عن الكتاب
في زمنٍ اضطربت فيه الأرض تحت وقع الحروب الصليبية، وهاجرت فيه أسرةٌ مقدسيةٌ من جمّاعيل إلى سفح قاسيون بدمشق، نشأ فتىً سيصير شيخ الحنابلة في زمانه: موفّق الدين ابن قدامة. ولمّا استوى إمامًا مجتهدًا، لم يكتفِ بأن يصنع للمنتهين موسوعته الكبرى «المغني»، بل التفت إلى المبتدئ الواقف على أول الطريق، فوضع له متنًا صغير الحجم عظيم النفع، اقتصر فيه على القول المعتمد في المذهب لئلا يتشتّت الناشئ باختلاف الروايات، وقرن كثيرًا من مسائله بالدليل من الكتاب والسنة ليتعوّد طالب العلم أن يبني فقهه على الأثر. فكان أول درجات سُلّمه الفقهي، ومدخل الحنابلة إلى مذهبهم قرونًا متطاولة. إنه «عمدة الفقه» للإمام موفّق الدين ابن قدامة المقدسي.

هو الإمام العلّامة شيخ الإسلام موفّق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الحنبلي، أحد أعلام بيت آل قدامة الذي أنجب للأمة عددًا من كبار العلماء والحفّاظ. وُلد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة في جمّاعيل، وهي قريةٌ من قرى نابلس ببلاد بيت المقدس، ثم هاجر أهله فرارًا بدينهم من غلبة الفرنج، فاستقرّوا بدمشق على سفح جبل قاسيون في الحيّ الذي عُرف بالصالحية، فصار موئلًا للحنابلة وأهل الحديث ومنارةً للعلم قرونًا.
رحل الموفّق في طلب العلم إلى بغداد وهي يومئذٍ حاضرة الدنيا في العلم، فلازم كبار مشايخها وتفقّه على أئمة الحنابلة حتى برع في المذهب وأصوله، وبلغ من العلوّ في الإسناد وسعة الرواية ما جعله إمامًا في الحديث والأصول واللغة والاعتقاد لا في الفقه وحده. وبلغ رتبة الاجتهاد فصار شيخ الحنابلة في زمانه غير مدافَع، إليه تُشدّ الرحال، وعنه تلقّى الأئمة من بعده.
وكان مع إمامته في العلم عابدًا ورِعًا سخيًّا، شهد بعض مغازي صلاح الدين الأيوبي في جهاد الفرنج، فجمع بين العلم والعمل والجهاد. وترك من التصانيف ما عمّ نفعه في الفقه والأصول والعقيدة والحديث، وكان من أنفع ما وضعه سلسلةٌ فقهيةٌ متدرّجةٌ تأخذ بيد الطالب من أول الطريق إلى منتهاه، أولها «العمدة». وبقي على علمه وعبادته حتى تُوفّي بدمشق سنة عشرين وستمائة يوم عيد الفطر، فرحمه الله وأجزل مثوبته.
من أبدع ما صنعه الموفّق أنه لم يكتب في الفقه كتابًا واحدًا يخاطب به الناس جميعًا على اختلاف مراتبهم، بل وضع سلسلةً متدرّجةً من أربعة كتبٍ يصعد بها الطالب درجةً درجة: «العمدة» للمبتدئ الذي يريد أن يثبّت قدمه، ثم «المقنع» لمن جاوز حدّ الابتداء فيقف على روايات المذهب ووجوهه، ثم «الكافي» الذي يقرن المسائل بأدلتها المختصرة، ثم «المغني» موسوعته الكبرى للمنتهي الباحث في الخلاف العالي. فكانت هذه الكتب الأربعة سُلّمًا محكمًا في تعليم الفقه، لا يكاد يُعرف له نظير في حُسن التدرّج.
وفي هذا النسق يتبيّن مقصد «العمدة»: فهو أصغر حلقات السلسلة وأولها، مبناه على الإيجاز الشديد، موضوعٌ لمن لا يزال في مبتدأ الطلب. أراد به الموفّق أن يعطي الناشئ صورةً صحيحةً مجملةً عن أبواب الفقه كلها، من غير أن يُثقله بالخلاف والروايات المتشعّبة التي تشوّش على المبتدئ قبل أن يرسخ قدمه. فهو زادُ أول الطريق، به يقيم الطالب فقهه ثم يترقّى إلى ما فوقه.
وقد وافق هذا الصنيع حاجةً حقيقيةً في بيئة الصالحية؛ فقد غدت في القرن السادس معقلًا للحنابلة وأهل الحديث المهاجرين من فلسطين، تعمر حلقاتها بالنشء الطالب للعلم. فكان لا بدّ لهؤلاء من متنٍ وجيزٍ محرَّرٍ يُحفظ ويُدرَّس ويُبنى عليه، فجاءت «العمدة» تسدّ هذه الثغرة، فتلقّاها الحنابلة بالقبول وجعلوها مدخلهم إلى المذهب.
يقوم منهج «العمدة» على ركيزتين اثنتين نصّ عليهما الموفّق في مقصده من الكتاب: الاقتصار على قولٍ واحدٍ معتمدٍ في المذهب، وقَرن المسائل بأدلتها. فأما الأولى فإنه لم يذكر في الغالب اختلاف الروايات والوجوه، بل ساق المسألة على القول المحرَّر المعتمد ليكون «عمدةً» يعتمد عليها المبتدئ من غير أن يلتبس عليه الصواب بتعدّد الأقوال. وأما الثانية فإنه كان يذكر في كثيرٍ من المسائل دليلها من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، ليتعوّد الناشئ منذ أول طلبه أن يعرف للحكم مأخذه، فلا يكون حافظًا لصورة الفقه فحسب بل عارفًا لأصله من الوحي.
