عن الكتاب

فتح الباري

خمسةٌ وعشرون عامًا من عمر أعظم حفّاظ عصره أنفقها في كتابٍ واحد، حتى إذا فرغ منه أقام مأدبةً حافلة حضرها القضاة والعلماء والأعيان، وتسابق الملوك والأمراء في اقتناء نسخه ونقلها إلى الأمصار. لم يكن ذلك الكتاب متنًا جديدًا، بل شرحًا لأصحّ كتابٍ بعد كتاب الله؛ شرحٌ استوعب حديث البخاري لفظًا ومعنى وإسنادًا وفقهًا، فحلّ مشكله، ووصل معلّقه، وكشف عن أسرار تراجم أبوابه، وجمع أقوال الشرّاح قبله ثم زاد عليها. حتى سارت في الناس مقولةٌ صارت علمًا على الكتاب: «لا هجرة بعد الفتح». هذا هو «فتح الباري في شرح صحيح البخاري» للحافظ ابن حجر العسقلاني.

غلاف فتح الباري
المؤلف
الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين
وفاة المؤلف
852 هـ
النوع
شرحٌ حديثيّ موسوعيّ على «صحيح البخاري»
مدة تأليفه
نحو خمسٍ وعشرين سنة (817 – 842 هـ)
مقدمته
«هدي الساري» مقدمةٌ مستقلة في التعريف بالبخاري وصحيحه
أشهر طبعاته
طبعة بولاق، ثم الطبعة بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي (13 مجلدًا)

من هو الحافظ ابن حجر العسقلاني؟

هو أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الأصل، المصري المولد والدار، الشافعي المذهب، المعروف بابن حجر. وُلد بالقاهرة سنة 773 هـ، ونشأ يتيمًا فقد أبويه صغيرًا، فكفله من أوصى إليه أبوه، وحفظ القرآن وهو دون العاشرة، ثم أقبل على العلم إقبالًا لم يعرف الفتور، فرحل في طلب الحديث إلى الحجاز والشام واليمن، وسمع من كبار مسندي عصره حتى صار أوسع أهل زمانه روايةً ودراية.

لازم ابن حجر أئمة الحديث والفقه في عصره، وعلى رأسهم الحافظ زين الدين العراقي الذي انتفع به في علوم الحديث انتفاعًا ظاهرًا، كما أخذ عن سراج الدين البلقيني وابن الملقن وغيرهم. وتبوّأ من مناصب العلم أرفعها، فولي قضاء القضاة للشافعية بالديار المصرية سنينَ متطاولة، وجلس للإملاء والتدريس، وتخرّج به جماعةٌ من الحفّاظ، أشهرهم تلميذه المؤرّخ شمس الدين السخاوي.

بلغ ابن حجر في الحديث رتبةً لم يبلغها أحدٌ من أهل عصره، حتى لُقِّب بـ«حافظ العصر» و«أمير المؤمنين في الحديث»، وصار إليه المنتهى في التصحيح والتعليل ومعرفة الرجال. وترك ثروةً علميةً ضخمة من المصنّفات، منها «الإصابة في تمييز الصحابة» و«تهذيب التهذيب» و«تقريب التهذيب» و«لسان الميزان» و«بلوغ المرام» و«نخبة الفكر»، غير أن تاج هذه المصنّفات وأجلّها «فتح الباري». تُوفّي بالقاهرة سنة 852 هـ، وشيّعه خلقٌ لا يُحصون في يومٍ مشهود.

قصة التأليف: ربع قرنٍ في شرح أصحّ الكتب

كان «صحيح البخاري» قد بلغ في الأمة منزلة أصحّ كتابٍ بعد كتاب الله، فتوجّهت إليه همم العلماء بالشرح والعناية جيلًا بعد جيل، غير أن أحدًا لم يُوفَّ الكتاب حقّه استيعابًا وتحقيقًا. فعقد ابن حجر العزم على شرحٍ يجمع شوارد الكتاب ويحلّ مشكله ويستقصي فوائده، فشرع في إملائه سنة 817 هـ، وظلّ عاكفًا عليه يُملي ويحرّر ويراجع نحو خمسٍ وعشرين سنة، حتى فرغ منه سنة 842 هـ.

ولمّا تمّ الكتاب عظُم أمره في النفوس، فأقام ابن حجر لختمه مأدبةً حافلة أنفق فيها مالًا كثيرًا، حضرها القضاة والعلماء وأعيان الدولة، وأُنشدت فيها القصائد. وتسابق الناس في استنساخ الكتاب واقتنائه، حتى بُذلت في النسخة الواحدة الأموال الطائلة، وحُملت نسخه إلى ملوك الأقطار وأمرائها هديةً نفيسة، وهو ما لم يتفق لكتابٍ من أمثاله في زمانه.

وقد عاصر ابن حجر عالمًا كبيرًا آخر انبرى لشرح البخاري هو بدر الدين العيني صاحب «عمدة القاري»، فكان بين الرجلين تنافسٌ علميّ معروف ونقدٌ متبادل، أفاد منه طلبة العلم فوائد جمّة، إذ تلاقح الشرحان واستدرك كلٌّ منهما على صاحبه. ومع ذلك بقي «فتح الباري» هو الغرّة في جبين شروح البخاري، والمرجع الذي لا يُستغنى عنه.

منهجه في الشرح: استيعابٌ وتحرير

جرى ابن حجر في «فتح الباري» على منهجٍ يجمع بين سعة الاستيعاب ودقّة التحرير. فهو يبدأ الحديث بضبط ألفاظه وشرح غريبه، ثم يعتني بإسناده عنايةً فائقة، فيترجم لرواته، ويبيّن أنسابهم ومواطن اللبس في أسمائهم، ويرفع ما يُتوهَّم فيه من إبهامٍ أو انقطاع، مستمدًّا ذلك من إمامته في علم الرجال. ثم ينتقل إلى المتن فيوضّح معانيه، ويجمع بين الروايات المختلفة، ويوفّق بين ما ظاهره التعارض، ويردّ الشُّبَه عن الأحاديث بحلمٍ وأناة.

ومن أبرز ما اختصّ به «فتح الباري» عنايته بـ«تراجم الأبواب»، أي عناوين الأبواب التي وضعها البخاري؛ فقد اشتهر أن «فقه البخاري في تراجمه»، وأنه أودع اجتهاده الفقهيّ في اختيار عناوين أبوابه ووضْع الأحاديث تحتها. فتصدّى ابن حجر لكشف مناسبة كل ترجمةٍ لما تحتها من الأحاديث، وبيان مقصد البخاري من إيرادها، وهو من أدقّ مباحث الكتاب وأنفعها. كما تكفّل بوصل الأحاديث «المعلّقة» التي أوردها البخاري بلا إسنادٍ متّصل، فبيّن مواضع وصلها وطرقها، وقد أفرد لذلك كتابًا مستقلًّا هو «تغليق التعليق».

ولم يقتصر ابن حجر على الرواية، بل استخرج من كل حديثٍ ما فيه من الفوائد الفقهية والأصولية واللغوية والأخلاقية، فيختم شرح الحديث غالبًا بذكر ما يُستنبط منه من الأحكام والحِكَم. ومع هذا الاستقصاء كان مُنصفًا في النقل، يعزو الأقوال إلى أصحابها، ويوازن بين آراء المذاهب، ويرجّح بالدليل من غير تعصّب، فجاء شرحه جامعًا لأقوال من سبقه من الشرّاح كالخطّابي وابن بطّال والقاضي عياض والنووي، مع زياداتٍ وتحريراتٍ من عنده.

فقه البخاري في تراجمه.
مقولة شاعت بين أهل العلم في وصف صنيع البخاري في أبوابه

«هدي الساري»: مفتاح الكتاب

صدّر ابن حجر شرحه بمقدمةٍ ضخمة مستقلة سمّاها «هدي الساري مقدمة فتح الباري»، جعلها كالمفتاح الذي يُدخل القارئ إلى الكتاب على بصيرة. عقد فيها فصولًا نفيسة عرّف فيها بالإمام البخاري وسيرته وشيوخه، وبيّن شرط البخاري في صحيحه، وعدد أحاديثه، وموضوعاته، وسبب تأليفه، وتفنّن في ضبط ما وقع في الكتاب من الأسماء المشكلة والأنساب.

ومن أجلّ ما في «هدي الساري» فصلٌ عظيم انتصب فيه ابن حجر للذبّ عن رجال البخاري الذين تُكلِّم فيهم، فأورد ما قيل في كل راوٍ منهم من جرح، ثم أجاب عنه جوابًا محرّرًا يبيّن أن إخراج البخاري له إنما كان لقرائن رجّحت عدالته وضبطه. فكانت هذه المقدمة وحدها كتابًا قائمًا في علوم الحديث ومصطلحه، لا يستغني عنها طالبُ هذا الفن، حتى طُبعت مفردةً في كثيرٍ من الأحيان.

مكانته وأثره وطبعاته

تبوّأ «فتح الباري» صدارة شروح الحديث بلا منازع، وأجمع أهل العلم على أنه أعظم شرحٍ كُتب على «صحيح البخاري» وأجمعه وأدقّه، حتى سارت فيه مقولةٌ صارت علمًا عليه: «لا هجرة بعد الفتح»؛ يعنون أن من ظفر به فقد أغناه عن الرحلة إلى غيره. وما زال قرونًا مرجع المحدّثين والفقهاء والمفتين والدارسين، لا يفتح بابًا من أبواب البخاري إلا وجد ابن حجر قد سبقه إليه فأشبعه بيانًا.

وإلى جانب «فتح الباري» ظهرت شروحٌ أخرى نافعة على البخاري، أشهرها «عمدة القاري» لبدر الدين العيني وهو أوسعها في اللغة والإعراب، و«إرشاد الساري» لأحمد بن محمد القسطلاني وهو أحسنها ترتيبًا وأيسرها عبارة. لكن هذه الشروح جميعها، على فضلها، عيالٌ على «فتح الباري» في التحقيق والتحرير، ومنه استمدّت كثيرًا من موادها.

طُبع «فتح الباري» طبعاتٍ كثيرة، أقدمها الطبعة الأميرية ببولاق بمصر، ومن أشهرها وأتقنها الطبعة التي رُقّمت أحاديثها بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي وخرّجها وعلّق عليها محب الدين الخطيب، وتقع في ثلاثة عشر مجلدًا تتقدّمها مقدمة «هدي الساري». وقد صار الكتاب عمود المكتبة الحديثية، لا تخلو منه خزانةٌ لطالب علمٍ ولا مسجدٌ عامر ولا مركز تحقيقٍ للتراث.

كيف تقرؤه على رحلة؟

لست بحاجة إلى أن تقتني المجلدات الثلاثة عشر ولا أن تتنقّل بين فهارسها لتنتفع بـ«فتح الباري» هنا. افتح الكتاب وتنقّل بين أبوابه على ترتيب البخاري نفسه، أو ابحث عن الحديث أو الباب الذي تريد، فيوصلك القارئ إلى موضعه ليعرض عليك شرح ابن حجر لمعناه وإسناده وفقهه وما يُستنبط منه.

اجعله رفيقك في قراءة «صحيح البخاري»: كلما مرّ بك حديثٌ أشكل عليك لفظه، أو غمض عليك وجه إيراد البخاري له تحت بابه، فعُد به إلى «فتح الباري» تجد الجواب محرّرًا. النص كامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من كتاب بدء الوحي، أو من أيّ بابٍ شئت، وسِر في هذا الشرح العظيم على مهلك.

أسئلة شائعة

من مؤلف كتاب فتح الباري؟
مؤلفه الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين، المتوفى سنة 852 هـ. وهو حافظ عصره وأميرُ المؤمنين في الحديث، وقاضي القضاة للشافعية بمصر، وصاحب «الإصابة» و«تهذيب التهذيب» و«بلوغ المرام» وغيرها.
كم استغرق تأليف فتح الباري ومتى فرغ ابن حجر منه؟
شرع ابن حجر في إملائه سنة 817 هـ وظلّ يحرّره نحو خمسٍ وعشرين سنة حتى أتمّه سنة 842 هـ. وأقام عند تمامه مأدبةً حافلة حضرها العلماء والأعيان، وتسابق الناس في استنساخ الكتاب واقتنائه.
ما منهج ابن حجر في فتح الباري وما «هدي الساري»؟
شرحٌ جامع يضبط ألفاظ الحديث ويترجم لرواته ويجمع بين الروايات، ويعتني عنايةً خاصة بكشف مناسبة تراجم أبواب البخاري ووصل أحاديثه المعلّقة، ثم يستنبط الفوائد الفقهية والأصولية. و«هدي الساري» مقدمته المستقلة في التعريف بالبخاري وصحيحه والذبّ عن رجاله.
ما أشهر الشروح الأخرى على صحيح البخاري؟
أشهرها بعد «فتح الباري»: «عمدة القاري» لبدر الدين العيني وهو أوسعها لغةً وإعرابًا، و«إرشاد الساري» للقسطلاني وهو أيسرها عبارةً وأحسنها ترتيبًا. وتبقى هذه الشروح جميعها عيالًا على «فتح الباري» في التحقيق والتحرير.
هل يمكن قراءة فتح الباري كاملًا مجانًا على رحلة؟
نعم، النص الكامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فتتنقّل بين أبواب صحيح البخاري وشرح ابن حجر لها بيسر، وتصل إلى أي حديثٍ أو بابٍ تريد لتقف على شرحه وفوائده.

النص الكامل بين يديك

فتح الباري كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.

ابدأ القراءة الآن