عن الكتاب
في زقاقٍ خلفيٍّ من أزقّة طوكيو يقبع مقهًى صغيرٌ تحت الأرض، عريقٌ لا نافذة له، تدقّ على جدرانه ساعاتٌ قديمةٌ يشير كلٌّ منها إلى وقتٍ مختلف. تسري بين روّاده أسطورةٌ همسًا: أنّ في المكان مقعدًا واحدًا إن جلست فيه أعادك إلى الماضي؛ لكنّ للرحلة شروطًا قاسية، أشدّها أنّ عليك أن تعود قبل أن تبرد قهوتك. وحين يعلم الجالسون أنّ شيئًا ممّا يفعلونه لن يغيّر الحاضر، يصير السؤال أعمق من الزمن نفسه: لماذا نعود إذن؟ من هذا السؤال الرقيق نسج الكاتب الياباني توشيكازو كاواغوتشي روايته «قبل أن تبرد القهوة».

تدور أحداث الرواية كلّها في مقهًى صغيرٍ قابعٍ في قبوٍ من أقبية طوكيو، عمره أكثر من قرن، لا تدخله الشمس، تُضيئه مصابيح خافتة وتزيّن جدرانه ثلاث ساعاتٍ عتيقةٍ لا يتّفق بعضها مع بعض. المكان دافئٌ منعزلٌ كأنّه خارج الزمان، وفيه تُروى منذ سنينٍ طويلةٍ أسطورةٌ يتناقلها الزبائن: أنّ الجلوس في مقعدٍ بعينه من مقاعده يستطيع أن يعيدك إلى لحظةٍ من ماضيك.
لكنّ هذا المقعد ليس شاغرًا في العادة؛ فتجلس فيه على الدوام امرأةٌ صامتةٌ ترتدي ثوبًا أبيض وتُطالع كتابًا لا تكاد ترفع عينيها عنه، ولا يخلو المقعد منها إلّا في لحظةٍ عابرةٍ كلّ يوم. حول هذا المقعد وأسطورته تدور حكايات الرواية، إذ يفد إلى المقهى من يحمل في قلبه لحظةً يتمنّى لو عاد إليها: كلمةً لم يقلها، أو وداعًا لم يُحسنه، أو لقاءً فاته.
وعلى صغر المكان وبساطته، يصنع كاواغوتشي منه مسرحًا كاملًا للمشاعر الإنسانية؛ فبين فناجين القهوة والحوارات الهادئة تتكشّف حيوات الشخصيات وأشجانها. إنّه ليس عالمًا فسيحًا من عوالم الخيال العلميّ، بل ركنٌ حميمٌ واحدٌ تتوالى فيه الحكايات كأنّها فصولٌ على خشبة مسرح.
ليست العودة إلى الماضي في هذا المقهى هبةً بلا ثمن؛ فهي محفوفةٌ بقواعد صارمةٍ لا سبيل إلى مخالفتها، وهي التي تمنح الرواية توترها ومعناها معًا. فأنت لا تستطيع أن تلتقي في الماضي إلّا من زار المقهى نفسه من قبل، ولا تبرح المقعد الذي تجلس فيه مهما حدث، وإن قمت عنه انتهت رحلتك في الحال.
وأقسى هذه القواعد وأعمقها أثرًا قاعدتان: الأولى أنّ شيئًا ممّا تفعله في الماضي لن يغيّر الحاضر مهما بلغ؛ فالواقع الذي تعيشه اليوم سيبقى كما هو حين تعود. والثانية أنّ عليك أن تشرب قهوتك كاملةً وتعود قبل أن تبرد، فإن تراخيت حتى بردت في الفنجان بقيت أسيرًا في ذلك المقعد شبحًا كالمرأة صاحبة الثوب الأبيض.
بهذه القيود يقلب كاواغوتشي فكرة السفر عبر الزمن رأسًا على عقب؛ فالرحلة هنا لا تَعِد بتصحيح الأخطاء ولا بإنقاذ ما فات. ولذلك يصير قرار العودة نفسه هو اللغز: ما الذي يدفع إنسانًا إلى مشقّة الرجوع وهو موقنٌ أنّ الماضي لن يتبدّل والحاضر لن يتغيّر؟ في الإجابة عن هذا السؤال يكمن قلب الكتاب.
تنتظم الرواية في أربع حكاياتٍ متّصلةٍ تجمعها جدران المقهى الواحد، يعود في كلٍّ منها زائرٌ إلى ماضيه لسببٍ من أسباب القلب. ففي حكايةٍ تعود امرأةٌ إلى لحظة فراقٍ مع حبيبٍ رحل، وفي أخرى تجلس زوجةٌ في المقعد كي تلتقي زوجًا صار المرض يمحو ذاكرته شيئًا فشيئًا. وتعود في ثالثةٍ أختٌ إلى موعدٍ مع أختها، وفي رابعةٍ تحسم امرأةٌ لقاءً ينتظرها في الغد.
يعرف كلّ واحدٍ من هؤلاء أنّ العودة لن تبدّل شيئًا في مجرى الأمور؛ فالراحل سيرحل، والمريض سينسى، وما وقع سيبقى واقعًا. ومع ذلك يمضون إلى الماضي لا ليغيّروا الأحداث بل ليقولوا كلمةً، أو يسمعوا أخرى، أو يفهموا ما غاب عنهم فهمه في حينه. وهكذا تنقلب الحكاية من سؤالٍ عن الزمن إلى سؤالٍ عن القلب: ما الذي يتغيّر فينا حين نجرؤ على مواجهة ما فات؟
ومن براعة البناء أنّ الحكايات الأربع تتقاطع وتُكمل بعضها بعضًا؛ فشخصيةٌ عابرةٌ في حكايةٍ تصير محورًا في أخرى، ويتّضح مع كلّ فصلٍ المزيد من عالم المقهى وأهله. ونكتفي هنا بهذا القدر دون أن نكشف ما تنتهي إليه كلّ رحلة، فذلك ممّا يُترك لمتعة القارئ في صفحات الرواية.
توشيكازو كاواغوتشي كاتبٌ ومخرجٌ مسرحيٌّ يابانيّ من مواليد عام 1971م، جاء إلى عالم الرواية من باب المسرح لا من باب السرد. فقد بدأت «قبل أن تبرد القهوة» في الأصل عملًا مسرحيًّا كتبه وقدّمته فرقته على الخشبة، قبل أن يعيد صياغته روايةً صدرت باليابانية عام 2015م ولاقت انتشارًا واسعًا.
ويظهر أصله المسرحيّ جليًّا في بنية الرواية وروحها؛ فالمكان واحدٌ لا يتغيّر، والحوار هو محرّك الأحداث، والفصول أشبه بمشاهد متتاليةٍ على مسرحٍ مغلق. هذه البساطة المقصودة في المكان والأدوات هي ما يتيح للكاتب أن يركّز الضوء كلّه على المشاعر والعلاقات، فتغدو القيود المكانية نفسها مصدرًا للتكثيف العاطفيّ.
وقد نقل نجاح الرواية اسم كاواغوتشي من المسرح المحليّ إلى الأدب العالميّ؛ إذ أتبعها بأجزاءٍ عدّةٍ تدور في المقهى ذاته وتوسّع عالمه، فصارت سلسلةً محبوبةً تُرجمت إلى عشرات اللغات. وبذلك رسّخ اسمه واحدًا من أبرز الأصوات اليابانية المعاصرة التي عبرت بأدبها الحدود.
الفكرة الجوهرية التي تقوم عليها الرواية أنّ الماضي لا يُغيَّر، لكنّ القلب يمكن أن يتغيّر. فالكتاب لا يَعِد قارئه بمعجزةٍ تعيد ترتيب الأقدار، بل يهمس له بأنّ ما نأخذه من العودة إلى لحظةٍ فائتةٍ ليس تبديل الأحداث، وإنّما السلام معها. من هنا ينبع عزاء الرواية الخاصّ: أنّ المصالحة مع الماضي أهمّ من محاولة محوه.
تدور ثيماتها إذن حول الندم والفرص الضائعة والحبّ والفقد والأسرة، وحول تلك الكلمات التي نؤجّل قولها حتى يفوت أوانها. وبلغةٍ رقيقةٍ هادئةٍ تلامس شغاف القلب، تجعلنا الرواية نسأل أنفسنا: لو أُتيح لنا أن نعود دقائق معدودةً إلى شخصٍ فقدناه أو لحظةٍ أضعناها، فماذا كنّا سنقول؟
ولأنّ الحكايات تدور حول الوداع والفقد، فهي روايةٌ عذبة الحزن، كثيرًا ما توصف بأنّها تُدمع العين وتواسي القلب في آن. غير أنّ حزنها ليس قاتمًا؛ بل هو حزنٌ دافئٌ يفضي إلى الرضا والامتنان، وينتهي بالقارئ إلى تقديرٍ أعمق للحظته الراهنة ولمن حوله ممّن لم يفقدهم بعد.
حقّقت «قبل أن تبرد القهوة» رواجًا استثنائيًّا انطلق من اليابان ليعمّ العالم؛ إذ بيعت منها ملايين النسخ، وتُرجمت إلى عشرات اللغات، وتصدّرت قوائم الأكثر مبيعًا في بلدانٍ كثيرة، وفتحت سلسلةً من الأجزاء المتتابعة التي حافظت على شعبيّتها. أسهم في ذلك موضوعها الإنسانيّ العابر للثقافات وأسلوبها السلس الرقيق، وفكرتها الآسرة التي تجمع بين دفء المقهى ودهشة السفر عبر الزمن.
وقد وجدت الرواية في العالم العربيّ إقبالًا واسعًا؛ إذ نُقلت إلى العربية وذاع صيتها بين القرّاء الشباب ورُوّاد نوادي القراءة ومواقع التواصل، وصارت من العناوين اليابانية المترجمة الأكثر تداولًا. هي روايةٌ لمن يحبّ السرد الهادئ الرقيق ذا النكهة اليابانية، ولمن تستهويه قصص الحبّ والفقد والفرص الثانية، ولكلّ قارئٍ يبحث عن كتابٍ قصيرٍ عميقٍ يُقرأ في جلسةٍ ويترك في القلب أثرًا طويلًا.
نقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يضعك على أعتاب عالم الرواية وأفكارها وسرّ رواجها قبل أن تقتنيها، دون أن نستضيف نصّها الكامل. والرواية من الأعمال العالمية المترجمة المتوفّرة لدى ناشريها وفي المكتبات ومنصّات البيع، ونحن هنا نوجز لك خلاصتها ونشير إلى مكانتها لتقرّر إن كانت وجهتك القادمة في القراءة.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون