدة، وهو ما قد يتحفّظ عليه من يقرؤه من منطلقٍ عقديٍّ أو علميٍّ محدّد.
وبين هذا وذاك يبقى موقعٌ وسطٌ يتبنّاه قرّاءٌ كثيرون: أن يُقرأ الكتاب بوصفه دعوةً مُلهِمةً إلى الحضور والتخفّف من ثقل الأفكار، يأخذ منه القارئ ما ينفعه في تهدئة نفسه، ويزنه بميزان قناعاته دون أن يسلّم بكلّ ما فيه.
يناسب الكتاب من أثقله القلق والتفكير الزائد، ومن يبحث عن سكينةٍ داخليةٍ وطريقةٍ عمليةٍ للعيش في لحظته بدل أن يستنزفه الماضي والمستقبل. وهو مدخلٌ ميسّرٌ لمن يودّ التعرّف إلى أدب الروحانية وتطوير الذات المعاصر بلغةٍ سهلةٍ قريبة.
أمّا من يبحث عن تحليلٍ علميٍّ دقيقٍ أو يتحفّظ على الخلط بين التقاليد الروحية المختلفة، فالأفضل له أن يقرأه بروح المنتفع الناقد، فيأخذ ما يوافق قناعاته من دعوةٍ إلى الحضور والهدوء، ويترك ما يراه مبالغًا فيه أو غامضًا. والكتاب في جوهره تجربةٌ يعايشها القارئ أكثر ممّا هو نظريةٌ يحفظها.
ونقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يضعك على أعتاب فكرة الكتاب ومصطلحاته وسرّ ذيوعه، دون أن نستضيف نصّه الكامل. فالكتاب من الأعمال العالمية المترجمة المتوفّرة لدى ناشريها وفي المكتبات، ونحن هنا نوجز لك خلاصته ونشير إلى مكانته لتقرّر إن كان وجهتك القادمة في القراءة.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون