عن الكتاب
في مكانٍ قصيٍّ قرب مدينة حلب، يزعم راوٍ أنّه عثر على رقوقٍ باليةٍ مكتوبةٍ بالسريانية، خطّها راهبٌ مصريٌّ عاش في القرن الخامس الميلاديّ، فترجمها إلى العربية ووضعها بين أيدينا. هذا الراهب الطبيب، واسمه هيبا، يكتب سيرة روحه المضطربة وهو يرتحل من صعيد مصر إلى الإسكندرية ثمّ إلى شمال الشام، شاهدًا على زمنٍ يتقاتل فيه المؤمنون باسم العقيدة، بينما يوسوس له صوتٌ خفيٌّ يدفعه إلى البوح بكلّ ما يخافه ويشتهيه. هذا الصوت هو «عزازيل».

تتّخذ «عزازيل» شكلًا حكائيًّا لافتًا؛ فهي تُقدَّم بوصفها اعترافاتٍ خطّها راهبٌ مصريٌّ اسمه هيبا على رقوقٍ من جلد، عُثر عليها بعد قرونٍ طويلة قرب حلب، فتُرجمت من السريانية إلى العربية. وبهذا يقرأ القارئ سيرةً حميمةً كتبها صاحبها لنفسه، يبوح فيها بما لا يُقال جهرًا في زمنه.
وينقلنا هيبا بين ثلاث بقاعٍ صنعت وجدانه: صعيد مصر حيث نشأ، والإسكندرية التي شهد فيها من صخب المدينة وعنف الجموع ما زلزل يقينه، ثمّ أديرة الشمال في بلاد الشام حيث لجأ راهبًا وطبيبًا يداوي الأبدان ويصارع روحه. وهو في كلّ محطّةٍ شاهدٌ على عصرٍ مضطربٍ تتصادم فيه المذاهب والأهواء.
وليست الرواية سردًا للوقائع بقدر ما هي رحلةٌ في داخل رجلٍ واحدٍ يتمزّق بين إيمانه وشكّه، وبين نُسكه وحنينه إلى الحبّ والحياة. ومن هذا التوتّر الداخليّ الدائم تستمدّ الرواية حرارتها، فتجعل من سيرة راهبٍ منسيٍّ مرآةً لأسئلةٍ إنسانيةٍ لا تشيخ.
عزازيلُ في الرواية ليس شيطانًا ذا قرنين يطلّ من ظلام، بل صوتٌ يتشكّل من أعماق هيبا نفسه، يلحّ عليه أن يكتب ويعترف ويواجه ما يهرب منه. وكلّما بلغ الراهب حدّ الكتمان أطلّ ذلك الصوت يستفزّه، فيغدو أشبه بوجهٍ آخر لضميره وشكّه ورغباته المكبوتة.
وبهذه اللمسة يحوّل يوسف زيدان الصراع بين الخير والشرّ من مواجهةٍ خارجيةٍ إلى حوارٍ باطنيّ؛ فالوسواس هنا ليس عدوًّا يأتي من بعيد، بل هو النصف المسكوت عنه في الإنسان، الذي يطالبه بأن يكون صادقًا مع نفسه ولو كان الصدق موجعًا.
ومن هنا يكتسب عنوان الرواية عمقه؛ إذ يجعل «عزازيل» اسمًا لتلك القوّة التي تدفعنا إلى مساءلة يقيننا، فلا يعود القارئ متأكّدًا إن كان هذا الصوت لعنةً تُغوي أم صرخةً تحرّر. وهذا الالتباس المقصود هو أحد أسرار جاذبية العمل.
يوسف زيدان كاتبٌ ومفكّرٌ وباحثٌ مصريّ من مواليد عام 1958م، عُرف أوّلًا عالِمًا في التراث والمخطوطات، وتولّى الإشراف على مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، فجمع بين خبرة المحقّق الذي يعيش بين الوثائق القديمة وموهبة الأديب الذي يعيد بعث تلك العصور.
وقد أفادت «عزازيل» من هذا التكوين النادر؛ فجاءت مشبعةً بروح القرن الخامس وتفاصيل حياته الدينية والفكرية، بلغةٍ فصيحةٍ رصينةٍ تقترب من نبرة السِّيَر القديمة دون أن تفقد سلاسة الرواية الحديثة. ومن ثمّ بدت الرواية كأنّها نصٌّ منقولٌ من زمنه لا مكتوبٌ عنه.
وبفضل هذه الرواية وما تلاها من أعمالٍ ومقالاتٍ ومحاضرات، صار زيدان اسمًا بارزًا وحاضرًا بقوّةٍ في المشهد الثقافيّ العربيّ، مؤلّفًا يثير النقاش أينما حلّ، بين معجَبٍ بجرأته في مقاربة التاريخ الدينيّ ومتحفّظٍ على بعض طروحاته.
في قلب «عزازيل» سؤالٌ موجعٌ عن العنف الذي يُرتكب باسم المقدّس؛ فالرواية تصوّر زمنًا يتقاتل فيه أتباع العقيدة الواحدة حول تفاصيل الإيمان، حتى تسيل الدماء وتُهدَم المعابد وتُزهَق الأرواح باسم الدفاع عن الحقّ. ومن خلال عيني راهبٍ مسالمٍ نرى كيف يتحوّل الحماس الدينيّ إلى قسوةٍ عمياء.
وإلى جانب هذا يحضر الصراع الأزليّ بين الإيمان والشكّ؛ فهيبا مؤمنٌ ورعٌ، لكنّ ما يراه من ظلمٍ وتناقضٍ يزلزل طمأنينته، فيتأرجح بين اليقين والحيرة، وبين التقوى والرغبة، وبين نداء الروح ونداء الجسد. وهذا التأرجح هو ما يمنح الشخصية عمقها الإنسانيّ.
وتطرح الرواية كذلك سؤال الحبّ في مواجهة النُّسك؛ إذ يجد الراهب نفسه ممزّقًا بين نذوره ورهبانيّته وبين حنينٍ إلى المرأة والدفء والحياة. وبهذا المزج بين الروحيّ والأرضيّ والتاريخيّ والوجدانيّ تتّسع «عزازيل» لأكثر من قراءة، فيقرؤها كلٌّ على قدر أسئلته.
منذ صدورها عام 2008م لفتت «عزازيل» الأنظار بجرأة موضوعها وجودة صنعتها، ثمّ جاء فوزها بالجائزة العالمية للرواية العربية (المعروفة بالبوكر العربية) عام 2009م ليضعها في صدارة المشهد الأدبيّ العربيّ، ويحوّلها إلى واحدةٍ من أكثر الروايات تداولًا ومبيعًا في زمنها.
ولم يقتصر رواجها على القارئ العربيّ؛ فقد تُرجمت إلى عددٍ من اللغات وحملت اسم الرواية العربية الحديثة إلى قرّاءٍ في أنحاء العالم، وصارت من الأعمال التي يُستشهد بها حين يُذكر صعود الرواية التاريخية في الأدب العربيّ المعاصر.
ويعود جانبٌ من هذا النجاح إلى أنّ الرواية جمعت بين المتعة السردية والعمق الفكريّ؛ فهي تقرأ كحكايةٍ آسرةٍ عن راهبٍ ورحلته، وتُقرأ في الوقت نفسه كتأمّلٍ في التاريخ والإيمان والإنسان، وهو مزيجٌ نادرٌ يفسّر بقاءها حاضرةً في ذاكرة القرّاء.
لم يمرّ نجاح «عزازيل» بلا عاصفة؛ فقد أثارت جدلًا واسعًا حول تصويرها لأحداث التاريخ المسيحيّ المبكّر وشخصياته، واعترض عليها بعض رجال الكنيسة القبطية ورأوا في بعض ما ورد فيها مساسًا بمقدّساتهم، حتى ردّ عليها من ردّ بالكتابة والمناظرة. وقد زاد هذا السجال شهرة الرواية وأشعل النقاش حولها.
وبين مؤيّدٍ رأى فيها عملًا شجاعًا يعري العنف الدينيّ في كلّ زمان، ومتحفّظٍ على قراءتها للتاريخ، بقيت «عزازيل» نصًّا يستفزّ التفكير ولا يترك قارئه محايدًا. وهذا في ذاته دليلٌ على أنّها لامست عصبًا حسّاسًا في الوعي الجمعيّ.
وتناسب الرواية محبّي السرد التاريخيّ ذي النفَس الفكريّ، ومن يهوى الأدب الذي يطرح أسئلة الإيمان والشكّ والعنف باسم الدين بلغةٍ رفيعة. ونقدّم على «رحلة» هذه الصفحة تعريفًا وملخّصًا يضعك على أعتاب عالم الرواية وأفكارها وسرّ الجدل حولها، دون أن نستضيف نصّها الكامل، فهي من الأعمال المتوفّرة لدى ناشرها وفي المكتبات.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون