عن الكتاب
في عمارةٍ قديمةٍ أنيقةٍ من عمارات وسط القاهرة، تتقاطع مصائر ناسٍ لا يجمعهم إلا سقفٌ واحد: أرستقراطيٌّ عجوزٌ يحنّ إلى زمنٍ ولّى، وابنُ بوّابٍ يحلم بالشرطة فتصدّه طبقته، وصحفيٌّ متفرنجٌ يخفي سرّه، ورجل أعمالٍ يتسلّق إلى المال والسياسة على أكتاف الفساد، وفتاةٌ فقيرةٌ تدفع ثمن حاجتها من كرامتها. من هذه الحيوات المتشابكة على درجات سُلّمٍ واحد صنع علاء الأسواني لوحةً بانوراميةً لمصرَ بأكملها، جريئةً وموجعةً وآسرة، هي رواية «عمارة يعقوبيان».

علاء الأسواني كاتبٌ مصريٌّ من مواليد القاهرة، جمع بين مهنتين لا تلتقيان غالبًا: طبّ الأسنان والأدب. ظلّ يمارس الطبّ سنواتٍ طويلة، وكانت عيادته في وسط البلد قريبةً من العالم الذي سيكتب عنه، بينما ينسج في الوقت نفسه مشروعه الروائي بعيدًا عن الأضواء. ثم جاءت «عمارة يعقوبيان» لتقلب حياته رأسًا على عقب، وتنقله من كاتبٍ يبحث عن ناشرٍ إلى اسمٍ يُقرأ في العواصم كلها.
برز الأسواني بوصفه صوتًا جريئًا لا يخشى الاقتراب من المسكوت عنه في المجتمع المصري: الفساد، والطبقية، والقمع السياسي، والنفاق الاجتماعي. وقد امتدّ حضوره من الرواية إلى الكتابة الصحفية والمقال السياسي، فصار من أكثر الأدباء العرب اشتباكًا مع الشأن العام وأكثرهم إثارةً للجدل في آنٍ واحد.
وبعد نجاح «عمارة يعقوبيان» واصل الأسواني مشروعه بأعمالٍ لاقت انتشارًا واسعًا، من أشهرها رواية «شيكاغو» ورواية «نادي السيارات»، إلى جانب مجموعاتٍ قصصية ومقالات. لكنّ «عمارة يعقوبيان» تظلّ عمله الأشهر والأوسع أثرًا، والباب الذي دخل منه إلى قلوب ملايين القرّاء داخل العالم العربي وخارجه.
تدور أحداث الرواية في عمارةٍ عريقةٍ من عمارات وسط البلد، تلك المنطقة التي كانت في زمنٍ مضى واجهة القاهرة الكوزموبوليتانية الأنيقة، بمقاهيها وأناقتها وخليطها من الجنسيات. اختار الأسواني هذا المكان بعناية؛ فالعمارة نفسها شاهدةٌ على تحوّل مصر من زمنٍ إلى زمن، من رحابة ما قبل منتصف القرن إلى واقعٍ أثقلَ وأضيق.
العمارة في الرواية ليست خلفيةً جامدة، بل هي بطلٌ قائمٌ بذاته ومجازٌ عن الوطن كلّه. في شققها الفسيحة يقيم من بقي من طبقةٍ قديمةٍ مترفة، وعلى سطحها في غرف الحديد الضيّقة يعيش الفقراء والوافدون من الأرياف بحثًا عن لقمةٍ في المدينة الكبيرة. هكذا تختصر البناية الواحدة هرم المجتمع المصري كلّه، من قمّته إلى قاعه، تحت سقفٍ واحد.
ومن هذا التجاور القسري بين العوالم يستمدّ العمل توتّره: أغنياءُ وفقراء، متديّنون ومتحلّلون، حالمون بالماضي ولاهثون خلف المستقبل، كلّهم يصعدون السلّم نفسه ويتنفّسون هواء العمارة ذاتها، فيما تفصل بينهم هوّةٌ لا يردمها جدارٌ ولا سطح.
تنسج الرواية حكايتها من خيوطٍ متعددةٍ متوازية، لكلٍّ منها بطلها وعالمه. هناك «زكي بك الدسوقي»، الأرستقراطيّ المسنّ الذي يعيش على ذكرى مصرَ الأنيقة التي رحلت، فيبدو غريبًا في زمنٍ لم يعد يفهمه. وهناك «طه الشاذلي»، ابن بوّاب العمارة، الشابّ النجيب الذي يحلم بدخول كلية الشرطة، فتُغلق في وجهه الأبواب لأنّ أباه بوّاب، فيبدأ رحلته مع خيبةٍ تدفعه في طريقٍ لم يختره.
وإلى جانبهما تتقاطع مصائر أخرى: «حاتم رشيد»، الصحفيّ المثقّف المتفرنج الذي يعيش صراعًا خفيًّا مع سرٍّ يثقل حياته؛ و«الحاج عزّام»، رجل الأعمال الذي صعد من القاع إلى الثراء والسياسة عبر دروبٍ ملتوية يغلّفها بمظهر التقوى؛ و«بثينة»، الفتاة الفقيرة التي تصطدم أحلامها البسيطة بواقعٍ يساوم كرامتها ثمنًا للبقاء. كلّ شخصيةٍ نافذةٌ تطلّ منها الرواية على وجهٍ من وجوه المجتمع.
وبراعة الأسواني أنه لا يحكم على أبطاله بل يفهمهم؛ يعرض ضعفهم وطموحهم وتناقضاتهم برحمةٍ وقسوةٍ معًا، فيخرج القارئ وقد عرف هؤلاء الناس كأنهم جيرانه. ونؤثر ألّا نكشف مآلات الحكايات؛ فمتعة الرواية في متابعة كلّ خيطٍ حتى تلتقي الخيوط في نسيجٍ واحدٍ يرسم صورة بلدٍ بأكمله.
خلف حكايات العمارة تكمن أطروحةٌ اجتماعيةٌ جريئة: كيف يصنع الظلم والطبقية مصائر الناس، وكيف تُغلق الأبواب في وجه الموهوب الفقير لمجرّد أصله، فيتحوّل الحلم المهدور إلى مرارةٍ ثم إلى تطرّف. تلامس الرواية جذور الغضب والانكسار في المجتمع بجرأةٍ نادرة، وتربط بين الظلم الاجتماعي وما يتولّد عنه من عنفٍ ويأس.
ولا تتوقّف الرواية عند حدٍّ في تعرية ما اعتاد الأدب أن يتحاشاه: فساد السلطة والمال، ونفاق من يتاجرون بالدين، واستغلال الضعفاء، والقهر الذي يمارَس على الأجساد والكرامات. لهذا وُصفت بأنها مرآةٌ صريحةٌ لمجتمعٍ يخفي تحت مظهره الوقور كثيرًا من الجراح، وأنها قالت بصوتٍ عالٍ ما كان يُهمس به في الظلّ.
وفي المقابل يسري في العمل حنينٌ إلى مصرَ أخرى أرحبَ وأكثر تسامحًا، تلك التي يمثّلها زكي بك؛ فكأنّ الرواية ترثي زمنًا جميلًا ضاع، وتسائل الحاضر عن كلّ ما فقده في الطريق. هذا المزج بين النقد اللاذع والحنين الرقيق هو ما يمنح العمل عمقه الإنساني ويجعله أكثر من مجرّد إدانةٍ اجتماعية.
حقّقت «عمارة يعقوبيان» نجاحًا استثنائيًّا نادرًا لروايةٍ عربية؛ فتصدّرت قوائم الأكثر مبيعًا في العالم العربي سنواتٍ متتالية، وأُعيدت طباعتها مرارًا، وتُرجمت إلى لغاتٍ عالمية عديدة فوصلت إلى قرّاءٍ في أوروبا وأمريكا وغيرها. وقلّةٌ من الأعمال العربية المعاصرة بلغت هذا المدى من الانتشار خارج حدود لغتها.
ثم جاء الاقتباس السينمائي عام 2006 ليضاعف شهرتها؛ فقد تحوّلت إلى فيلمٍ مصريٍّ ضخم أخرجه مروان حامد وشارك في بطولته نخبةٌ من كبار الممثلين على رأسهم عادل إمام، وكان من أكبر الأفلام المصرية إنتاجًا في وقته، كما تحوّلت الرواية لاحقًا إلى مسلسلٍ تلفزيوني. وبذلك عبرت الحكاية من الورق إلى الشاشة فبلغت جمهورًا أوسع بكثير.
ولم يخلُ هذا النجاح من جدلٍ حادّ؛ فجرأة الرواية على قضايا الدين والسياسة والجنس أثارت انقسامًا بين من رأى فيها عملًا شجاعًا يقول الحقيقة، ومن رأى في بعض مشاهدها إسرافًا أو مبالغة. لكنّ هذا الجدل نفسه كان جزءًا من قوّتها؛ فقد جعلها حديث المجالس والصحف، ورسّخ مكانتها بوصفها واحدةً من أهمّ الروايات العربية في مطلع هذا القرن.
يكتب الأسواني بلغةٍ واضحةٍ سلسةٍ قريبةٍ من القارئ، تخلو من التعقيد وتميل إلى الحكاية والمشهد والحوار الحيّ. يبني روايته على تعدّد الخطوط المتوازية التي تتناوب فتشدّ القارئ من حكايةٍ إلى أخرى، بأسلوبٍ بانوراميٍّ يذكّر بالرواية الواقعية الكبرى التي ترسم مجتمعًا كاملًا لا شخصيةً واحدة.
هي روايةٌ تُقرأ بيُسرٍ ومتعة، لكنّها لا تخفّ في مضمونها؛ إذ تحمل تحت سلاستها أسئلةً ثقيلة عن العدل والطبقة والدين والسلطة. ولصراحتها في تناول موضوعاتٍ حسّاسة، فهي أقرب إلى القارئ الناضج الذي لا يتردّد أمام الجرأة، ويبحث عن عملٍ يمتّعه ويحرّك فيه السؤال في آنٍ واحد.
إنّها خيارٌ ممتاز لمحبّي الرواية الواقعية الاجتماعية، ولكلّ من يريد أن يفهم نبض المجتمع المصري ومفارقاته من الداخل، ولقارئٍ يبحث عن أدبٍ يجمع المتعة إلى الجرأة والعمق. وهذه الصفحة تعريفٌ ونبذةٌ بالرواية وعالمها، لا نصّها الكامل.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون