عن الكتاب
في سماء كابول تتشابك خيوطُ الطائرات الورقية في معركةٍ قديمة، وحين تسقط الطائرة المهزومة ينطلق الصبيان يَعْدُون خلفها في الأزقّة ظَفَرًا بالغنيمة. من هذا المشهد البريء يُولد جرحٌ لا يندمل: لحظةُ خيانةٍ يتخاذل فيها صبيٌّ عن نصرة أوفى أصدقائه، فتلاحقه بقيّة عمره كظلٍّ من الذنب. وعلى مدى ثلاثة عقودٍ، من أفغانستان المزدهرة إلى منفى كاليفورنيا ثم كابول تحت حكم طالبان، تحكي الرواية رحلة رجلٍ يبحث عن طريقٍ ليكون صالحًا من جديد. إنها «عداء الطائرة الورقية»، الرواية الأولى للكاتب الأفغاني الأمريكي خالد الحسيني.

خالد الحسيني كاتبٌ أفغاني الأصل أمريكي الجنسية، وُلد في كابول سنة 1965م لأسرةٍ ميسورة، ثم حملته أقدار بلاده المضطربة إلى المنفى؛ فقد كانت عائلته خارج أفغانستان حين وقع الاجتياح السوفيتي، فلجأت إلى الولايات المتحدة واستقرّت في كاليفورنيا. درس الطبّ وعمل طبيبًا سنواتٍ قبل أن يتفرّغ للكتابة، فجاءت روايته الأولى «عداء الطائرة الورقية» لتقلب حياته رأسًا على عقب وتجعله واحدًا من أشهر الروائيين في العالم.
ما يميّز الحسيني أنّه كتب عن أفغانستان من الداخل، بعينِ ابنٍ يعرف تفاصيلها وروائحها وأعرافها، لا بعين الغريب الذي لا يرى منها إلا أخبار الحرب. فقدّم للقارئ الغربي، وللقارئ العربي من بعده، صورةً إنسانيةً دافئة عن بلدٍ لم يكن يعرف عنه سوى العنف، فأعاد إلى وجوهه ملامحها: البيوت والحدائق والصداقات والولائم وأعياد الطائرات الورقية.
ولم تكن «عداء الطائرة الورقية» حادثةً عابرة في مسيرته؛ فقد أتبعها بروايتين لاقتا رواجًا عالميًّا واسعًا هما «ألف شمسٍ مشرقة» و«ورددت الجبال الصدى»، فرسّخ موقعه ككاتبٍ جعل من مأساة أفغانستان أدبًا إنسانيًّا يتجاوز حدود بلده إلى قلوب القرّاء في كل مكان.
تبدأ الرواية في كابول السبعينيات، في أيامٍ ما تزال المدينة فيها آمنةً مزدهرة، قبل أن تعصف بها الانقلابات والحروب. هناك يعيش أمير، الراوي، صبيًّا في كنف أبٍ ثريٍّ مهيبٍ يناديه بـ«بابا»، ويكبر في بيتٍ فسيحٍ لا ينقصه شيءٌ من نعيم الدنيا سوى دفءٍ يشعر أنّ أباه يمنحه إيّاه بحساب.
وإلى جوار أمير ينشأ حسن، ابن الخادم الأمين، رفيقُ طفولته الذي لا يفارقه. غير أنّ بينهما هوّةً تصنعها الأعراف: فأمير من البشتون أهلِ السيادة، وحسن من الهزارة، تلك الأقلية التي طالما نالها الاحتقار والتمييز في أفغانستان. صداقةٌ حارّةٌ يعكّرها فارق المكانة، وولاءٌ صافٍ من حسن يقابله في نفس أمير شيءٌ من الغيرة والتردّد.
وتحضر «معركة الطائرات الورقية» بوصفها روح المكان وعنوان الرواية؛ فهي تقليدٌ شتويٌّ عزيزٌ على أهل كابول، تتقاتل فيه الطائرات في السماء حتى تسقط المهزومة، فينطلق «عدّاؤو الطائرات» يتسابقون لالتقاطها. وفي إحدى تلك المسابقات تقع الحادثة التي ستغيّر مجرى حياة الصبيَّين إلى الأبد.
يفوز أمير في مسابقة الطائرات، ويهرع حسن ليلتقط له الطائرة الأخيرة الساقطة، وفاءً منه لا يعرف حدًّا. لكنّ الطريق يخبّئ لحسن لحظةً عصيبةً يتعرّض فيها لأذًى غادرٍ من فتيةٍ متسلّطين، بينما يقف أمير على مقربةٍ منه شاهدًا خائفًا، عاجزًا، أو متخاذلًا، عن نصرته. تلك اللحظة التي اختار فيها الصمت والانسحاب هي بذرة الرواية كلها.
لا يحتمل أمير عبء الذنب، فبدل أن يواجه نفسه يزداد نفورًا من حسن حتى يدفع الأمور إلى فراقٍ مؤلم. ثم تعصف الحرب بأفغانستان؛ فيهرب أمير وأبوه إلى الغربة، ويبدآن حياةً جديدةً متواضعةً في كاليفورنيا، حيث يكبر أمير ويصير كاتبًا ويبني أسرته، غير أنّ خطيئة الطفولة تظلّ راقدةً في أعماقه لا تنطفئ.
وبعد سنواتٍ طويلة تصله دعوةٌ من الماضي تعيده إلى وطنٍ مزّقته الحرب وأطبق عليه حكم طالبان، ليواجه ما هرب منه طويلًا، وتُتاح له فرصةٌ أخيرةٌ ليكفّر عن ذنبه ويصحّح ما أفسده يومًا. ونؤثر ألّا نكشف للقارئ تفاصيل هذه العودة ومصائر أبطالها؛ فمتعة الرواية في تتبّع هذا الطريق الشاقّ نحو الخلاص خطوةً خطوة.
قلبُ «عداء الطائرة الورقية» ثنائيةٌ إنسانيةٌ خالدة: الخيانة والتكفير عنها. فالرواية تسأل سؤالًا يلامس كل نفسٍ بشرية: هل يستطيع الإنسان أن يمحو خطيئةً قديمة؟ وهل من طريقٍ ليعود المرء صالحًا بعدما خذل من أحبّ؟ إنها قصة ذنبٍ يُثقل صاحبه سنينَ طوالًا، ورحلةِ روحٍ تبحث عن السلام مع ماضيها.
وإلى جانب ذلك تنسج الرواية علاقةً معقّدة بين الأب والابن؛ فأمير يقضي طفولته يتلمّس رضا أبيه ويشعر بأنه لا يرقى إلى ما يريده منه، وهي عقدةٌ تفسّر كثيرًا من تصرّفاته. كما تُضيء الرواية جرح التمييز الطبقي والعرقي في المجتمع الأفغاني، ومأساة أقلية الهزارة، فتجعل من صداقة صبيَّين مرآةً لانقسامٍ اجتماعيٍّ أعمق.
ومن ورائها كلها تحضر أفغانستان نفسها بطلًا صامتًا: بلدٌ جميلٌ آمن ينهار تحت وطأة الاجتياح والحروب الأهلية وحكم طالبان، فيتحوّل الحنين إلى الوطن المفقود، والغربة، وثمن الحرب على الأبرياء، إلى ثيماتٍ تسري في نسيج الحكاية كلها.
حين صدرت الرواية سنة 2003م لم يكن أحدٌ يتوقّع لعملٍ أولٍ هذا الصدى؛ لكنها سرعان ما تحوّلت إلى ظاهرةٍ عالمية، تصدّرت قوائم الأكثر مبيعًا وبقيت عليها زمنًا طويلًا، وبيعت منها ملايين النسخ، وتُرجمت إلى عشرات اللغات، ومنها العربية. انتشرت بقوّة توصية القرّاء بعضهم لبعض أكثر من أيّ دعاية، حتى صارت من أكثر روايات مطلع الألفية قراءةً في العالم.
وسرّ هذا الرواج مزيجٌ نادر: حكايةٌ آسرةٌ تشدّ القارئ من أول صفحة، ومشاعرُ إنسانيةٌ جيّاشةٌ تلمس القلب مباشرة، وعالمٌ مجهولٌ للقارئ الغربي فتحته الرواية على مصراعيه. فقد وافق صدورُها زمنًا اشتدّ فيه اهتمام العالم بأفغانستان، فجاءت الرواية لتقدّم وجهها الإنسانيّ لا نشراتِ أخبارها، فأحبّها الملايين.
وفي سنة 2007م اقتُبست الرواية فيلمًا سينمائيًّا حمل الاسم نفسه، فزادها انتشارًا وعرّف بها جمهورًا أوسع. ومع أنّ بعض النقّاد رأوا في العمل ميلًا إلى العاطفة ووضوحًا في الرسالة، فإنّ أثره الجماهيري والإنساني يبقى راسخًا، وقد ثبّت اسم خالد الحسيني في مصافّ كتّاب الرواية الأكثر قراءةً في عصرنا.
أسلوب «عداء الطائرة الورقية» سلسٌ حميمٌ مباشر، يمضي بالقارئ في سردٍ متصاعدٍ لا يكاد يفلته، ويعتمد على قوة الحكاية والانفعال أكثر من التجريب في اللغة والبناء. هي روايةٌ صُمّمت لتُقرأ بشغفٍ وتُبكي وتُدهش، لا لتُعرَض في قاعات النقد وحدها؛ وهذا سرّ قربها من ملايين القرّاء حول العالم.
وهي خيارٌ رائعٌ لمحبّي الروايات الإنسانية التي تمزج بين الدفء والوجع، ولمن يريد أن يقرأ أدبًا عالميًّا يفتح له نافذةً على ثقافةٍ وبلدٍ لا يعرفه، ولكل قارئٍ تستهويه قصص الصداقة والذنب والفداء. أمّا القارئ الذي يبحث عن لغةٍ أدبيةٍ كثيفةٍ أو بناءٍ مركّبٍ معقّد فقد يجدها أقربَ إلى الوضوح والمباشرة.
وينبغي التنبيه إلى أنّ الرواية تحمل مشاهدَ قاسيةً ومؤلمةً تناسب القارئ الناضج. وهذه الصفحة تعريفٌ ونبذةٌ بالرواية وعالمها وكاتبها، لا نصّها الكامل؛ فالعمل من الأدب العالمي المترجم، ومقصد هذه الصفحة أن تعرّف القارئ العربي به وتضعه في سياقه.
احصل على الكتاب
هذا الكتاب غير متوفر للقراءة في مكتبتنا، لكن يمكنك اقتناؤه من أمازون.
اطلبه من أمازون