عن الكتاب
في زمنٍ تناثرت فيه دواوين السنة وتفرّقت أحاديثها بين الجوامع والمسانيد، أراد إمامٌ حافظٌ أن يضع بين يدي طالب العلم قلبًا صافيًا من الحديث الصحيح لا يخالطه ضعفٌ ولا علة. فعمد إلى ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم من أحاديث الأحكام، فانتقى صفوتها، ورتّبها على أبواب الفقه من الطهارة إلى ما بعدها، حتى صار للمبتدئ عمدةً يحفظها وللمنتهي مرجعًا يراجعه. متنٌ صغير الحجم عظيم البركة، ما زال يُحفظ ويُشرح ويُتلقّى في حلَق العلم منذ ثمانية قرون. هذا هو «عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني المقدسي.

هو الإمام الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الحنبلي، وُلد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة في جمّاعيل، وهي قريةٌ من قرى نابلس في بلاد بيت المقدس، وإليها نُسب. وكان من بيتٍ عريقٍ في العلم والصلاح هو بيت آل قدامة، الذي نزح عن فلسطين فرارًا بدينه من غلبة الفرنج، فاستقرّ أهله في دمشق على سفح جبل قاسيون في الحيّ الذي عُرف بعدُ بالصالحية، فصار منارةً للحنابلة وأهل الحديث.
نشأ عبد الغني في العلم منذ صغره، وصحب ابن خالته وقرينَه الإمام موفق الدين ابن قدامة صاحب «المغني»، فتلازما في الطلب ورحلا معًا إلى بغداد وأصبهان يسمعان الحديث من شيوخ عصرهما. وبرع عبد الغني في الحفظ والإتقان حتى عُدّ من كبار حفّاظ الأمة، يُذكر في سياق الأئمة الجهابذة نقدًا للرجال ومعرفةً بالعلل، وله في ذلك مصنَّفه العظيم «الكمال في أسماء الرجال» الذي جمع فيه رجال الكتب الستة، وعليه بنى الحافظ المزي كتابه «تهذيب الكمال». وكان مع سعة علمه عابدًا زاهدًا كثير التهجّد والصدقة.
ولم تخلُ حياته من محنة؛ فقد نالته الشدائد في دمشق بسبب تمسّكه بمذهب أهل الحديث في مسائل الاعتقاد، حتى أُخرج من مجلسه وضُيّق عليه، فارتحل إلى مصر ونزل بها، وبقي على علمه وعبادته حتى تُوفّي بالقاهرة سنة ستمائة للهجرة، فكانت وفاته على رأس القرن، وترك من التصانيف ما خلّد اسمه، وكان «عمدة الأحكام» من أنفعها وأبقاها ذكرًا.
صنّف عبد الغني كتابه في القرن السادس الهجري، وهو عصرٌ اجتمع فيه ضغط الحروب الصليبية على المشرق مع نهضةٍ سنيّةٍ حديثيةٍ واسعة، أخذ فيها الحفّاظ يجمعون السنة ويحرّرونها ويميّزون صحيحها من سقيمها. وكان طالب العلم يقف أمام بحرٍ من الأحاديث مبثوثةٍ في الجوامع والمسانيد والسنن، يعزّ عليه أن يميّز الثابت من الضعيف، فاحتاج الناس إلى متنٍ محرَّرٍ مختصرٍ يجمع لهم لُبّ أحاديث الأحكام في أوثق ما رُوي.
فجاء «عمدة الأحكام» جوابًا عن هذه الحاجة؛ إذ قصد مؤلفه أن يضع بين يدي المبتدئ نواةً موثوقةً من أحاديث الأحكام، يحفظها مطمئنًّا إلى صحتها، فلا يشتغل بغربلة الأسانيد ولا بالترجيح بين الروايات، بل يبني عليها فقهه وعمله. ولهذا اقتصر على ما اتفق عليه الشيخان في الأعمّ الأغلب، فأراح الطالب من عناء التمييز، وجعل كل ما يحفظه من هذا المتن حديثًا صحيحًا مقبولًا عند أهل الحديث جميعًا.
وبهذا القصد دخل الكتاب في سلسلة «المتون» التي تربّى عليها طلاب العلم قرونًا؛ فكما كان في اللغة متونها، وفي الفقه مختصراته، صار في حديث الأحكام هذا المتن الجامع بين قِصَر العبارة وصحة المروي، يُحفظ في مبتدأ الطلب ويُبنى عليه ما بعده.
قام منهج «عمدة الأحكام» على أصلٍ واضحٍ صرّح به اسمه الكامل: «عمدة الأحكام من كلام خير الأنام صلى الله عليه وسلم»؛ فهو أحاديث في الأحكام من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، انتقاها المؤلف من أصحّ ما دُوّن، وهو ما اتفق عليه البخاري ومسلم في صحيحَيهما. فأكثر أحاديث الكتاب متفقٌ عليها بين الشيخين، وما خرج عن ذلك من أفرادٍ يسيرةٍ انفرد بها أحدهما نبّه المؤلف عليه، فبقي الكتاب في جملته على أعلى درجات الصحة.
ورتّب المؤلف أحاديثه على أبواب الفقه المعروفة، فبدأ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم انتقل إلى المعاملات كالبيوع والنكاح والطلاق، فأبواب الأطعمة واللباس والأدب والجهاد والحدود وغيرها. ويسوق في كل باب أحاديثه مسندةً إلى صحابيّها ثم يذكر متنها، من غير أن يشغل المتن بشرحٍ أو استنباط، فجاء متنًا مجرّدًا يصلح للحفظ ويترك للشارحين والفقهاء استخراج ما فيه من الأحكام.
وفي هذا الجمع سرّ تسميته «عمدةً»؛ فهو يجمع ثلاث خصالٍ قلّما اجتمعت في متنٍ واحد: صحة المروي إذ لا يكاد يخرج عن المتفق عليه، وحسن الترتيب على أبواب الفقه بحيث يجد الطالب أحاديث كل باب مجموعةً في موضعها، والاختصار الذي يعين على الحفظ والاستحضار. فصار متنًا يُعتمَد عليه ويُرجع إليه، وهو معنى العمدة.
عمدة الأحكام من كلام خير الأنام صلى الله عليه وسلم.
وضع الحافظ عبد الغني من كتابه هذا روايتين: كبرى وصغرى. فأما الصغرى فهي المتداولة المشهورة التي اقتصر فيها على أحاديث الأحكام المتفق عليها في الأعمّ الأغلب، وهي التي شاعت بين طلبة العلم حفظًا وتلقيًا، وعليها جرى أكثر الشرّاح. وأما الكبرى فأوسع مادةً وأكثر أحاديث، إذ زاد فيها المؤلف على ما في الصغرى فتوسّع في جمع أحاديث الباب.
وكلتا الروايتين تشتركان في المنهج نفسه: انتقاء الصحيح من أحاديث الأحكام وترتيبه على أبواب الفقه، وإنما الفرق في السعة والاختصار. وقد كان صِغَر حجم الصغرى وملاءمتها للحفظ سببًا في ذيوعها وتقدّمها بين المتون، حتى صار اسم «عمدة الأحكام» عند الإطلاق منصرفًا إليها، وبقيت الكبرى مرجعًا لمن أراد الاستزادة والتوسّع في مادة الكتاب.
تبوّأ «عمدة الأحكام» مكانة الصدارة بين متون حديث الأحكام، فصار من أوائل ما يُوصى المبتدئ بحفظه في سُلّم الطلب، لا سيّما عند الحنابلة، وإن تجاوز نفعه المذاهب كلها لاعتماده على المتفق عليه الذي تشترك في تسليمه سائر المدارس. يحفظه الطالب في أول أمره ليضبط أصول أحاديث الأحكام، ثم يبني عليه ما هو أوسع منه من كتب السنة.
وقد عُني العلماء بشرحه عنايةً بالغة؛ فأشهر شروحه وأنفسها «إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام» للإمام ابن دقيق العيد المتوفى سنة اثنتين وسبعمائة، وهو شرحٌ محرَّرٌ نفيسٌ عُني بالفوائد الأصولية والفقهية ودقائق الاستنباط حتى صار كتابًا مستقلًّا في قيمته. ومنها «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» للحافظ ابن الملقن المتوفى سنة أربعٍ وثمانمائة، وهو شرحٌ مطوّلٌ حافلٌ بالنقول والفوائد. ومن الشروح المعاصرة المتداولة «تيسير العلام شرح عمدة الأحكام» للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام، وهو من أيسرها تناولًا وأكثرها انتشارًا في حلَق التعليم.
وهذه الشروح المتعاقبة، القديم منها والحديث، خير شاهدٍ على رسوخ الكتاب في التراث؛ فما زال يُحفظ ويُدرَّس ويُشرح ويُطبع في طبعاتٍ متكاثرة، ويُتّخذ مدخلًا إلى فقه الحديث، حتى غدا من المتون التي لا تكاد تخلو منها مكتبة طالب علمٍ ولا حلقة تعليم.
يسهل عليك أن تقرأ «عمدة الأحكام» هنا بابًا بابًا كما رتّبه مؤلفه؛ فابدأ من كتاب الطهارة وتنقّل في أبواب الفقه على تواليها، واقرأ في كل باب أحاديثه مجموعةً في موضعها. وإن شئت أن تحفظ، فالمتن مختصرٌ موثوق، كل حديثٍ تحفظه منه فهو من صحيح السنة، فتطمئن إلى ما تحمله في صدرك.
اجعله رفيق بدايتك في فقه الحديث: احفظ منه ما تيسّر، وراجع عند كل حديثٍ ما كتبه الشرّاح من فوائده وأحكامه في كتبٍ كـ«إحكام الأحكام» و«تيسير العلام». النص كامل متاح للقراءة مجانًا على رحلة، فابدأ من أول الكتاب أو انتقل إلى الباب الذي تريد، واقرأ في عمدةٍ من أوثق ما رُوي عن خير الأنام صلى الله عليه وسلم.
النص الكامل بين يديك
عمدة الأحكام كاملًا، مقسّمًا على فصوله، مجانًا وبلا حساب.
ابدأ القراءة الآن
محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي
4037 فصلاً

أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
2286 فصلاً

أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)
1874 فصلاً

زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب
1 فصل

أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
1 فصل

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
315 فصلاً