وبهذا الجمع بين الإيجاز والدليل امتازت «العمدة» عن كثيرٍ من متون المبتدئين التي تسوق الأحكام مجرّدةً عن أدلتها؛ فهي على صغر حجمها تربّي في الطالب مَلَكة الاستدلال وتصله بمنبع الشريعة. ومع ذلك حفظ الموفّق للكتاب طابع الاختصار، فلم يُطل في تقرير الأدلة ولا في مناقشتها، بل يكتفي بالإشارة إلى الحجّة إشارةً تفتح للطالب باب النظر من غير أن تُثقله.
وأما ترتيبه فعلى أبواب الفقه المعروفة؛ يفتتحه بكتاب الطهارة، ثم الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم يمضي إلى المعاملات من البيوع والأنكحة والطلاق، فالجنايات والحدود والأقضية وسائر أبواب الفقه العملي. فجاء الكتاب على صغره جامعًا لأبواب الشريعة كلها إجمالًا، في متنٍ يسيرٍ يقع في مجلّدٍ لطيف يسهل على الطالب حفظه واستظهاره.
يظنّ بعض الناس أن قيمة الكتاب في كِبَره وكثرة مسائله، والأمر في المتون التعليمية على خلاف ذلك؛ فإن غاية المتن أن يجمع للطالب أصول الباب في أوجز عبارة، محرَّرةً ما أمكن، يسهل حفظها والبناء عليها. وهذا هو موضع «العمدة» من الإتقان؛ فقد وازن الموفّق فيها بين الإيجاز الذي يعين على الحفظ، والتحرير الذي يعصم من الخطأ، والدليل الذي يصل الطالب بأصل الحكم، فاجتمعت لها خصالٌ قلّ أن تجتمع لمتنٍ واحد.
ولهذا صارت «العمدة» من أشهر ما يُبتدأ به في تعليم الفقه الحنبلي، يحفظها الطالب في أول أمره ثم يقرأ شرحها على شيخه، فتنبني عليها معرفته بالمذهب. وبقيت حاضرةً في حلقات العلم ومعاهده إلى يومنا، يُقبل عليها المبتدئون في المذهب لِما فيها من سلامة المبنى ووضوح العبارة واقترانها بالدليل، فكانت خير مصداقٍ لاسمها: عمدةً يعتمد عليها الطالب في مبتدأ طريقه.
ليست العبرة في المتن بكثرة مسائله، بل بأن يجمع للمبتدئ أصول الفقه في أوجز عبارةٍ محرَّرة، موصولةً بالدليل؛ وذلك سرّ بقاء «العمدة».
لم تلبث «العمدة» أن صارت أصلًا يدور حوله العلماء شرحًا وتعليقًا، شأن المتون التي يتلقّاها الناس بالقبول. فمن أشهر شروحها «العُدّة شرح العُمدة» لبهاء الدين المقدسي، وهو شرحٌ متوسطٌ نافعٌ بسط فيه مسائل المتن وأدلتها وقرّب معانيه لطلاب العلم، حتى صار قرين المتن لا يكاد يُذكر أحدهما إلا ويُذكر معه الآخر.
ومن أجلّ من عُني بها شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد شرع في شرحٍ حافلٍ عليها عُرف بـ«شرح العمدة»، حرّر فيه مسائل الطهارة والصلاة والحج وبعض أبوابٍ أخرى تحريرًا واسعًا يفوق حجم المتن أضعافًا مضاعفة، فجمع فيه بين تقرير المذهب وتحقيق المسائل ومناقشة الأقوال، وهو من نفائس كتب شيخ الإسلام. وفي عناية إمامٍ كابن تيمية بشرح متنٍ للمبتدئين دليلٌ على رسوخ مكانة «العمدة» وسعة النفع بها.
وقد طُبعت «العمدة» طبعاتٍ عديدة مفردةً ومع شروحها، وما زالت مقرَّرةً في كثيرٍ من مجالس تعليم الفقه الحنبلي ومعاهده. فبقيت بعد ثمانية قرونٍ حيّةً في حلقات العلم، أول ما يُحفظ في المذهب وأوثق ما يُبنى عليه، شاهدةً على إمامة صاحبها وحُسن صنيعه في تقريب الفقه لطلابه.
اقرأ «العمدة» هنا على ترتيب الفقه بابًا بابًا؛ ابدأ من كتاب الطهارة ثم انتقل إلى الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم إلى المعاملات والأنكحة وسائر الأبواب. وهي متنٌ وجيزٌ يسهل أن تقرأه كاملًا في مجالس قليلة، وأن تعود إليه كلما أردت أن تستحضر أصل بابٍ من أبواب الفقه في عبارةٍ محرَّرةٍ موجزة.
واجعلها مدخلك إلى الفقه الحنبلي: احفظ ما تيسّر من مسائلها، وتأمّل ما ساقه الموفّق من أدلتها، فإذا رسخت قدمك فيها انتقلت إلى ما فوقها من كتبه كـ«المغني». النص كامل متاح للقراءة والبحث مجانًا على رحلة، فابدأ من أول الكتاب أو اقصد الباب الذي تريد، وطالِع متنًا اجتمع له من الإيجاز والتحرير ما جعله عمدة المبتدئين قرونًا.
النص الكامل بين يديك
عمدة الفقه كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن